Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
وفي هذه الحدود من هذا العام، والذي قبله كثرت آثار شهود الزور، فأظهر شخص يقال له عبد القادر بن مصطفى في السنة التي قبل هذه على شخص حلبي كان بينه وبين أبيه معاملة، مسطورا بأربعمائة دينار، وكان الشرف الأنصاري، صهر ابن مصطفى، وكان الدويدار الكبير يونس صديق الأنصاري، فطلب هذا الحلبي إليه وألزمه بالمال وقبضه؛ فأطمعه ذلك في غيره، فأخرج مسطورا آخر على شخص من أكابر التجار في مصر، بل هو أكبرهم وأقدمهم، يقال له محب، وهو من بلاد الشرق بثلاثة آلاف وخمسمائة دينار، بخط يشبه خط محب الدين العبادي، وهو توريقة وفيه رسم شهادته، ورسم شهادة أبي الخير الزفتاوي، والاثنان ميتان، فأريد إثبات ذلك على الخط، وكان عند قاضي المالكية، الحسام بن حريز، توقف في الأمور وتحرز؛ فتوقف في ذلك لعادته ولعظم المال الذي في هذا المسطور، وسمع محب، فطار عقله من ذلك، ودار على الناس فألقى في قلوب الناس قاطبة أن ذلك زور بقرائن، منها أن مصطفى أبا عبد القادر مات من مدة طويلة وضيع ابنه تركته، وأملق حتى باع قليله وكثيره، وباع كتبا نفيسة كان تغالى فيها وحصلها في مدة طويلة بأبخس ثم، ولم يذكر هذا المسطور حتى مات شاهداه كلاهما، ومنها أن محبا في غاية الملأة لم يشهر أنه استدان قط، ولا حاله حال من يستدين، ومنها أن أباه كان في خدمة المحب يسترزق من فضله، وكان دلالا مرة، وسمسارا أخرى، كل ذلك وهو من أتباع محب، ومنها أنه لما استقل بنفسه لم يعرف أن جميع متجره وصل إلى هذا المقدار الذي هو مسطور واحد، ومنها أنه كتب وصية ذكر فيها قليله وكثيره حتى ذكر أمورا تافهة، حتى قيل إنه ذكر فيها غربالا، ولم يذكر هذا المسطور بعبارة ولا إشارة، ومنها أنه كان في غاية الخسة والذكر لما يغيب من ماله، فكان إذا مطله شخص ولو بشيء يسير، صار يذكره في غالب أحيانه، ويقول: حرمني مالي، ولم يذكر هذا قط، ومنها أن الشاهدين اللذين ادعى أن الوثيقة بخطهما كانا لهما رفيق في دكانهما يقال له: شمس الدين الشباسي وهو أعرفهم، ويليه في المعرفة أبو الخير، فكانوا إذا كتبوا شيئا فإن كان الشباسي حاضرا كان هو المورق ورفقته يرسمون شهادتهم فقط، وإن لم يحضر وحضر أبو الخير كان هو المورق، وكان العبادي راسما شهادته فقط، فإنه كان ضعيف الخط والمعرفة بالصنعة، فجاء هذا المسطور على خلاف العادة بخط العبادي وليس للزفتاوي فيه إلا رسم الشهادة، ومنها أن للزفتاوي في رسمه لاسمه عادتين: قديمة وحديثة، فالقديمة كتابة الزفتاوي بواو والحديثة الزفتاي بلا واو، وهذه من الحديثة وهي بواو، هذا ما يتعلق بالأمور الخارجية، وأما ما يتعلق بقوة الخط وضعفه، فقيل: أنه كان فيه أيضا ما يدل على زوره.
ولما اشتد توقف المالكي، قام الشرف الأنصاري في مساعدة صهره، ودار على الأكابر، السلطان ومن له عنده كلمة، فقيل فرق في الوعد برشوتهم ثلاثة آلاف دينار، فقويت شوكتهم، ثم اجتمع محب بمن أوصل أمره إلى السلطان، وعطف خاطره عليه، فعقد له مجلس بقضاة المالكية، وكتب على مسطور ابن مصطفى ما أفسده، ونقل عن ابن مصطفى، أن عنده مساطر من ضربه بأزيد من عشرة آلاف دينار.
صفحة ٧