493

ثم نودي الليلة الثانية: يا معاذ كيف يهنؤك العيش ومحمد بين أطباق التراب، فوضع معاذ يده على رأسه وجعل يتردد في سلك صنعاء وينادي بأعلى صوته: يا أهل اليمن ردوني ردوني لا حاجة لي في جواركم، فشر الأيام يوم جاورتكم وفارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فخرج الشبان من الرجال والعواتق من النساء وقالوا: يا معاذ، ما الذي جاءك وما الذي دهاك؟ فلم يلتفت إليهم.

وأتى منزله فشد على راحلته وأخذ جرابا فيه سويق وإداوة من ماء ثم قال: لا أنزل عن ناقتي هذه إن شاء الله إلا لوقت صلاة حتى آتي المدينة، فبينا هو على ثلاث مراحل من المدينة إذ لقيه عمار فعرفه بالبعد فقال: اعلم يا معاذ أن محمدا قد ذاق الموت وفارق الدنيا.

فقال معاذ رضي الله عنه: يا أيها الهاتف في هذا الليل القار من أنت رحمك الله؟

قال: أنا عمار بن ياسر، قال: وأنت [ما] تريد؟

قال: هذا كتاب أبي بكر رضي الله عنه إلى معاذ يعلمه أن محمدا قد ذاق الموت وفارق الدنيا.

قال معاذ: فإلى من المأوى والمشتكى؟ فمن لليتامى والأرامل والضعفاء؟

ثم سار ورجع عمار معه، وجعل يقول لعمار: نشدتك بالله، كيف تركت أصحاب محمد؟

قال: تركتهم يا معاذ كغنم بلا راع.

قال: فكيف تركت المدينة؟

صفحة ٧٦٩