460

وفي أوائل الثلث الأخير من ليلة ثاني عشر شعبان المذكور، مات ولدي أبو اليسر، عن سنة وأربعة أشهر ونصف شهر ويومين؛ عن مرض حاد استمر به نحو خمسة عشر يوما، وكان مهما أكله ألقاه سريعا من فوق، ومن أسفل بالقيء والإسهال ثم كان لا يطعم إلا الماء، وكانت تظهر عليه مخائل السعادة والسيادة من الشجاعة والشهامة والتأني، وحسن التأتي، والحفظ العظيم، والذكاء المفرط، والكرم مع حلاوة الشكل، وجهارة المنظر، ولو ذكرت علامات كل ذلك لطال، لكن اقتصر على واحدة، وهي أنه لما منع تناول غير الماء أشار بيده أن يسقوه، فوضعت في الإناء الذي يشرب فيه ماء بطيخ صيفي، وقلت للجارية اذهبي به إلى الكوز وأوهميه أنك تسكبين منه كما كنت تفعلين، فلما أتته به شرب شربا متوسطا، ثم دفعه بيده، وأظهر التبرم به، وأشار إلى الكوز، فقلت: اذهبي إليه، وخيلي له أيضا وأتيه بماء البطيخ، ففعلت فشرب منه قليلا جدا، ثم دفعه وأشار إلى الزير، وما علمت أنه قط شرب من الزير، فعلمت أنه إنما أمعن في المرة الأولى لأنه كان خالي الذهن، سالم الصدر من أن يمكر به، وانضم إلى ذلك أن العادة في فم المريض أن يكون مرا لا يدرك صاحبه الطعوم إلا بعد تأمل، ودلت إشارته إلى الزير من غيربكاء ولا صياح، على ذكاء مفرط، وحسن خلق، ثم إنه استمر في النزع من بكرة يوم الخميس إلى حين ماتن وكان في كل ساعة يشتد به، وهو مع ذلك قليل التشكي، لم يقل آه إلا عندما بدأ به النزع، وكان لا يقولها إلا بعد كل حين، إلا في حين الموت، فشرع يوالي ذلك، فلما سمعته انزعجت، فقمت وتأملته، فإذا به قد مات رأسه إلى حنكه الأعلى، وجمد بصره الذي كان في أوائل النزع يحركه حركة سريعة جدا، وضاق سواد عينه حتى لا يكاد يبين، وصار لا يتحرك منه إلا حنكه الأسفل وما تحته، وصارت نفسه تقعقع في صدره، وصار يوالي التأوه، فحصل لي من الوجد ما لا أقدر على التعبير عنه، ثم خطر لي الاستعانة بالصبر والصلاة، فأمرت الجواري بالوضوء، وأن تصلي كل واحدة ركعتين، وتسأل الله أن يهون عليه سكرات الموت، وتوضأت أنا وإحداهن وصليت ركعتين، فلما كنت في الثانية، سمعت منهن ما دلني على موته، فأسرعت وذهبت إليه، فإذا هو قد قضى إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد الله، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، واعقبني منها عقبى حسنة آمين.

وفي صبيحة يوم السبت ثالث عشر الشهر، نزل السلطان إلى مدرسته التي أنشأها بالتربة بالصحراء، ورجع إلى القلعة من بين القصرين، وخلف ولده في القلعة على عادة أولاد الملوك وفرح الناس بنزوله.

وبلغنا من القادمين مع جانبك ناظر جدة، أنه حصل في هذا الحد بالمدينة الشريفة ريح شديدة مع بعض مطر، قلعت وقصفت من نخيلها نحو النصف، وحصل سموم أتلف ثمر ما بقي، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

صفحة ١٩٤