503

والذي يقتضيه النظر أن هذه الجملة في موضع البدل من العظام، وذلك أن: انظر، البصرية تتعدى بإلى، ويجوز فيها التعليق، فتقول: انظر كيف يصنع زيد، قال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض}(الإسراء: 21) فتكون هذه الجملة في موضع نصب على المفعول: بانظر، لأن ما يتعدى بحرف الجر، إذا علق، صار يتعدى لمفعول، تقول: فكرت في أمر زيد، ثم تقول: فكرت هل يجيء زيد؟ فيكون: هل يجيء زيد، في موضع نصب على المفعول بفكرت، فكيف، ننشزها بدل من العظام على الموضع، لأن موضعه نصب، وهو على حذف مضاف أي: فانظر إلى حال العظام كيف ننشزها، ونظير ذلك قول العرب: عرفت زيدا أبو من هو: على أحد الأوجه. فالجملة من قولك: أبو من هو في موضع البدل من قوله زيدا مفعول عرفت، وهو على حذف مضاف، التقدير: عرفت قصة زيد أبو من. وليس الاستفهام في باب التعليق مرادا به معناه، بل هذا من المواضع التي جرت في لسان العرب مغلبا عليها أحكام اللفظ دون المعنى، ونظير ذلك: أي، في باب الاختصاص. في نحو قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، غلب عليها أكثر أحكام النداء وليس المعنى على النداء، وقد تقدم من قولنا، إن كلام العرب على ثلاثة أقسام: قسم يكون فيه اللفظ مطابقا للمعنى، وهو أكثر كلام العرب. وقسم يغلب فيه أحكام اللفظ كهذا الاستفهام الواقع في التعليق، والواقع في التسوية. وقسم يغلب فيه أحكام المعنى نحو: أقائم الزيدان. وقد أمعنا الكلام على مسألة الاستفهام الواقع في التعليق في كتابنا الكبير المسمى بالتذكرة} وهي إحدى المسائل التي سألني عنها قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي القشيري، عرف بابن دقيق العيد؛ وسألني أن أكتب له فيها، وكان سؤاله في قوله عليه السلام: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده».

{فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} قرأ الجمهور: تبين، مبنيا للفاعل، وقرأ ابن عباس: تبين له، مبنيا للمفعول الذي لم يسم فاعله. وقرأ ابن السميفع: بين له، بغير تاء مبنيا لما لم يسم فاعله، فعلى قراءة الجمهور الظاهر أن تبين فعل لازم والفاعل مضمر يدل عليه المعنى، وقدره الزمخشري: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعني أمر إحياء الموتى، وينبغي أن يحمل على أنه تفسير معنى؛ وتفسير الإعراب أن يقدر مضمرا يعود على كيفية الإحياء التي استغربها بعد الموت. وقال الطبري: لما اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل إعادته. قال ابن عطية: وهذا خطأ، لأنه ألزم ما لا يقتضيه، وفسر على القول الشاذ، والاحتمال الضعيف ما حكى الطبري عن بعضهم أنه قال: كان هذا القول شكا في قدرة الله على الإحياء، ولذلك ضرب له المثل في نفسه. إنتهى.

صفحة ٤٢