مفتاح السعادة
أحدها: أنهم قالوا: لو أن الواحد منا قال لآخر... إلخ وظاهره أن الآمر لم يكن له تعلق بالمأمور لا بملك ولا بنعمة، ولا شك في قبح هذه المعاقبة، لكن ليس التكليف من هذا الباب؛ لأن الله كلف عبيده، وهو مع ذلك محسن إليهم بصنوف الإحسان، وأراد بذلك التكليف نفعهم فكان إحسانا من جملة الإحسان، ولا شك في وجوب امتثال أمر المالك المنعم، ولأن الامتثال شكر للمنعم ، وقد ثبت وجوب شكر المنعم، وأن تركه إساءة إلى المنعم، ومعاقبة المسيء حسنة عند العقلاء، فصح أن هذا المثال غير وارد.
الوجه الثاني: أنا لو فرضنا صورة المثال فيمن له تعلق بالآمر، فإنه يقبح من هذا الآمر العقاب؛ لأنه لم يتقدم نهي عن المخالفة، ولا توعد عليها، والتكليف لا يحسن إلا مع الزجر عنها، فلو فرضنا زجر السيد لعبيده لقلنا بحسن عقابه على المخالفة، وأن ذلك لا يقدح في حسن التكليف كما تقدم في كلام القاسم عليه السلام .
الوجه الثالث: أن هذا الآمر إنما عاقب المأمور لمجرد تفويته نفع نفسه، والعقاب على مثل هذ قبيح، وأما عقاب الله تعالى للعاصي فليس على هذا الوجه، بل لمخالفته لأمر المالك المنعم بترك الواجب، وارتكاب القبائح، والمعلوم عند العقلاء أن من خالف أمر المالك المنعم فترك ما أمر به، وارتكب ما نهى عنه مع أنه قد حذره عاقبة المخالفة، وقدم إليه بالوعيد، فإنه يستحق العقاب، وإذا كان العقاب مستحقا فلا إشكال في حسن استيفاء المستحق، وأيضا فإن العاصي لسيده المنعم عليه يستحق الذم، وسيأتي أن العقاب يستحق بما يستحق به الذم، ويسقط بما يسقطه.
وبعد: فإنا قد قدمنا عن المنصور بالله عليه السلام أن إكمال العقل حسن، وأن كماله يقتضي وجوب واجبات عقلية، وأن في الأفعال ما يقرب من هذه الواجبات، وأن هذه المقربات تجب لوجوب الواجبات العقلية، وثبت أن هذه الواجبات الشرعية لطف في العقلية، فوجب في حكمة الحكيم التعبد بها.
صفحة ٥٥٨