365

السيرة النبوية

محقق

طه عبد الرؤوف سعد

الناشر

شركة الطباعة الفنية المتحدة

مناطق
مصر
وَلَكِنَّا خُلقنا إذْ خُلقنا ... حَنِيفًا دينُنا عَنْ كلِّ جيلِ
نسوق الهَدْي تَرسُف مُذْعِناتٍ ... مُكثَّفة المناكبِ فِي الجُلولِ١
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ: فَلَوْلَا رَبُّنَا، وَقَوْلَهُ: لَوْلَا رَبُّنَا، وَقَوْلَهُ: مُكَشِّفَةَ الْمَنَاكِبِ فِي الْجُلُولِ، رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أو من خزاعة.
أمر العقبة الثَّانِيَةُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَوْسِمِ مَعَ حَجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْعَقَبَةَ، مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حين أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ؛ والنصرِ لِنَبِيِّهِ، وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ يصلي إلَى الْكَعْبَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَعْبَد بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ القَيْن، أَخُو بَنِي سَلَمة، أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبًا حَدَّثَهُ، وَكَانَ كَعْبٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا، قَالَ: خَرَجْنَا فِي حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَلَّيْنَا وفقِهنا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سَيِّدُنَا وَكَبِيرُنَا. فَلَمَّا وَجَّهْنَا لِسَفَرِنَا، وَخَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْبَرَاءُ لَنَا: يَا هَؤُلَاءِ، إنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي، أَتُوَافِقُونَنِي عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟ قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَدْ رأيت ألا أَدَعَ هَذِهِ البَنِيَّة مِنِّي بِظَهْرٍ -يَعْنِي: الْكَعْبَةَ- وَأَنْ أُصَلِّيَ إلَيْهَا. قَالَ: فَقُلْنَا، وَاَللَّهِ مَا بَلَغَنَا أَنَّ نبيَّنا ﷺ يُصَلِّي إلَّا إلَى الشَّامِ، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَهُ. قَالَ؛ فَقَالَ: إنِّي لمصلٍ إلَيْهَا. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: لَكِنَّا لَا نَفْعَلُ.
قَالَ: فَكُنَّا إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ صَلَّيْنَا إلَى الشَّامِ، وَصَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ. قَالَ: وَقَدْ كُنَّا عِبْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، وَأَبَى إلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ لي: يابن أَخِي، انْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نسألَه عَمَّا صَنَعْتُ في سفري هذا، فإنه والله قد وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ خِلَافِكُمْ إيَّايَ فِيهِ.
قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُنَّا لَا نَعْرِفُهُ، وَلَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَقِينَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رسول الله ﷺ فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا؛ قال: فهل

١ ترسف: تمشي مشي المقيد، والجلول: جمع جل وهو ما تلبسه الدابة لتُصان به.

2 / 61