540

الفقيه و المتفقه

محقق

أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي

الناشر

دار ابن الجوزي

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٢١ ه

مكان النشر

السعودية

التَّقْلِيدُ، فَإِنْ قَالَ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْتَ الدِّمَاءَ وَأَبَحْتَ الْفُرُوجَ وَأَتْلَفْتَ الْأَمْوَالَ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ فَأَبَحْتَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أَصَبْتُ، وَإِنْ لَمْ أَعْرِفْ الْحُجَّةَ، لِأَنَّ مُعَلِّمِي مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ، وَرَأَيْتُهُ فِي الْعِلْمِ مُقَدِّمًا فَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنِّي، قِيلَ: فَتَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِكَ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْ مُعَلِّمِكَ، كَمَا لَمْ يَقُلْ مُعَلِّمُكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْكَ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إِلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ أَعْلَى، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَالِمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ: نَقَضَ قَوْلَهُ، وَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ عِلْمًا، وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ مُعَلِّمِي، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِهِ، فَهُوَ أَبْصَرُ بِمَا أَخَذَ، وَأَعْلَمُ بِمَا تَرَكَ، قِيلَ: وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْ مُعَلِّمِكَ، فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مُعَلِّمِكَ، وَعِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِهِ، فَلِزَمَكَ تَقْلِيدُهُ، وَتَرْكُ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ، وَكَذَلِكَ أَنْتَ أَوْلَى أَنْ تُقَلِّدَ نَفْسَكَ مِنْ مُعَلِّمِكَ، لِأَنَّكَ جَمَعْتَ عِلْمَهُ، وَعِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِكَ، فَإِنْ قَادَ قَوْلَهُ: جَعَلَ الْأَصْغَرَ وَمَنْ يُحَدِّثُ مِنْ صِغَارِ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحَابِيِّ تَقْلِيدُ مَنْ دُونَهُ، وَكَذَلِكَ تَقْلِيدُ الْأَعْلَى الْأَدْنَى أَبَدًا، فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، مَعَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَصْوِيبِ مَنْ قَلَّدَ غَيْرَ مُعَلِّمِهِ فِي تَخْطِئَةِ مُعَلِّمِهِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُخَطِّئًا لِمُعَلِّمِهِ، وَلِتَقْلِيدِهِ إِيَّاهُ "

2 / 137