685

عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير

الناشر

دار القلم

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٤/١٩٩٣.

مكان النشر

بيروت

رَجُلٌ رَغِبَ فِي دِينٍ وَاخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ مَا أَصْنَعُ، بِهِ؟ وَاللَّهِ لَوْلا الضَّنُّ بِمُلْكِي لَصَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ، قَالَ: انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عَمْرُو، قُلْتُ: وَاللَّهِ صَدَقْتُكَ. قَالَ عَبْدٌ: فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿، وَيَنْهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَيَأْمُرُ بِالْبِرِّ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَيَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَعَنِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَعَنْ عِبَادَةِ الْحَجَرِ وَالْوَثَنِ وَالصَّلِيبِ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ، لَوْ كَانَ أَخِي يُتَابِعُنِي لَرَكِبْنَا حَتَّى نُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ وَنُصَدِّقُ بِهِ، وَلَكِنَّ أَخِي أَضَنَّ بِمُلْكِهِ مِنْ أَنْ يَدَعَهُ وَيَصِير ذَنْبًا، قُلْتُ: إِنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ مَلَّكَهُ رسول الله ﷺ على قَوْمِهِ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَرَدَّهَا عَلَى فَقِيرِهِمْ. قَالَ: إِنَّ هَذَا الْخُلُقَ حَسَنٌ، وَمَا الصَّدَقَةُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَرَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّدَقَاتِ فِي الأَمْوَالِ، حتى انتهت إلى الإبل، فقال: يا عمرو، وتؤخذ مِنْ سَوَائِمِ مَوَاشِينَا الَّتِي تَرْعَى الشَّجَرَ وَتَرِدُ الْمِيَاهَ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى قَوْمِي فِي بُعْدِ دَارِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ يُطِيعُونَ بِهَذَا.
قَالَ: فَمَكَثْتُ بِبَابِهِ أَيَّامًا وَهُوَ يَصِلُ إِلَى أَخِيهِ فَيُخْبِرُهُ كُلَّ خَبَرِي، ثُمَّ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمًا فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ أَعْوَانَهُ بِضَبْعِي [١]، فَقَالَ: دَعُوهُ، فَأُرْسِلْتُ، فَذَهَبْتُ لأَجْلِسَ فَأَبَوْا أَنْ يَدَعُونِي أَجْلِسَ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: تَكَلَّمَ بِحَاجَتِكَ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ مَخْتُومًا، فَفَضَّ خَاتَمَهُ فَقَرَأَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيَّ أخيه فَقَرَأَهُ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ، إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَخَاهُ أَرَقَّ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ قُرَيْشٍ كَيْفَ صَنَعَتْ؟ فَقُلْتُ:
تَبِعُوهُ، إِمَّا رَاغِبٌ فِي الدِّينِ وَإِمَّا مَقْهُورٌ بِالسَّيْفِ، قَالَ: وَمَنْ مَعَهُ؟ قُلْتُ: النَّاسُ قَدْ رَغِبُوا فِي الإِسْلامِ، وَاخْتَارُوهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَرَفُوا بِعُقُولِهِمْ مَعَ هُدَى اللَّهِ إِيَّاهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضَلالٍ، فَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ غَيْرَكَ فِي هَذِهِ الْحَرَجَةِ، وَأَنْتَ إِنْ تُسْلِمِ الْيَوْمَ وَتَتَّبِعْهُ يُوَطِّئْكَ الْخَيْلَ، ويبيد خَضْرَاءَكَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَيَسْتَعْمِلْكَ عَلَى قَوْمِكَ، وَلا تَدْخُلُ عَلَيْكَ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ. قَالَ: دَعْنِي يَوْمِي هَذَا وَارْجِعْ إِلَيَّ غَدًا، فَرَجَعْتُ إِلَى أَخِيهِ فَقَالَ: يَا عَمْرُو إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ إِنْ لَمْ يَضِنَّ بِمُلْكِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَيْتُ إِلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَأْذِنَ لِي، فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَخِيهِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ، فَأَوْصَلَنِي إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي فَكَّرْتُ فِيمَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ، فَإِذَا أَنَا أَضْعَفُ الْعَرَبِ إِنْ مَلَّكْتُ رَجُلا مَا فِي يَدِي وَهُوَ لا تَبْلُغُ خَيْلُهُ هَاهُنَا، وَإِنْ بَلَغَتْ خَيْلُهُ أَلِفْتُ قتالا ليس كقتال من لاقى.

[(١)] الضبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها.

2 / 336