892

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

الناشر

مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م

مكان النشر

صنعاء - اليمن

ألا وهو ما جاء في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما من أكثر من طريق واحد أن النبي ﵌ لما أمر أصحابه أن يسووا الصفوف إذا قاموا إلى الصلاة، قال النعمان بن بشير وغيره: فكان أحدنا يطبق قدمه بقدم صاحبه، ومنكبه بمنكب صاحبه.
هذا فعل وقع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم تطبيقًا منهم لأمر الرسول ﵌ بتسوية الصفوف، ومما لا شك فيه ولا ريب فيه أن النبي ﵌ لا يمكن أن يخفى عليه ما فعله أصحابه من خلفه، من ورائه وهم يصلون مقتدين به، لا يمكن أن يخفى هذا الرص الذي طبقه أصحابه ﵌ تنفيذًا لأمره بتسوية الصفوف والتراص في الصفوف، ذلك لأن من خصوصياته ﵇ ومعجزاته أنه كان وهو في صلاته يرى من خلفه كما يرى من أمامه، فلو أن هذه التسوية لهذا التراص رص الأقدام ورص المناكب لم يكن مشروعًا لكان تكلفًا، ولو كان تكلفًا لنهاه الرسول عليه الصلاة السلام عنه؛ لأنه هناك حديثًا صحيحًا أنه ﵇ نهى عن التكلف، وإن قيل إنه من الممكن أن يخفى ذلك على النبي ﵌ فأنا أقول باب الإمكان واسع جدًا، لكن ما نحن فيه ليس من هذا الباب لسببين اثنين ذكرت أحدهما آنفًا وهو أن النبي ﵌ كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، والسبب الثاني وهو الأهم أنه إن فرض أن النبي ﵌ لم يشهد هذا الأمر الذي فعله أصحابه خلفه في الصلاة، فرب الرسول ﵌ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فما قلناه آنفًا عن رسول الله ﵌ وليس له من الوظيفة إلا التبليغ عن الله ﷿، فبالأولى والأحرى أن يقال ذلك عن رب الرسول ﵎، فيقال: إذا كان ربنا ﷿ كما أشرنا إليه آنفًا اقتباسًا من القرآن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وكان الله ﷿ لا يريد أن يشرع لعباده المؤمنين هذا التراص في الصفوف، لأمر نبيه ﵌ أن ينهى عن هذا التكلف.

2 / 389