480

وفيه انحلت في طرابلس إمرية، فرسم السلطان بها لتمراز الأشرفي الذي كان دويدارا، فلما ورد عليه الأمر بذلك، لم يجب إليه، بل قال: أنا لا أبغي بالقدس بدلا، فرد إخوانه من الأشرفية الخبر، بأنه يسأل في الإعفاء من السفر حتى ينقضي الشتاء، ثم إنه سافر إليها بعد ذلك. كان قد قدم إلى هذه البلاد، وهي بلاد مصر في آخر دولة الظاهر جقمق، مغربي، شيخ طويل، مكشوف الرأس، يسمى عيسى، يقال أنه من نواحي تلمسان أو الجزائر وكان في بلاده حائكا ثم ترك الحياكة، وعاشر المغنين وعرف من فنونهم كثيرا، وانطبع في مجونهم، وزاد تهتكه، حتى ضربت به الأمثال في تلك البلاد، وعاشر المشبعذين الذين يخلون على عقول الناس، بأمور لا حقائق لها، وتعلم بعض التنجيم والسحر الذي يتعاناه عجائز النساء، وضرب في كل فن يرضاه إبليس بما يعجبه، وعاشر آخرا بعض زنادقة الوفية، في نواحي بجاية، فلما تمم ما يريده منه إبليس خرج في تلك الفتن، فسن في تلمسان؛ على ما حكاه لي هو بأنه كان يتزيا بزي النساء، ويفعل أمورا غريبة؛ حتى كان إذا مشى يتبعه كثير من الناس، ثم أطلق، ثم قدم إلى تونس، فسجن أيضا؛ وذلك أنه [تزيا] أيضا بزي النساء، فتبعه بعض العوام، فعثر عليه يوما القاضي ابن عقاب، فأزال ذلك الذي عنه، ومنعه منه، وتهدده إن أعاده، فكان يذكر لبعض من اغتر به أنه لا بد أن يفعل في القاضي المذكور والسلطان فاقرة، فاتفق أن قصد السلطان بعض البلاد الذين يعرفون السحر فآذاهم، فلما رجع إلى تونس صار بيته يرجم، فظن أنه بعض الآدميين المسلطين من أعداء السلطان، فقتل من ظن فيه ذلك، ثم زاد الأمر إلى أن تحقق أنه ليس يفعل من يرى، فقال عيسى: إنه هو فاعل ذلك، فزاد اغترار من تبعه به، فسمع السلطان بأنه يدعي ذلك فسجنه، ثم شفع فيه فأطلق، ثم عرف أنه من أولئك السحرة.

صفحة ٢١٥