628

هو الفتاح كان قولنا أن تكون صحبتنا إلى آخر العمر لا إلى شهر أو إلى سنة وكا قولنا أن يكون بيننا أبوة وبنوة عمر دولت بالأمين (كذا كتب وكا قولنا، ولم يكتب ها نونا، وهي وكان قولنا)، وقد أراني شيخنا تلك الورقة فرأيتها على هذه الصورة، قال شيخنا، فظننت أنها من البترك، قال: فتلطفت بإرسال امرأة، سألت البترك في حاجة، فكتب لها ما صورته: الخلاص للرب صدرت هذه البركة للأمينة المباركة واستمر على تلك الصورة التي في ورقة ناظر الخاص، فتأكد الظن أنها منه والله الهادي، وكان ناظر الخاص، لكثرة ما رأى من المصائب وعاداه من الرجال، وعانى في حفظ جاهه ومنصبه، لما عنده من الشهامة والأنفة؛ قد حصلت له أمراض كثيرة، منها فتق قريب صدره، وخرج له منه شيء كهيئة الخراج، وكان يقال أنه دبله، وأنها قاتلته.

وكان ربعة إلى القصر، وإلى الرقة، إلا أنه حلو الشكل، حسن الكلام، خفيف الروح، وكان يلثغ في الراء لثغة خفيفة، وكانت عمامته في غاية الكبر لبرد في رأسه، ولحيته حسنة، ولم يكن في عصرنا رئيس إلا وله أضداد يقاومونه في بعض الأشياء وإن كان أعلى منهم إلا هذا فإنه كان في الرئاسة نيفا وعشرين سنة كان في أكثرها بلا مقارب في الرئاسة، ومع ذلك، فكانت تمر عليه أوقات يتمنى فيها الموت لوصوله في الرئاسة إلى حد لا يعرف شيء من تعلق المملكة إلا منه، مع تسخط كثير من الرؤساء عليه؛ لعجزه عن إرشائه، وعدم سماحه بأن يكل الأمور إلى غيره، ويتبرأ منها، إلى أن مات، وهو أسخط ما يكون على الدنيا على نحو خمسين سنة فأف لرئاسة هذا وصفها.

ولما مات توفرت دواعي الناس لرؤية جنازته، فما رأيت يوما كان أكثر زحاما منه ولا اجتماعا إلا في جنازته، وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر، لكن ذاك كان على أحسن ما يكون من النظام والسكون، وهذا على أسوأ ما يكون نظاما، وأشد ما يكون هرجا ومرجا وجلبة.

صفحة ٣٩٦