أحكام القرآن
محقق
محمد صادق القمحاوي - عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف
الناشر
دار إحياء التراث العربي
مكان النشر
بيروت
تصانيف
•التفسير الفقهي
مناطق
•إيران
الإمبراطوريات و العصور
البويهيون أو البوييون (شمال وغرب وجنوب فارس؛ العراق)، ٣٢٠-٤٥٤ / ٩٣٢-١٠٦٢
فقال ﷺ أَلَا إنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ
يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمَ بِالْكَافِرِ الَّذِي قَتَلَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا
لِقَوْلِهِ كُلُّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ
لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ فِي حَدِيثٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّ عَهْدَ الذِّمَّةِ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ قبل ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ عُهُودٌ إلَى مُدَدٍ لَا عَلَى أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي ذِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَحُكْمِهِ وَكَانَ قَوْلُهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ مُنْصَرِفًا إلَى الْكُفَّارِ الْمُعَاهَدِينَ إذْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذِمِّيٌّ يَنْصَرِفُ الْكَلَامُ إلَيْهِ وَيَدُلُّ عليه قوله ولا ذو عهد في عهده كَمَا قَالَ تَعَالَى [فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ] وقال [فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ] وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَهْلُ الْحَرْبِ وَمَنْ لَا عَهْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْآخَرُ أَهْلُ عَهْدٍ إلَى مُدَّةٍ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَهْلُ ذِمَّةٍ فَانْصَرَفَ الْكَلَامُ إلَى الضَّرْبَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَفِي فَحْوَى هَذَا الْخَبَرِ وَمَضْمُونِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِي نَفْيِ الْقِصَاصِ مَقْصُورٌ عَلَى الْحَرْبِيِّ الْمُعَاهَدِ دُونَ الذِّمِّيِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فِي إيجَابِ الْفَائِدَةِ لَوْ انْفَرَدَ عَمَّا قَبْلَهُ فَهُوَ إذًا مُفْتَقِرٌ إلَى ضَمِيرِ وَضَمِيرُهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ ذُو الْعَهْدِ الْمُسْتَأْمَنِ هُوَ الْحَرْبِيُّ فَثَبَتَ أَنَّ مُرَادَهُ مَقْصُورٌ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لما كان القتل المبدو بذكره قَتْلًا عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ وَكَانَ ذَلِكَ الْقَتْلُ بِعَيْنِهِ سَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مُضْمَرًا فِي الثَّانِي لَمْ يَجُزْ لَنَا إثْبَاتُ الضَّمِيرِ قَتْلًا مُطْلَقًا إذ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الْخِطَابِ ذِكْرُ قَتْلٍ مُطْلَقٍ غَيْرِ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ وَهُوَ الْقَتْلُ عَلَى وَجْهِ الْقَوَدِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَنْفِيَّ بِقَوْلِهِ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ فَصَارَ تَقْدِيرُهُ وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِالْكَافِرِ الْمَذْكُورِ بَدِيًّا وَلَوْ أَضْمَرْنَا قَتْلًا مُطْلَقًا كُنَّا مُثْبِتِينَ لِضَمِيرٍ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْخِطَابِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَكَانَ الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ ذُو الْعَهْدِ هُوَ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ كَانَ قَوْلُهُ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَفْيُ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ بِالذِّمِّيِّ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ ذِكْرَ الْعَهْدِ يَحْظُرُ قَتْلَهُ مَا دَامَ فِي عَهْدِهِ فَلَوْ حَمَلْنَا قَوْلَهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ عَلَى أَنَّهُ لا يقتل ذو عهد في عهده لا خلينا اللَّفْظَ مِنْ الْفَائِدَةِ
1 / 176