604

ولما أن حضر الأموال إلى أمير الخلع وأراد أن يسلمها للمتولي فمنعه أمير الحاج والخواجا ابن الزمن وقالا له : اتركها عندك إلى أن تراجع السلطان بذلك ، فقال لهما : يكون عند الخواجا ابن الزمن أو عند الخواجا جمال الدين الطاهر فامتنعا من ذلك ، فجاء العلم من السلطان أن يترك المال عنده إلى أن يصل الغائب ويبلغ اليتيم ، فلما أن وصل العلم بذلك جعل القاضي المتولي يرشد بعض الأيتام وبعضهم يقيم عليه من يشاء بعد أن يأخذ منهم جعلا على ذلك ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم عزل عن النظر أيضا بابن عمه محب الدين أيضا في أوائل سنة ست وسبعين فلازم الاشتغال بالعلم على أجمل حال وأمثل طريقه من الصيانة والديانة والوقار والسكينة ، ولازمه الطلبة.

ثم إن الملك الأشرف قايتبائي لامه الناس على عزله فأرسل إليه فطلبه ، فتوجه إليه صحبة الحاج في موسم سنة سبع وسبعين فقدم إليه القاهرة في أوائل سنة ثمان وسبعين صحبة السيد بركات بن صاحب مكة السيد محمد بن بركات فأكرمهما وعظمهما ، وأعاد إليه وظيفة القضاء والنظر للمسجد الحرام في يوم السبت رابع عشر صفر ، ووصل العلم بذلك إلى مكة في ليلة الأحد سادس ربيع الأول ، فباشر ذلك عنه نيابة ابن عمه القاضي جمال الدين محمد بن نجم الدين ، ثم عاد إلى مكة صحبة الحاج في موسم سنة ثمان وسبعين ، واستمر إلى تاريخ الحجة سنة أربع وثمانين.

وهو إمام علامة مفنن ، حسن التدريس والتقرير ، قليل التكلف ، قوي الفهم ، متواضعا ، كثير الإنصاف مع صيانة ومعرفة بالأحكام ، ودربة بأحوال القضاة مع ذكاء وفهم جيد ، وفطنة حسنة ومروءة وأفضال جزيل لا سيما لأصحابه ، وعنده تواضع وحشمة ، حسن المحاضرة ، من نوادر الوقت علما ، وفصاحة ، ووقارا ، وبهاء ، وتواضعا ، وأدبا ، وديانة ، متين الفوائد حافظا لجملة من المتون والتواريخ والفضائل والأخبار والنوادر والوقائع والشعر ، ولم يكن في أبناء جنسه مثله ، أمتع الله بحياته وأبقاه في خير وعافية آمين.

صفحة ٦١٥