Trojan Horse: The Intellectual Raid on the Sunni Lands

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

ناشر

دار القمري

ایڈیشن

الثانية

اشاعت کا سال

١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م

الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م
الطبعة الثانية
١٤٣٥ هـ / ٢٠١٤ م
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية
٢٧٩٣/ ٢٠١١
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف، ولا يحق لأحد إعادة طبع الكتاب أو نشره بأي وسيلة كانت إلا بموافقة خطية من المؤلف، ومن يفعل ذلك يعرض نفسه للمساءلة القانونية.

1 / 1

مقدمة بقلم الدكتور محمد بن موسى الشريف
حفظه الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد قرأت الكتاب الموسوم بـ "حصان طروادة" لمصنفه الدكتور عمرو كامل - حفظه الله تعالى -، فوجدته كتابًا نافعًا ماتعًا، مليئًا بالأخبار والدقائق، فاستفدت منه أمرين:
الأول: المراجعةَ لما كنت قد قرأته منذ زمن بعيد وأُنسيته مما عدا عليه الزمان، وطواه مَرّ الليالي والأيام، وكرور الشهور والأعوام.
الآخر: علمًا جديدًا لم يكن لي به عهد من قبل، وتفاصيلَ دقيقةً أقفُ على كثير منها لأول مرة - وإن كنتُ قد عرفت طرفًا منها موجزًا - ساقها المصنف على وجه متتابع آخذٍ بعضه بحُجُز بعض، فلا يكاد القارئ ينفك من حادثة إلا وتَفجؤه أخرى.
أعداء الإسلام، وتدرج تاريخيٌّ في عرض صور الكَيد والمكر منذ زمن بعيد إلى يوم الناس هذا.
ولذلك كله، أُوصِي المصنفَ بالعناية بهذا الكتاب باختصاره قليلًا؛ ليكون أقرب للقراءة، وأدعى للفهم، فنحن في مُدة صعبة يَقِلّ فيها الحريصون على القراءة الطويلة، بل يَندرون.

1 / 5

والكتاب مهم، ونظرُ النشءِ فيه واطلاعُهم على تفصيلاته أمرٌ مطلوبٌ؛ فلذلك كان اختصارُه وتقليلُ صفحاته أمرًا مطلوبًا، وقد ذكرت هذا للأخ المصنف فعساه أن ينظر في هذا الأمر المهم.
واختصار الكتاب يَجعله صالحًا لأن يكون مَرجعًا في الحلقات التربوية، واللقاءات الثقافية، والرحلات والمخيمات، فمهما استطاع المصنفُ تيسيرَ إيصال الكتاب إلى مختلف طبقات الناس؛ فليفعلْ مشكورًا مأجورًا إن شاء الله تعالى.
هذا والله أعلم وأحكم، وصلِّ اللهمَّ وسلمْ على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
محمد بن موسى الشريف
٢٩ شوال ١٤٣٣
١٦ سبتمبر ٢٠١٢م

1 / 6

تعقيب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه الكرام الطيبين، وبعدُ:
فبين يديِ القارئ الكريم الطبعةُ الجديدة من كتاب (حصان طروادة: الغارة الفكرية على الديار السُّنِّية)، وهي طبعة منقحة ومراجعة، وأرتضيها للقارئ أكثر من الأولى.
وقد تفضلَت "دار العفاني" مشكورة بنشر الطبعة الأولى من الكتاب، ولقد سعيتُ جاهدًا في تهذيبها واختصارها؛ تلبيةً لنصيحة الحبيب الدكتور محمد بن موسى الشريف - حفظه الله تعالى - ولكن أراني قد خيبتُ أمله في ذلك؛ فقد كان الغرضُ منه أن يكون بحثًا مَرجعًا في هذا الباب، وهذا رأيته يَتطلبُ بعضَ الإسهاب والتوسعَ، فأسأل الله تعالى التيسيرَ والتوفيقَ والسدادَ والقبول، وأن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك ومولاه.
وكتبه
عمرو كامل عمر
الاثنين ١٣ صفَر ١٤٣٥هـ
١٦ ديسمبر ٢٠١٣م

1 / 7

﴿مقدمة المؤلف﴾
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُّطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣)
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد ..
«فقد بعث الله ﷾ محمدًا ﷺ إلى الخلق على فترة من الرسل، وقد "مقت أهل الأرض، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب" (٤)
ماتوا - أو أكثرهم - قبيل مبعثه.

(١) آل عمران: ١٠٢
(٢) النساء: ١
(٣) الأحزاب: ٧٠ - ٧١
(٤) الحديث رواه مسلم (٢٠٤ - ٢٦١هـ)، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: ٢٨٦٥، من حديث العِياض بن حِمار المُجاشِعي ﵁. وقال النووي ﵀ (٦٣١ - ٦٧٦هـ) في شرحه: «والمراد ببقايا أهل الكتاب الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل» [شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ١٩٨)]. وللمهندس فاضل سليمان رسالة ماچيستير كبيرة النفع، يكشف فيها زيف ادعاء المؤرخين الذين روجوا لهذه البقايا من أهل الكتاب على أنهم (هراطقة آريوسيين)، وهم في حقيقة الأمر طائفة من النصارى الموحدين، يُنسبون لآريوس Arius كاهن كنيسة بوكلى بالإسكندرية (٢٥٦ - ٣٣٦م). وفي بحثه القيم ينقل عن الباحث اللاهوتي الإنجليزي موريس وايلز (١٩٢٩ - ٢٠٠٥م) قوله العجيب: «عزل الآريوسيين للعيش في مجتمعات منفصلة ومهمشة، ويكشف (الكاتب) عن خصائص عقلية هؤلاء المرحَّلين للعيش في جيتو Ghetto ويواسون أنفسهم على سوء حظهم الاجتماعي بالنظر إلى أنفسهم على أنهم بقايا المؤمنين في عالم مادي» [انظر، فاضل سليمان: أقباط مسلمون قبل محمد ﷺ، ص (٩٣)، نقلًا عن: الهرطقات المتعلقة بالنماذج الأصلية (أو التوراتية)، الآريوسية عبر العصور، لموريس وايلز، ص (٤٠). Maurice Wiles: Archetypal Heresy، Arianism Through the Centuries]، و(الكاتب) الذي يقصده وايلز هو أحد الآريوسيين الذين عاشوا في مطلع القرن الخامس الميلادي، وكتابه هو شرح لإنجيل متَّى يعرف باسم Opus Imperfectum [انظر: وايلز، ص (٣٨)] .. وقد قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ (٢٣٩ - ٣٢١هـ) في عرض حديثه عن الآريوسيين: «وجاز بذلك أن تكون هذه الفرقة التي ذكرها رسول الله ﷺ في حديث عياض بن حمار» اهـ[الطحاوي: شرح مشكل الآثار (٥/ ٢٣٢)].

1 / 9

والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب: إما مبدَّل، وإما مبدَّل منسوخ، ودين دارس (١)، بعضه مجهول، وبعضه متروك .. وإما أمِّي من عربي وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن، أو قبر، أو تمثال، أو غير ذلك.
والناس في جاهلية جهلاء، من مقالات يظنونها علمًا وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحًا وهي فساد، وغاية البارع منهم علمًا وعملًا أن يُحَصِّل قليلًا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين، قد اشتبه عليهم حقه بباطله، أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع، وأكثره مبتدَع لا يكاد يؤثر في صلاحه إلا قليلًا، أو أن يكدح بنظره كدح المتفلسفة، فتذوب مهجته في الأمور الطبيعية والرياضية، وإصلاح الأخلاق، حتى يصل - إن وصل - بعد الجهد الذي لا يوصف، إلى نزر قليل مضطرب، لا يروي ولا يشفي من العلم الإلهي، باطله أضعاف حقه - إن حصل - وأنَّى له ذلك مع كثرة الاختلاف بين أهله، والاضطراب وتعذر الأدلة عليه والأسباب.
فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد ﷺ وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عمومًا، ولأولي العلم منهم خصوصًا، من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علمًا وعملًا، الخالصة من كل شوب، إلى الحكمة التي بعث بها، لتفاوتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى» (٢).

(١) أي مندثر.
(٢) من كلام شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ (٦٦١ - ٧٢٨هـ)، انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ص (٨ - ٩).

1 / 10

قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (١).
وقال ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
وقال ﷻ مخاطبًا نبيه ﷺ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ (٣).
...
وبعد، فإنه لما اجتاح الإسكندر الأكبر Alexander the Great (٣٥٦ - ٣٢٣ ق. م) بلاد الشرق، فارس والهند ومصر، كتب له أستاذه أرسطو Aristotle (٣٨٤ - ٣٢٢ ق. م) ينهاه عن هذا الغزو؛ لأن من شأنه القضاء على تميز الجنس اليوناني حين يحتك اليونانيون بالشرقيين. ولكن جاءه رد الإسكندر قائلًا إنه يغزو الشرق «لأجل أن يجعل الثقافة والفكر اليونانيين هما فكر العالم وثقافته» اهـ.
فحينما تدبرت هذه الرواية، لاحت في خاطري حقائق ومسائل ..
الأولى: هي أنه عند التأمل في سنن الله تعالى في خلقه، تجد ميلًا إنسانيًا غير محدود إلى ما اصطُلِح على تسميته بالعولمة Globalization وتوسيع النفوذ وبسط السلطان، وتجد أحلامًا فطرية بالحركة في عالم واحد بعيد عن الحدود والقيود، حالت الحقائق الجغرافية وتباين الثقافات والمصالح دون تحقيقها، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾ (٤)، وذلك من إرادته الكونية القدرية: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٥).
والثانية: هي أن الشارع الحكيم ﷻ بحكمته وإرادته الدينية الشرعية حضنا على الوحدة وعدم الاختلاف، فقال ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٦)، بل جعل الاختلاف من صفات غير المرحومين، وذلك في قوله تعالى:

(١) آل عمران: ١٦٤
(٢) المائدة: ١٩
(٣) هود: ١١٢ - ١١٣
(٤) المائدة: ٤٨
(٥) الأنبياء: ٢٣
(٦) آل عمران: ١٠٣

1 / 11

﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (١)، وأوجب علينا كأفراد اتِّباع الشرع والإيمان بالقدر، وليس ترك الشرع والاحتجاج بالقدر.
وعند استحضار هذين الأمرين تتبين لك حكمة الخالق ﵎ من وضعه هذه الغريزة في الإنسان، ثم ترشيدها بتوظيفها في غاية عليا وهي وظيفة (التبليغ عن الله)، والتي منها كانت بعثة الرسل والرسالات. حتى تُوِّجَت هذه الوظيفة في رسالة خاتم الأنبياء محمد ﷺ، وأُخْرِجَت من الخصوص إلى العموم بقول الله جل وعلا: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (٢)، وبقوله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣)، وأُطِّرَت هذه الوظيفة بإطار الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، بل جُعِلَ هذا الإطار هو الحد الشرعي للاتفاق والاختلاف بين البشر.
أما الثالثة: فهي أن الحق واحد لا يتجزأ، والباطل ظلمات بعضها فوق بعض: ﴿هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (٤).
والرابعة: أن الله ﵎ قضى بانقسام البشر إلى فريقين: مؤمن وكافر: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (٥)، وقد جعل الأرض دارًا يتقاسمها ويتعايش فيها الفريقان، وجعل الأيام بينهما دولًا، حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، ويُسكِن كلاهما داره الأبدية: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (٦)، جزاء بما قدمت أيديهم، وأن الله ليس بظلام للعبيد؛ فلقد هدى الله تعالى الإنسان السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا، وأخبر بأنه: ﴿مَن أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٧).

(١) هود: ١١٨ - ١١٩. فائدة: يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ (١٣٤٧ - ١٤٢١هـ): «أما حديث: اختلاف أمتي رحمة، فهو حديث ضعيف لا يصح عن النبي ﷺ، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، فجعل الله ﷿ الاختلاف من صفة غير المرحومين، فالأمة لا يمكن أن تختلف، بل رحمة بها ألا تختلف، لا أقول: لا تختلف أقوالها، فإن الأقوال قد تختلف، لكن لا تختلف قلوبها» اهـ. [ابن عثيمين: تعاون الدعاة وأثره في المجتمع، ص (٣٨)].
(٢) آل عمران: ١١٠
(٣) الأعراف: ١٥٨
(٤) الرعد: ١٦
(٥) الأنعام: ٣٥
(٦) الشورى: ٧
(٧) الليل: ٥ - ١٠

1 / 12

والخامسة: أن الخطوط العريضة التي قام عليها الصراع الأزلي تأسست على قول المولى ﷿: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١).
وعند استحضار مشهد الصراع القديم وتبعاته بين القوى العظمى الثلاثة: (الرومية/النصرانية)، و(الفارسية/المجوسية)، و(العربية/الإسلامية)، تجد مصداق هذه الحقائق مجتمعة؛ حتى وإن ضاقت هذه الدوائر الثلاثة الكبرى تجد نفس الحقائق تتجلى في دوائر (طائفية) داخلية صغرى .. فدل ذلك على أن السلوك الإنساني العولمي الفطري يدفعه محرك ثقافي هُوِيَّاتي في المقام الأول، وكما يذكر العلامة أبو فهر ﵀ (١٣٢٧ - ١٤١٨هـ/١٩٠٩ - ١٩٩٧م)، فإن «رأس كل ثقافة هو الدين بمعناه العام» (٢)، والإنسان هو أحد رجلين: إما داع أو مدعو، ولذلك تجد أن الثقافة المفروضة هي ثقافة الغالب عادة.
وحتى لما تمرد الإنسان الغربي وتحرر من السلطة الدينية المهيمنة عليه، المناقضة لصريح فطرة الإسلام التي فطر الله الناس عليها، وفصل دينه عن دنياه، وظل ماضيًا في طريقه سعيًا لتحقيق طموحاته التوسعية، وصارت له القوة والغلبة، طغى شرقًا وغربًا بفكره المتحرر من قيود الأخلاق والدين، داعيًا إلى ثقافة (السلام الإنساني) المشبوهة، بمصطلحاتها المائعة كالتقريب والتعايش والحوار وما شابه، وخارت له قوى كثيرة ودارت في فلكه على غير هدى، ولكنه في ظل دعوته تلك لم يتمكن من التخلص من شبح الصراع القديم الذي لا يزال يتسكع في لاشعوره، فلم ينفك الصراع عن صورته الأولى، ولكنه تنكر في ديباجة بيضاء، تحمل في طياتها صفحات دموية سوداء.
والحديث ذو شجون، والمسألة أراها مركَّبة يشوبها بعض المتناقضات!؛ ففي الوقت الذي تجد فيه أصواتًا (غير مسلمة) تحذر من خطر الإعصار العولمي العَلْماني النفعي الكاسح، وتنادي بضرورة التمسك بالجذور الثقافية الدينية، تجد هذه الأصوات تجتمع مع ضدها لاقتلاع جذور الصحوة الإسلامية الصاعدة. ولكن سرعان ما ينجلي هذا التناقض حينما نراجع الحقائق السالفة، ونستوعب معنى (الأمم) في قول رسول الله ﷺ: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكَلَةُ إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن

(١) البروج: ٨
(٢) أبو فهر محمود شاكر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص (٣١).

1 / 13

يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (١)، فالإنسان جبل على حب السيادة، والكفر ملة واحدة.
والذي أثار شجوني هو ما أشاهده من غفلة وانجراف إسلامي غير واع مع إعصار العولمة الكاسح. وحقيقة، فإن ما استثارني لنزول هذه الساحة وتسطير هذه الكلمات هو موقف التقى في ذهني مع اثنان أخر:
والأول: كان في الثاني من إپريل عام ٢٠٠٥م، حينما هلك الپولندي كارول چوزيف فويتيالا Karol Jozef Wojtyla (١٩٢٠ - ٢٠٠٥ م)، الملقب بيوحنا پولس الثاني بابا الفاتيكان Pope John Paul II. فما زلت أذكر ما أبداه بعض دعاة المسلمين من بالغ مشاعر الحزن والأسى على داعية السلام الفريد، والدعاء له بالمغفرة والرحمة وقبول صالح الأعمال! بل وما عبرت به بعض الصحف عن موقف الدعاة بأنه «انعكاس للصورة الحقيقية لإسلامنا العظيم».
فالتقى هذا الأمر في ذهني بآخر: وهو ما صار يروج إليه البعض من قول بأن عداءنا ليس مع اليهود، إنما هو فقط مع الصهاينة منهم؛ وهذا القول على إطلاقه غير مقبول، فقد نتفق معه من جانب ونعارضه من جانب آخر، وَندَع التفصيل إلى موضعه. ولكن الأدهى أنك تجد من بين المسلمين من يتجاوز هذه الدعوة ويرى تطبيع العلاقات مع الدولة الصهيونية اللقيطة ومسايرة الواقع وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن الحل (الإسراطيني) لقيام دولتين أو العودة إلى (حدود ٦٧) هو النصر المبين.
ونهاية الملتقى: كان مع ما تواتر على لسان بعض دعاة أهل السنة، خاصة بعد أحداث (الوعد الصادق)! (١٢/ ٧ - ١٥/ ٨/٢٠٠٦م) بين حزب (اللات) الرافضي والكيان الصهيوني، من قول: «أمازلنا نقول سنة وشيعة؟!».
علمًا بأنه ليس مقام تعيين أحد بجرح أو تعديل، فهذا لا يكون لأمثالي، وقد قال

(١) رواه أبو داود (٢٠٢ - ٢٧٥هـ)، كتاب الملاحم: ٤٢٩٧، وصححه الألباني.

1 / 14