471

أفادتكم النعماء مني ثلاثة .... يدي ولساني والضمير المحجبا فإن قيل: ظاهر هذا البيت، وقول الزمخشري: وهو بالقلب واللسان والجوارح أن الشكر لا يطلق إلا على مجموع الثلاثة، وأما

إطلاقه على كل واحد منها فلا، وهذا يخالف ما ورد في الأحاديث من تسمية الحمد شكرا.

وما روي عن جماعة من الصحابة وأخرجه عدة من المحدثين أنه لما نزل قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ...}[الفتح:1 ]الآية اجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العبادة وقام حتى تفطر قدماه، فقيل له في ذلك فقال: أفلا أكون عبدا شكورا مع قوله تعالى: {اعملوا آل داوود شكرا }[سبأ:13].

وحكى الشريف الاتفاق على أن فعل اللسان يسمى شكرا.

قيل: أما البيت فالمراد به بيان استحقاقهم على الشاعر جميع أنواع الشكر فكأنه قال: كثرت نعمتكم عندي فوجب استيفاء أنواع الشكر لكم، وبالغ في ذلك حتى جعل مواردها ملكا لهم بحيث لا يكون في قلبه إلا محبتهم، ولا في لسانه إلا الثناء عليهم، ولا في يده وجوارحه إلا مكافأتهم وخدمتهم.

وأما الزمخشري فإنما أراد التنويع لا أن الشكر لا يكون إلا بمجموع الثلاثة، ذكره بعضهم، وما ذكره الشريف من الاتفاق يوجب حمل كلامه على هذا.

وقد اعترض السبكي على الاستشهاد بالبيت بأنه لا تعرض فيه بأن شيئا من ذلك يسمى شكرا، ويجاب بوجهين:

أحدهما: ما ذكره الشريف وهو أنه استشهاد معنوي على أن الشكر يطلق على أفعال الموارد الثلاثة، وبيانه أنه جعلها جزاء للنعمة، وكل ما هو جزاء للنعمة عرفا يطلق عليه الشكر لغة.

الثاني: أنه قد دل على أن المقصود بها الشكر ذكر الشكر في البيت الذي قبله وهو قوله:

وما كان شكري وافيا بنوالكم .... ولكنني حاولت بالجهد مذهبا

قيل: ورواية هذا البيت بعد الأول أحسن موقعا، وأظهر استشهادا، وعلى هذا التفسير للشكر فيقال: في حده لغة: هو فعل ينبي عن تعظيم المنعم لكونه منعما سواء كان باللسان، أو بالجنان، أو بالأركان.

صفحة ٤٧٤