548

أحدها: أن يقال لو أوجد العالم لغرض لكان ذلك الغرض إما قديم، أو محدث، والأول باطل، وإلا لزم قدم العالم لوجوب حصول الفعل لأجل الغرض، والثاني: باطل أيضا، وإلا احتاج الغرض إلى غرض فيتسلسل ويدور، وأجيب بأنه أوجده لما يعلمه في الأزل من أنه إذا أوجده انتفع بإحسانه، وليس الداعي موجبا، فيلزم قدم العالم، هذا معنى جواب الإمام المهدي عليه السلام وهو يقتضي التزام قدم الغرض، بل قد صرح به في جوابه، فإنه قال قلنا أوجده لغرض أزلي، وهو علمه بأنه إذا أوجده...إلخ ما ذكرنا، وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه يقتضي إثبات الغرض قديما، ولا قديم مع الله تعالى، والأولى في الجواب ما ذكره النجري، وهو أن الغرض محدث وهو انتفاعهم، ويدفع التسلسل والدور أن الانتفاع من فعلهم، وإنما الذي من فعل الله هو خلق العين المنتفع بها.

الوجه الثاني: قال الرازي: الغرض في فعل الله إما أن يكون له في انتفاع ذلك الغير غرض يعود عليه فيلزم صحة الحاجة عليه تعالى، وهو محال، أو لا غرض فيه يعود عليه لزم كون وجود الفعل بالنظر إليه تعالى وعدمه على سواء، وإذا كان وجوده وعدمه على سواء فلا معنى لكونه غرضا مرجحا للإيجاد، بل يستحيل كونه غرضا.

قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : ويمكن الجواب بأن حاصل دليلك هذا إنكار أن يكون النفع العائد إلى الغير غرضا، وهو نفس المتنازع فيه، فإنا نقول إنه غرض صحيح، وإنه يعلم بالعقل حسن إرشاد الضال عن الطريق، وإطعام جائع قد أشرف على الهلاك، وإن فرضنا عدم حصول نفع في ذلك يعود إلى المرشد والمطعم بأن لا يخطر بباله ثناء ولا ثواب، أو بأن يكون ممن يجهل ذلك.

وقال (النجري) في جواب هذا الوجه: وقولهم لا بد أن يعود الغرض على الفاعل قلنا: هو عائد عليه من حيث كونه غرضا باعثا لا من حيث كونه نفعا، وليس يلزم أن يعود عليه من كل وجه.

صفحة ٥٥١