426

وكان هذا الرجل من أعاجيب الرجال؛ لم أر أثبت منه جنانا، ولا أقوى لسانا، وكان بدء أمره بدءا صالحا، فسبحان الهادي المضل، وذلك أن الظاهر جقمق كان في حدود سنة خمس وأربعين ولى شخصا يقال له محمد بن الدم الأسود، من دمشق ولاية ظلم ادعى له أنه يأتي له منها في كل سنة بعشرين ألف دينار، وهي أنه يستأجر الأوقاف والمستأجرات، ويعطي أربابها مستحقهم ويأتي من فائدتها بما ذكر، فعظمت مشقة ذلك على الأكابر؛ لكون غالب الأوقاف مستأجرة معهم، وبالأجر التافهة، وعلى الأصاغر؛ لاحتياطه على ما خفي من أوقافهم على الأكابر، ولم تنله أيديهم، وعولج السلطان في ذلك إلى أن آيس منه، وبقي الناس مدة متحيرين، وفعل ابن الأسود في البلاد الشامية من العظائم، ما روع الألباب، فقصد الشاميون إرسال شخص إلى السلطان على لسان الفقراء، وأهل الخير ينصحه في ذلك، ويبيع نفسه لله، فانتدب لذلك محمد بن الخطيب هذا، وجاء بجبة صوف إلى أنصاف ساقيه، وعمامة صوف صغيرة، وطلع إلى السلطان، فكلمه بقلب أقوى من الجلمد، ولسن أحد من المبرد، فقصد السلطان حجاجه فلم يقم له، فعرض عليه مالا ليسكته به فلم يقبل، وتردد إليه أياما، وطال الكلام بينهما والسلطان يخادعه بأنواع الخداع، فلم ينفعه شيء من ذلك، ولكن كان الأكابر من أهل الدولة يقوون عزمه، ويعلمونه ما لعله يخدع به إلى أن أعيى السلطان فأجابه، وكتب معه بالقبض على ابن الأسود واستخلاص ما حصل، فقبض عليه وضرب بالمقارع، وأودع السجن، فصار الشيخ محمد هذا من أعظم المعتقدين عند جميع أهل الدولة، ولو أنه حفه لطف، فطلب ما يعيش به فعلوا، ولكنه دخل في الدنيا بنوع آخر، وهو أن استأجر من بنت الملك المؤيد وغيرها بلادا في ناحية طرابلس، وبسط يده؛ فانكسر عليه مال، فسجن عليه، فقام في تأجيره بعض من كان يعتقد فيه الخير فخلص، ثم استمر في القاهرة، وكان يتلقى كل من يرد من البلاد الشامية في حاجة فيضيفه، ويتلطف به إلى أن يطلعه على أمره، فيسعى في حاجته على إقدام وبسط لسانه بالصدق والكذب، فيقضها بواسطة اعتقاد الناس له بما رأوا منه، وسمى نفسه شيخ السلطان.

صفحة ١٥٣