417

ثم أخذت في السفر، ففارقت شبعا يوم الأحد تاسع الشهر، فوصلت إلى الرملة صبح يوم الخميس ثالث عشره، ثم عرجت إلى القدس للزيارة وصلة بعض الأقارب بها، ثم رحلت منها يوم الثلاثاء ثامن عشر الشهر فزرت سيدنا الخليل وآله صلوات الله عليهم أجمعين، ورأيت كسوة قبورهم، التي عملها السلطان الملك الأشرف إينال العلائي، وكان أرسلها مع صهره الأمير بردبك الدويدار، فإذا هي عظيمة، وإذا الأمير بردبك قد دفع إلى خدام سيدنا الخليل مالا ليشيدوا مقامه به، فبيضوه من داخل، ومن خارج حتى المئذنة؛ فكان له منظر بديع غريب، وتيسر لهم في ذلك ما لم يحصل لمن قبلهم، فإن غيره أراد تشييد داخل القبة، فمات بعض صناعه، ولم يتفق له ذلك، ثم توجهت في أثناء يوم الأربعاء، فوصلت إلى غزة ظهر يوم الخميس، العشرين من الشهر، ثم وصلت إلى الخانكة ليلة السبت تاسع عشري الشهر، فنمت عند أصهاري، فعتبوا علي زواجي في دمشق، فاعتذرت بأنه لم يكن لي صبر في هذه المدة الطويلة عن النكاح، وبأني طلقتها عند سفري؛ رعاية لخاطرهم. ثم قدمت القاهرة، ونمت في بيتي ليلة الأحد سلخ شوال، فلم يحسنوا لقائي، ولا عملوا أشياء مما ينبغي للمقيم أن يعمله للمسافر.

وفي صبيحة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سلمت على السلطان، وأوقفته على المحضر المذكور في بناء الخان؛ فسر بذلك، وقال له ناظر الخاص: إنه بقي محتاجا إلى مائتي دينار، فرسم بها.

وفي هذا اليوم، قدمت علينا حماتي من الخانكة، ثم استقبلتني ليلة الثلاثاء ثانية بشر ما سمع بمثله، ثم صارت تجمع لي أقاربها رجالا ونساء إلى أن اشتد الأمر، وانتشر الشر، وأنا صابر خوفا من ضياع الولد، واستمرينا على ذلك إلى يوم الجمعة تاسع عشر ذي القعدة المذكور، بعد أن دخل في ذلك غالب رؤساء القاهرة، ووصل الأمر إلى السلطان وزوجته وولده، ففارقتها في هذا اليوم، على جميع ما كان يلزمني لها، وأسقطت حقها من حضانة ولدي لي، وألزمت نفسها أنها إن طلبته في وقت من الأوقات بنفسها، أو قائم شرعي عنها لزيارة أو غيرها، كان لي في ذمتها من الذهب خمسمائة دينار حالة، وحكم لي بذلك القاضي بدر الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن المخلطة، أحد نواب المالكية، وأذنت لها في وفاء عدتها بالخانكة فالله المسؤول في إصلاح الحال، وإقرار البال، ثم إن أهلها لم يدعوها بالخانكة، بل كانوا ينقلونها حيث شاءوا، أو شاءت، ولم ينزعوا عن شرورهم، بل واصلوا الجراح بعيد برئها ولم يدعوا للصلح موضعا، فأردت الاعتراض فلم يفد؛ لعدم الناصر للحق، والجابر للعثرات من الخلق، فتركتهم للعزيز العليم، القدير، الحكيم، هو المستعان، لا حول ولا قوة إلا به.

صفحة ١٤٤