511

الثالث: أنه قد ضل كثير من الفرق حين قاسوا الخالق على المخلوق، فقال قوم: إن الله تعالى جسم ذو جوارح، قالوا لأنه فاعل قادر، ولم نجد الفاعل القادر إلا وهو جسم ذو جوارح، وقال آخرون: ما من حادث إلا وقبله حادث؛ لأنا ما وجدنا بيضة إلا من دجاجة، ولا دجاجة إلا من بيضة، فأثبتوا حوادث لا أصل لها حين قاسوا ما لم يروه علىما رأوه، قالوا وكذلك علماء المعتزلة ومن وافقهم فإنهم ضلوا وأضلوا كثيرا حين قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال خلقه، فقالوا لو فعل القبيح، أو أراده لكان سفيها، كما أن الواحد منا لو فعله يكون كذلك، فأثبتوا لله شركاء من خلقه، قالوا: ومما يزيد بيان هذا القياس وضوحا أنه لو نشأ إنسان في بلاد الزنج لم يخرج إلى غيرها، ولم ير إنسانا إلا أسود، ثم أنكر وجود الإنسان الأبيض وقال إنما قضيت بذلك قياسا على ما رأيت وشاهدت، فلا يشك عاقل في فساد قياسه، وضعف أساسه، وليس ذلك إلا لأنه أقاس الغائب على الشاهد.

والجواب: أن قياس الغائب على الشاهد صحيح إذا وقع على وجهه، بل قد قيل: إنه لا طريق إلى إثبات الصانع وصفاته إلا القياس على الفاعل في الشاهد.

وقال السيد (حميدان): إن المخالف في صحة القياس العقلي يوصف بالغلط والجهل، ومما يدل على صحته أنا لو وجدنا بناء في فلاة فإنا نعلم أن له بانيا، وليس ذلك إلا بالقياس على ما نشاهد من المبنيات في حضرتنا، والجامع عدم الفارق بينهما، ولم يضل من ضل من الملحدة والمجسمة إلا لتركيبهم القياس على الوجوه الفاسدة.

واعلم أن الوجوه الصحيحة التي يصح معها قياس الغائب على الشاهد أربعة:

صفحة ٥١٤