576

ثم ركبوا بكرة الأحد ثالث عشريه، وولدا السلطان في وسط آخر صفوفهم على مقاديرهم في القرب والبعد، ودخلت محفات الخوندات، وأمامها المغنيات بالدفوف، والمواصيل في زينة ومهرجان ما رؤي مثله في هذه الأزمان، فالمسؤول الله في إتمام النعمة بإدامة انصراف النفس عن مثل ذلك من الأمور الزائلة، فإن ذلكأذكرني قدوم الروح إلى عالم البرزخ إصعادها إلى ملكوت السموات والأرض، وعرضها على الرؤوف الرحيم، أو إهباطها إلى سجيل، وما كنت قلته قديما في قريب من ذلك. إذا قطعت أوصال جسمي وفرقت

وصلت على روحي السيوف البواتر بمعترك فيه الوجوه كوالح

وأسد الشرى تعتافه وتحاذر به قلب ذي الإيمان والعزم ساكن

وفي جمعه كاس المنية دائر وأكرمت فيه بالشهادة بعدما

أهنت جموع الشرك والرمح شاجر ولاقاني الأملاك بالحور قولهم

سلام ودقت لي هناك البشائر فما ضائري ما فات من رائق المنى

وإن قال قوم إن ذلك ضائري وإلا فما قدمت ليس بنافعي

ولا النفس بالعيش الرخي تفاخر ثم إنهم دخلوا [إ] لى القاهرة في بكرة يوم الاثنين رابع عشري الشهر إلى القاهرة في موكب عظيم، واجتمع من المتفرجين ما يعجز الوصف، وركب خلف محفة خوند الكبرى خوند بنت شرباش، زوجة الملك الظاهر، وخوند بنت الملك المؤيد على حمارين، وطلع الكل إلى القلعة إلى السلطان، وأدخلت المحفات بجمالها من باب القرافة، وكانت بنت شرباش المذكورة شديدة الأنكاء لزوجة إينال على أيام الظاهر، لا تطلع إلى القلعة في هناء أو عزاء إلا أوجعت قلبها وأهانتها، فقضى الله أن تركب على حمار في خدمتها، وهي محجبة في داخل المحفة، فسبحان من يعز ويذل، وكثر ثناء الناس الحسن على ابن السلطان، وأمه، وجميع أتباعهم، في كرمهم، ورفقهم بفقيرهم وغنيهم وتواضعهم، مع جليلهم وحقيرهم، زادهم الله من فضله، ووفقهم دائما لما يرضيه عنهم، وأصلح بهم البلاد والعباد آمين.

ثم بلغني عن بعض خواصهم أن ذلك من خوند، وأنه لولا خوف ابنها منها، لأحدث مما يذم به ما يعجز الوصف، وحدثني زوج أخته الأمير بردبك الدويدار أنه لاقاه إلى الرقة وذلك مسيرة عشرة أيام، وأنه أتاه في ذلك المكان من بلاد الشام، من العنب والرمان، شيء كثير، وانه لم يرسل إليه من ذلك لا قليلا ولا كثيرا، وحدثني ناس من أهل المدينة الشريفة، أنهم كانوا معه من المدينة الشريفة إلى البركة، فلم يروا منه شيئا مما أهدى إليه، وكانوا لا ينظرون ذلك إلا في أيدي الأكابر وغلمانهم.

وفي يوم الأربعاء سادس عشري الشهر، ركب المماليك يطلبون من السلطان أن ينفق عليهم خمسين دينارا لكل واحد شكرا لسلامة ولده وعياله، واشتد أمرهم حتى لم يدعوا أحدا من المباشرين أن ينزل من القلعة إلى أواخر يوم الخميس، فلم يدم لهم الهناء ثلاثة أيام، فسبحان الملك على الإطلاق.

صفحة ٣٣٦