554

قال (القاسم) عليه السلام : إن الجهل والعلم لا يحسن الحسن، ولا يقبح القبيح، وذلك أنه لو كان حسنا لأن الآمر به يعلم أنه يفعله لكان قبيحا إذا كان الأمر منا بما يصير إليه المأمور جاهلا، ولما لم يكن ذلك قبيحا لجهل الآمر؛ لأنه أمر بالحسن، ودعا إلى الحسن، وإن كان جاهلا بما يصير إليه المأمور، أو عالما، وشيء آخر وهو أنه لو كان الامتحان قبيحا إذا علم أنه يعصي لكان لا شيء أقبح من إعطاء العقل؛ لأنه إنما يعصي عند وجوده، ويستحق الذم والمدح به، فلما كان إعطاء العقل عند الأمم كلها موحدها وملحدها حسنا دل ذلك على أن الامتحان والخلق والأمر بالحسن كله حسن علم أنه يعصي أم يطيع.

وقال (المنصور بالله): لم يختلف أحد من العقلاء أن خلق الإنسان حيا سويا عاقلا من أكمل النعم، وما اختلف في ذلك مسلم يقر بالصانع، ولا كافر ناف له أن خلق العقل من أجل النعم، قال: وقد ثبت أن بعد كمال العقل لا بد من واجبات عقلية يجمع على وجوبها المسلم والكافر، كقبح الظلم، ورد الوديعة، وقضاء الدين، وشكر المنعم إلى غير ذلك، والواجبات الشرعية لطف فيها، واللطف يجب فعله لأن تركه ينقض غرض الآمر والناهي، وذلك لا يجوز فلا بد من التعبد، ويدفع عنه القبح التمكن، وما في مقابله من الزجر والترغيب. ذكره في الشافي.

قلت: وكلامه عليه السلام يقتضي وجوب التكليف المستلزم لما قلناه من قبح الإهمال، لكن الخصوم ما داموا على إنكارهم لحكم العقل فلا يرتدعون عن باطل، ولا ينقادون لحق؛ لأنهم وإن عرفتهم عقولهم الحق والباطل لا يعولون على ذلك التعريف لاعتقادهم عدم الفائدة فيه، وعدم وجوب الانقياد له.

نسأل الله أن يلهمنا الرشد، ويدلنا على ما أراده منا، وأن يجعل نظرنا لمعرفة الحق أين كان، وعند من كان. آمين.

والجواب عن المثال الثاني أنه غير وارد على مسألة التحسين والتقبيح، ولا على مسألة حسن التكليف لوجوه:

صفحة ٥٥٧