مفتاح السعادة
الثاني: أنه ترك اعتمادا على الأمثلة فإنها اختيارية.
الثالث: أن الزمخشري وغيره قد نصوا على ترادف الحمل والمدح، والمعلوم بالضرورة أنه لا يحسن مدح أحد على ما ليس من فعله، وبه ألزم أصحابنا المجبرة في مسألة خلق الأفعال فقالوا: لو كانت أفعالنا من فعل الله للزم سقوط حسن المدح، أو الذم فلا يعلم حسن مدح المحسن ولا ذم المسيء لأن الإحسان والإساءة على قولهم كالخلق والألوان في كونهم مضطرين إليهما.
قالوا: ونحن نعلم بالضرورة قبح الذم واللوم على الخلق والألوان، وأن علة القبح الاضطرار إليها لا غير، فلزم مثله في الإحسان والإساءة، وفي ذلك مدافعة ماعلمناه ضرورة من الفرق، وكل قول أدى إلى القدح في الضرورة وجب الحكم ببطلانه، وأيضا فإن أصحابنا قالوا إن الثواب والعقاب يستحقان لما يستحق به المدح والذم، وقرروا ذلك بما يفيد القطع، وبنوا عليه استحقاق دوامهما -أعني الثواب والعقاب- وكل ذلك يدل على أن المدح لا يكون إلا على الأفعال الاختيارية، ولا تضرنا مشاغبة الخصم في ذلك مع ظهور مخالفته لما علم ضرورة على أن الزمخشري قد حقق في تفسير سورة الحجرات بطلان مدح الإنسان بغير فعله وهو من أئمة اللغة، وإذا ثبت هذا فنقول: إذا ثبت الترادف كان ذكر الحمد مغنيا عن التصريح بكون المحمود عليه اختياريا؛ لأنه لا يكون إلا كذلك، فإن قيل: فما فائدة التصريح به فيما حده به جماعة منهم الحسين بن القاسم، وابن لقمان، والعزيزي، وأبو السعود فقالوا: في حده ما حاصله إن الوصف بالجميل على الجميل الاختياري للتعظيم، زاد بعضهم سواء تعلق بالفضائل أي صفات الكمال كقولنا: فلان شجاع كريم، أم بالفواضل كإقراء الضيف وإغاثة اللهيف، وغير ذلك من النعم.
صفحة ٤٥٣