Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
ثم تواترت عليه الأخبار من أكابر المقادسة، بأن الرجل لم يتناول لاحد شربة ماء، فلما لم يجد فيه شيء من ذلك أخبرت الأمير بردبك الدويدار، وبينت له ما في ذلك من الشناعات على دولتهم فعنفه على ذلك، وأمره أن يتبع ذلك المرسوم [بمرسوم] يأمر فيه بعدم التعرض إلى الرجل، وبإكرامه، وبتأكيد ما مع النقاش من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يسعه إلا الفعل، غير أنه لم يبادر به، فأدركه المرسوم الأول في حلب، قبل أن يقرأ ما معه، فطلبه النائب فوضع في عنقه زنجيرا، ورده مع شخص من ظلمته، فتباكى أهل الخير، وسر أهل الشر، واستمر في ذلك الأمر الشنيع إلى مدينة حمص، فأدركه الساعي الذي معه المرسوم بإكرامه هناك، ففك عنه الغل، غير أن رسول نائب حلب أخذ المراسيم من الساعي فأخفاها وصحبه معه إلى دمشق، وقال لنائب دمشق: إن المراسيم التي أحضرها زور؛ فحصل بذلك وهن عظيم لأهل الدين، وصولة كبيرة لأهل الطغيان. ولما وصل الخبر إلى السلطان، اشتد غيظه على كاتب السر، وزاد لومه له، وتعنيفه على ما وقع لهذا الفقير، وأراد عزله، فشفع فيه بعض الأمراء، غير أن ما حصل من الوهن لا يجبر إلا بعد حد عظيم في مدد طوال، وأين نحن من ذلك؟! مع قلة المساعد، وكثرة المعاند فلا قوة إلا بالله ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، به المستعان وعليه التكلان.
وفي العشر الأوسط من محرم الحرام سنة ستين وصل الشريف علي القصيري الذي كان توجه بهدية السلطان إلى سلطان الغرب، ومعه هدية من صاحب الغرب وقاصد من عنده وفي يوم الخميس ثاني عشري الشهر، وصل الحجاج إلى البركة، وقدم أكثرهم إلى القاهرة، وشكوا من أميرهم بردبك البشمقدار، أحد مماليك الظاهر جقمق؛ من عسفه وعدم رفقه ونظره للضعيف، وأخبروا بموت قاضي المالكية بالمدينة الشريفة، جمال الدين عبد الله بن فرحون في ثامن عشري ذي الحجة سنة تسع وخمسين، عن نحو تسعين سنة، وكان شيخا يهيأ مسنا، قواما في الحق، فيصلا، عظيم الهيبة على الرافضة، رحمه الله.
صفحة ١٥٠