532

وفيه أيضا في يوم الخميس سابع عشرة سافر الشيخ أبو الفضل علامة الزمان في البحر إلى ثغر رشيد أو إسكندرية، بعد أن نزل عن وظيفة تدرس التفسير في قبة المنصورية للعلامة سيف الدين.. الحنفي ولم يتفق ظهور أمر النزول إلا يوم سفره، فظن بعض القاصرين في العقول والهمم - وهم أكثر الناس - أنه سافر إلى الغرب لعلل ذكروها ، ظن الطوخي أنه إذا تحرك للمنازعة فيها لا يرده أحد؛ بناء منه على أن طبع أهل بلده اقتضى أن أحدا لا يغضب لأحد، وأن أحدا لا يساعد أحدا إلا في حضوره، وعلى أن تواريخ أمره الوظيفية نسيت، فأظهر مستنده بها، فإذا هو قصة عليها خط أبي الخير النحاس، والسلطان إينال العلائي، إذ كان أتابك العساكر في ذلك الزمان، وهو رجب سنة ثلاثة وخمسين وثمانمائة، وأرسل إلى سيف الدين من أعلمه بذلك، وأن الوظيفة له لا حق فيها للشيخ أبي الفضل، فجاءه أمر هو به جاهل فخارت قواه وحارت فكرته، فاجتمع بالشيخ أمين الدين بن الأقصرائي الحنفي، ورمى عليه حملته، فاجتمع الشيخ بناظر الخاص، كاتب السر، واجتمع الطوخي بالدويدار الكبير، وكان كثير التردد إليه، وسأله أن يسأل السلطان إذنه للقاضي الشافعي في إثبات مستنده والدعوى به، فبادر بعض أصحاب الشيخ أبي الفضل إلى إعلام الأمير بردبك، بأن أصل القصة، أن الشيخ أبا الفضل ولي الوظيفة عقب موت ابن حجر، إما في آخر ذي الحجة سنة اثنين وخمسين، أو أول المحرم سنة ثلاث وخمسين، وأن الطوخي دفع لأبي الخير النحاس، وكان ذلك الوقت ناظر المرستان مع الأمير الكبير رشوة في ذلك، فطاول الشيخ أبا الفضل إلى أن حضر من السفر من القدس في تلك السنة، ثم قرر له في الجوالي خمسين درهما فلوسا في كل يوم، ثم أرسل إلى الشيخ أبي الفضل من يسأله في السماح بالسكوت عن التدريس المذكور، فلم يزد الشيخ أبو الفضل على السكوت، فقرر أبو الخير الطوخي في ذلك الوقت، وهو رجب المذكور، وكان الأمير الكبير مسافرا في البحيرة، فكأنهم زوروا خطه، وأخبرني الشيخ أمين الدين، أنه رأى الخط المنسوب إليه في القصة، وأنه أنكره؛ لأن القوة ظاهرة عليه، والمشاهد المعلوم لكل أحد أن خطه في غاية الضعف، ثم لما وقع ذلك باشرها الطوخي أول ذي القعدة من تلك السنة، ودرس في قصة قوم لوط في الأعراف بناء على ما وقف عليه ابن حجر، وخاض الناس في عرضه، بسبب ذلك؛ لأنه ينسب إلى فعلهم، واستمر إلى أن نكب أبو الخير النحاس في [تاسع عشري جمادى الأولى] من سنة أربع وخمسين، فادعي على الطوخي بأمور، منها عشرة الأحداث وحكم بفسقه، وأخرجت وظائفه، وأعيدت هذه الوظيفة إلى الشيخ أبي الفضل، فأعلم السلطان بذلك، فكثر ذمه للطوخي وتهدده بالضرب والنفي إن لم يسكت، ووقعت في ذلك قلقلة كبيرة في القاهرة، وأطبق الناس على ذمه إلا من عكسه الله، وهم أقل من القليل، وكان أكبر الدلائل على صدق هذا التاريخ، تاريخ مستنده الذي ظهر برجب سنة ثلاث وخمسين، الذي بينه وبين موت ابن حجر ستة أشهر، فقطع ذووا العقول ، بأن مثل هذه الوظيفة لا تمكث نصف سنة شاغرة.

صفحة ٢٨٠