(ألا وإن حمى اللَّه محارمه) (١) أي: المعاصي التي حرمها، وهي الجناية على النفس والعرض والمال وغيرها؛ كالقتل، والزنا، والسرقة، والقذف، والخمر، والكذب، والغيبة، والنميمة، وأكل المال بالباطل، وأشباه ذلك.
وتُطلَق المحارم على المنهيات مطابقة، وعلي ترك المأمورات استلزامًا، والإطلاق الأول أشهر، وعلي كل تقديرٍ فكل هذه حمى اللَّه تعالى، مَنْ دخله بارتكابه شيئًا من المعاصي. . استحق العقوبة، ومن قاربه. . يوشك أن يقع فيه، فمن احتاط لنفسه. . لم يقاربه، ولا يتعلق بشيءٍ يقربه من المعصية، ولا يدخل في شيءٍ من الشبهات.
وفي هذا السياق منه ﷺ إقامة برهانٍ عظيمٍ على اجتناب الشبهات؛ إذ حاصله: أن اللَّه ﷿ مَلِك، وكل ملكٍ له حمًى يخشى من قربانه؛ لإيقاعه في أليم عذابه ممن قرب منه، فاللَّه ﷾ له حمًى يُخشى منه كذلك، وهذا قطعي المقدمتين والنتيجة، فلا مساغ للتشكيك فيه.
وفي ذلك أيضًا: ضرب المثل بالمحسوس؛ ليكون أشد تصورًا للنفس، فيحملها على أن تتأدَّب مع اللَّه ﷾، كما تتأدب الرعايا مع ملوكهم.
ثم حضَّ ﷺ وحثَّ وأكَّد على السعي في صلاح القلب وحمايته من الفساد، وبين أنه مع صغر حجمه سائر البدن تابع له صلاحًا وفسادًا فقال: (ألا وإن في الجسد) أي: البدن (مضغةً) هي: قدر ما يمضغ، كما مر، لكنها وإن صغرت في الحجم هي عظيمة في القدر، ومن ثَمَّ كانت (إذا صلحت) بفتح لامه وضمها، والفتح أشهر، كذا أطلقه كثيرون، وظاهره: أنه لا فرق بين أن يصير سجيةً وأن لا (٢)، لكن قيَّد جمعٌ الضمَّ بما إذا صار سجية، وكذا يقال في (فَسَد).
وصلاحها بصلاح المعنى القائم بها، الذي هو مَلْحَظُ التكليف، ومن ثَمَّ كان الذي عليه الجمهور: أن العقل في القلب، كما يصرح به ترتب صلاح البدن -ومن جملته
(١) كرر حرف الاستفتاح؛ للدلالة على فخامة شأن مدخولها وعِظم موقعه.
(٢) في بعض النسخ: (أن يكون) بدل: (أن يصير).
1 / 247
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]