610

وفيه أيضا أرسل السلطان كاتب السر المحب بن الأشقر إلى قاضي المالكية يأمره أن يطلق المكاس الذي ادعي عليه في جهة الشريف الذي استشفع عنده برسول الله، فوقع منه ما وقع؛ بسبب أن السلطان رأى (كما لقنه الحنبلي) أن من شهد عليه إنما هم من أخذ منهم مكسا، فصار عدوا لهم لا تقبل شهادتهم عليه، وأن هذا الذي وقع له، من السجن والضرب كاف في تعزيره على حسب ما لقنه الملقنون، وكان المالكية قد أخرجوا النقول الصريحة من مذهبهم أن من كان في ظلم عام تقبل عليه شهادة من ظلمه لئلا يصير ذلك موجبا للإقدام على المظالم العامةالتي من أعظم مقاصد الشرع نصب ما يوجب الإحجام عنها، فينعكس الأمر، وتصير مصلحة الشرع مفسدة، فلما بلغ المالكي الرسالة، قال: أنا لا أخالف السلطان، ولا أتولى إطلاقه، ولكن خذه على ما هو عليه من القيد والغل، فأحضره إلى السلطان فليفكه أو يدعه، فأخذه فحصل للسلطان وعك؛ فرد إلى السجن من جهة السلطان، واستمر إلى أن عوفي السلطان، فسأل عنه، فأخبر، فقال: إنهم يريدون أن يصيروا يحتجون في ذلك بالشوكة، وينسبونني إلى الجور، اذهبوا به إلى الشافعي يحكم فيه ففعلوا، ففك عنه قيده وغله في الحال، وتركه في مدرسة أبيه، ثم أرسل إلى ابن عمار الذي كانت عنده الدعوى عليه، فسأله عما انتهى من أمره، فقال: إنه حكم بتعجيزه عن القدح في البينة لتعزيره، فسئل المالكية فقال: إن الحكم بالتعجيز لا يكون إلا للقتل، فحاول ابن عمار عن الرجوع عن حكمه فأبى، وقال: إنما حكمت بذلك لما قام عندي من الشبه في البينة، وعجزه عن الطعن لا يقتضي عدم موجب الطعن فأرسل الشافعي إلى المالكي من شهد عليه بأنه لم يأذن لابن عمار في هذا الحكم، وأن للشافعي الدخول فيها، ثم فوض ذلك إلى نائبه البدر محمد بن البهاء محمد بن القطان، فعزره، وطافوا به ينادى عليه، هذا جزاؤه، وأقل جزائه، لا يزيدون على ذلك، وأطلقوه، فكان ذلك من أعاجيب الدهر، وكان في نحو العاشر من شهر رمضان هذا العام.

وفي هذا الحد، أرسل السلطان نحو مائة وستين من الجند في ثلاثة مراكب؛ ليأتوا بخشب من الجون.

صفحة ٣٧٦