538

واعلم أن القول بأن الأصل في مطلق الأفعال الحظر ليس قول البغدادية جميعا، وإنما قاله بعضهم كما في (الجوهرة)، ولم يقولوا به إلا فيما لا يدرك العقل فيه جهة محسنة، ولا مقبحة، لا في مطلق الفعل، مع أنه لم يبن مذهبهم على هذا الأصل إلا الإمام القاسم عليه السلام في (الأساس) فيما اطلعت عليه، وأما غيره فاحتجوا لهم بالوجه الثاني، وهو أولى كما عرفت.

وأما أهل القول الثالث وهم الإخشيذية، فاحتجوا بأن الكذب إنما يكون كذبا بإرادة الإخبار عن الشيء، لا على ما هو به.

وأجيب بأنا لا نسلمه، بل يكون كذبا إذا لم يطابق سواء أراد أم لا، بل يكون كاذبا وإن اعتقد المطابقة وأراد الإخبار عنها، ولو سلمنا ذلك في الكذب فلا نسلمه في غيره من القبائح، فإن قيل: إن سائر القبائح كالكذب لا يؤثر فيها إلا الإرادة؛ إذ هي المؤثرة في وقوع الفعل على وجه دون وجه، والقبح فرع على وقوع الفعل على وجه مخصوص، فإذا لم يقع على ذلك الوجه إلا بالإرادة كانت هي المؤثرة في قبحه؛ لأن المؤثر في سبب الشيء هو المؤثر في ذلك الشيء.

فالجواب: أنا نعلم ضرورة أنه يقبح الظلم وإن لم يرد اتفاقا، وذلك فيما لو سلب الله فاعله الإرادة، وكذلك فعل الساهي، والنائم فإنه قبيح عند من لم يعتبر القصد، مع أنه لم يرد.

قال القرشي: ومما يبطل قولهم إنه قد يعلم القبيح من لا يعلم الإرادة، بل من لا يثبتها، وأيضا فإن الإرادة مما يقبح ويحسن، فتكون هذه الإرادة قبيحة؛ إذ إرادة القبيح قبيحة، فيجب أن تحتاج إلى إرادة، فيلزم التسلسل، أو التحكم لو اقتصر على البعض.

قال النجري: وأما ما قيل إنه يلزمهم الدور لأنه إنما قبحت الإرادة لقبح المراد، فإنما يلزمهم لو قالوا: قبح المراد لقبح الإرادة، وأما حيث قالوا: القبح الإرادة نفسها فلا دور.

صفحة ٥٤١