Wasatiyyah of Ahl al-Sunnah between the Sects
وسطية أهل السنة بين الفرق
ناشر
دار الراية للنشر والتوزيع
ایڈیشن
الأولى ١٤١٥هـ
اشاعت کا سال
١٩٩٤م
مقدمة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.
وبعد:
فإن من نعمة الله على هذه الأمة المحمدية، وتشريفه لها، أن جعلها أمة
١ سورة آل عمران: ١٠٢.
٢ سورة النساء: ١.
٣ سورة الأحزاب: آية ٧٠- ٧١.
1 / 5
وسطًا خيارًا عدولًا فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١، فهي خير الأمم التي أخرجت للناس قاطبة كما وصفها وشهد لها ربها وخالقها بذلك، فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢.
اختار لها سبحانه من خيارها وأوسطها نسبًا ومكانة خيرة خلقه وأفضل رسله فبعثه فيها نبيًا رسولًا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
وأنزل عليها أشرف كتبه، وجعله مهيمنًا على الكتب قبله شاملًا لخير ما جاءت به. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٤.
بهذا النبي الكريم، وهذا الكتاب العظيم شرفت هذه الأمة وبمتابعتهما، والاهتداء بهديهما، كانت خير الأمم وأوسطها وأعدلها.
ثم كان أسعد هذه الأمة بهذه الخيرية، أسعدها باتباعهما، وأحرصها على هديهما قولًا وعملًا واعتقادًا وهم أصحاب رسول الله ﷺ، ثم تابعوهم، ثم التابعون لهم بإحسان من القرون الثلاثة المفضلة، التي شهد لها النبي ﷺ بالخيرية في قوله: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"٥، فهؤلاء هم خيار الأمة.
ثم يلحق بهم كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الهدي والتمسك
١ سورة البقرة: ١٤٣.
٢ سورة آل عمران: ١١٠.
٣ سورة التوبة: ١٢٨.
٤ سورة المائدة: ٤٨.
٥ خ كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ "٧/ ٣ ح ٣٦٥٠" "مع الفتح".
1 / 6
بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، من أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، الدين أخبر النبي ﷺ في حديث الافتراق١ بأنهم الفرقة الناجية، وأنهم الجماعة.
فهؤلاء جميعًا هم خيار هذه الأمة، وأوسطها.
فإنه بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى جوار ربه، ومضي عصر الخلافة الراشدة بدأ في آخر عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ظهور التفرق والاختلاف، فخرجت الخوراج ببدعها وأطلت الشيعة بغلوها وفتنها، ثم توالى ظهور البدع وتكون الفرق كما سيأتي ذكر ذلك.
وكل من هذه الفرق قد خالف ما كانت عليه الأمة في عهد الرسول ﷺ وصدر الخلافة الراشدة، وابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، وانحرف عن سواء الصراط؛ إما إلى تفريط، أو إلى إفراط، وشابه الأمم الأخرى في بعض بدعها؛ فانحطت منزلة هذه الفرق، وابتعدت عن الوسطية الثابتة لهذه الأمة على تفاوت بينها في قدر ذلك ومبلغه.
وأصبح أهل السنة في هذه الأمة بالنسبة لسائر الأمم، فهم وسط بين فرقها كما أنها وسط بين الأمم.
يدرك هذا المعنى كل دارس متفحص لأقوال أهل السنة وأقوال الفرق الأخرى في كثير من مسائل العقيدة وأبواب الدين.
إذ يجد أمر هذه الفرق يدور بين الغلو والإفراط، وبين التقصير والتفريط، وأهل السنة بين إفراط أولئك وتفريط هؤلاء على هدي قاصد وصراط مستقيم.
ولما كانت الحاجة تمس لتقرير وسطية أهل السنة والجماعة، وبيان اعتدالهم في أقوالهم واعتقادهم وسائر أمورهم، ولا سيما في هذا الوقت الذي
١ سيأتي نصه وتخريجه ص ٤٨.
1 / 7
تحتاج فيه هذه الأمة إلى بيان الوسطية والاعتدال والتزامها، لما نراه من تعدد السبل واختلافها، وتشعب الطرق، والمناهج، وادعاء أصحابها والداعين إليها أنهم على الحق والسنة دون غيرهم.
لذلك كله كانت هذه الدراسة المقارنة التي أرجو أن تكون لبنة في بناء دراسات تالية تسلط الأضواء على الوسطية والتوازن والاعتدال التي هي سمة هذه الأمة بعامة، وأهل السنة على وجه الخصوص، وتناول جوانب أخرى لم تطرق في بحثنا هذا، تستكمل فيها جوانب ومظاهر وسطية أهل السنة وعدالتهم واعتدالهم١.
خطبة البحث:
جعلت العمل في هذا البحث في: تمهيد، وبابين، وخاتمة.
أما التمهيد فجعلته في أربعة مباحث:
المبحث الأول: في معنى الوسطية في اللغة ولسان الشارع.
المبحث الثاني: في معنى السنة في اللغة والاصطلاح.
والمبحث الثالث: بينت فيه المراد بأهل السنة؟
والمبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم، وعند خصومهم من أهل البدع.
والباب الأول: في وسطية هذه الأمة
١ عند إعداد هذا البحث للنشر اطلعت على دراسات هذه حول الوسطية أبرزت جوانب أخرى مهمة من جوانب الوسطية، أولاها بعنوان: "الوسطية في الإسلام تعريف وتطبيق"، للدكتور زيد بن عبد الكريم الزيد، نشر: دار العاصمة في الرياض عام ١٤١٢ هـ، والأخرى بعنوان: "الوسطية في ضواء القرآن" الكريم للدكتور ناصر سليمان العمر، نشر: دار الوطن عام ١٤١٣ هـ، نفع الله بها.
1 / 8
بينت فيها وسطيتها من عدة أوجه في تمهيد وثلاثة فصول:
التمهيد: بينت فيها معنى الأمة، والوسطية المثبتة لها والمناسبة بين وسطية هذه الأمة ووسطية أهل السنة.
والفصل الأول: في عدالة هذه الأمة -وفيه أربعة مباحث:
الأول: في وجوب العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به.
الثاني: في وصف الله هذه الأمة بالعدالة وشهادته لهابها.
الثالث: في اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها وشهادتهم لها بذلك.
الرابع: العدل عند أهل الكتاب.
الفصل الثاني: في خيرية هذه الأمة -وفيه مبحثان:
الأول: في إثبات خيريتها.
والثاني: في أوجه خيريتها.
الفصل الثالث: في اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط، وفيه مبحثان:
الأول: في وسطيتها واعتدالها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته.
والثاني: وسطيتها في باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
الباب الثاني: في بيان وسطية أهل السنة بين الفرق.
بينت فيه وسطية أهل السنة واعتدالهم، وسلامة أقوالهم واعتقادهم من الإفراط والتفريط، وجعلته في: تمهيد، وخمسة فصول:
التمهيد: بينت فيه نبذة عن ظهور الفرق في هذه الأمة وأسباب ذلك.
والفصل الأول: في بيان وسطية أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته
1 / 9
وفيه أربعة مباحث:
الأول: في بيان قول أهل التعطيل.
الثاني: في بيان قول أهل التشبيه والتمثيل.
والثالث: في بيان قول أهل سواء السبيل.
والرابع: في بيان وسطية قول أهل السنة في هذا الباب.
والفصل الثاني: في بيان وسطية أهل السنة في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، وفيه مبثحان:
الأول: وسطيتهم في الأسماء والأحكام.
والثاني: في وسطيتهم في الوعد والوعيد.
الفصل الثالث: في وسطية أهل السنة في باب القدر، وفيه ثلاثة مباحث:
الأول: في معنى القدر.
الثاني: في نشأة الكلام في القدر ونزاع الناس فيه.
الثالث: في بيان وسطية أهل السنة فيه.
الفصل الرابع: في وسطيتهم في باب الصحابة رضوان الله عليهم، وفيه: تمهيد: بينت فيه معنى الصحابي، ومنزلة الصحابة ومكانتهم في الكتاب والسنة وجعلت المبحث:
الأول: في بيان قول الخوارج والمعتزلة.
والثاني: في ذكر قول من جمع بين الغلو والجفاء.
والثالث: في ذكر قول أهل السنة والجماعة.
الفصل الخامس: في بيان وسطية أهل السنة في باب تعظيم الرسول ﷺ
1 / 10
والصالحين من أمته، وفيه تمهيد، ومبحثان:
المبحث الأول: في وسطيتهم في باب تعظيم النبي ﷺ.
المبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم الصالحين من أمته.
ثم ذيلت البحث بخاتمة بينت فيها خلاصة ما عالجه من المسائل، وما توصلت إليه فيها من نتائج.
وصنعت بعض الفهارس التي تعين القارئ الكريم على إدراك بغيته، والوقوف على مطلبه في يسر وسهولة، فجعلت:
فهرسًا: للآيات القرآنية الكريمة.
وفهرسًا: للأحاديث الشريفة والآثار.
وفهرسًا: للفرق والطوائف والجماعات.
وفهرسًا: للمصادر والمراجع المستخدمة في البحث.
وفهرسًا: للموضوعات.
الرموز المستعملة في البحث:
استعملت بعض الرموز لبعض المصادر الحديثية، وذلك على النحو التالي:
خ: صحيح البخاري "مع فتح الباري".
م: صحيح مسلم.
ت: جامع الترمذي.
د: سنن أبي داود.
جه: سنن ابن ماجه.
1 / 11
حم: مسند الإمام أحمد.
وسائر المراجع والمصادر الأخرى أذكرها بأسمائها كاملة:
وختامًا، أحمد الله ﷿ وأشكره على ما من به من الإعانة على إتمام هذا البحث وأخراجه، ثم أشكر كل من كان عونًا على ذلك، وفي مقدمتهم فضيلة شيخي وأستاذي الكريم الأستاذ الدكتور علي بن محمد بن ناصر فقيهي، الذي تولى الإشراف على إعداد هذا البحث، وكان لتوجيهاته وإرشاداته القيمة الأثر الكبير في الوصول به إلى ما هو عليه فجزى الله الجميع خير الجزاء.
وبعد أخي القارئ الكريم هذا جهد المقل، أضعه بين يديك، وقد بذلته فيه جهدي، واستفرغت طاقتي ووسعي، فما كان فيه من صواب وحتى فبتوفيق الله وحده وله المنة والفضل، وما كان فيه من خطأ، أو زلل وخلل فمني ومن الشيطان، لك غنمه وعلي غرمه، على أني أطمع إذا أطلعت على زلة أو هنة أن توقفني على ذلك، مشكورًا مأجورًا إن شاء الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين.
المؤلف
المدينة النبوية
١٨/ ٤/ ١٤١٤ هـ
1 / 12
تمهيد:
المبحث الأول: معنى الوسطية في اللغة وفي استعمال الشارع
أولًا: الوسطية في اللغة
مادة "وسط" تدل على معان متقاربة، يقول ابن فارس: الواو والسين والطاء بناء صحيح يدل على: العدل، والنصف، وأعدل الشيء أوسطه ووسطه١.
فـ "كلمة "وسط" تضبط على وجهين:
الأول: "وسط"؛ بسكون السين.
فتكون ظرفًا بمعنى "بين".
قال في "لسان العرب": وأما الوسط بسكون السين فهو ظرف لا اسم، جاء على وزان نظيره في المعنى وهو "بين"، تقول: جلست وسط القوم، أي بينهم.
ومنه قول سوار بن المضرب:
١ أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، "بتحقيق عبد السلام محمد هارون، نشر: دار الكتب العلمية - إيران"، ٦/ ١٠٨.
1 / 15
إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط الناس عريانًا١
الثاني: "وسط"؛ بفتح السين:
وتأتي: لمعان متعددة متقاربة، فتكون:
١- " اسمًا: لما بين طرفي الشيء وهو منه. فتقول: قبضت وسط الحبل، وكسرت وسط القوس، وجلست وسط الدار. وهذا حقيقة معناه٢.
٢- تأتي صفة بمعنى "خيار، وأفضل، وأجود"، فأوسط الشيء "أفضله، وخياره" كوسط المرعى خير من طرفيه، ومرعى وسط؛ أي: خيار ومنه:
إن لها فوارسًا وفرطًا ... ونفرة الحي ومرعى وسطًا٣
وواسطة القلادة: الجوهر الذي وسطها وهو أجودها٤.
ورجل وسط ووسيط: حسن٥.
٣- وتأتي "وسط" بمعنى: "عدل" كما تقدم قول ابن فارس أنه يدل على العدل. وأن أعدل الشيء أوسطه.
وفي "لسان العرب": "ووسط الشيء وأوسطه أعدله"٦.
١ أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، "نشر: دار صادر - بيروت"، ٧/ ٤٢٨.
٢ ابن منظور، لسان العرب، ٧/ ٤٢٧- ٤٢٨.
٣ نفس المصدر ٧/ ٤٢٧، ٤٣٠.
٤ إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح، "تحقيق أحمد بن عبد الغفور عطار، ط. الثالثة، ١٤٠٢ هـ"، ٣/ ١١٦٧.
٥ ابن منظور، لسان العرب ٧/ ٤٣٠.
٦ ٧/ ٤٣٠.
1 / 16