Trends of Tafsir in the 14th Century

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

ناشر

طبع بإذن رئاسة إدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية برقم ٩٥١/ ٥ وتاريخ ٥/٨/١٤٠٦

ایڈیشن

الأولى ١٤٠٧هـ

اشاعت کا سال

١٩٨٦م

المجلد الأول
مقدمة
...
المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله جعل القرآن ربيع قلوبنا وبهجة نفوسنا ونور عقولنا وهادي علومنا ومدبر أمورنا ومرجع خلافنا وموئل شقاقنا وحكم ما بيننا ونظام دولتنا ومنهج أمتنا ومحار١ فكرنا وملجأ تائهنا وهادي ضالنا وشفاء لما في صدورنا.
الحمد لله أنزل الفرقان وخلق الإنسان علمه البيان ومنحه عقلا يميز به بين الحق والضلال على هدي القرآن.
الحمد لله أرسل إلينا أفضل رسله من صفوة خلقه ليبين لنا خير كتبه فأخرجنا من أحلك ظلمة إلى أوضح سبيل، ووضح لنا معالم دينه وبسط لنا شرعه فهدى إلى صراط مستقيم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده فكان خير قدوة ومنار الهدى.
ورضي الله عن صحبه الكرام وأرضاهم، ذادوا عن حياض الإسلام وباعوا المهج والأرواح في سبيله، كانوا جنود الإسلام حقا وجذوره الأولى فكانوا خير القرون.
وكيف لا يكونون خير القرون وفيهم رسوله وبينهم كتابه ... وهم هم ...؟! إذا أشكل عليهم معنى أو غمض عليهم مرمى جاءوا إليه عليه الصلاة

١ المحار: المرجع "المعجم الوسيط ج١ ص٢٠٥".

1 / 7

والسلام فوضحه لهم وبينه وجلا غموضه فحيوا بالقرآن حياة طيبة وتحركوا، وأبصروا به السبيل وأدركوا، وتهذبوا به وتخلقوا وعملوا به وتأدبوا، وصلوا به وأخبتوا وبه حاربوا وسالموا وبه قاموا ونهضوا وإن شئت فقل: ترقوا وتمدنوا وبلغوا ما بلغوا، فكانوا بحق جيلا قرآنيا فريدا.
وكيف لا يكونون كذلك وهم يستقون من نبع القرآن الصافي ومن معينه العذب ... وكيف لا يكونون كذلك وهم إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل إدراكا منهم أنهم إنما يتلقون أوامر الله ﷾ لهم بالعمل فور سماعه ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة؛ لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه١.
ذلكم الإحساس كان يفتح لهم آفاق القرآن ويفتح لهم أبواب العلم والمعرفة ومع هذا فقد كانوا، ﵃، لا يجدون في بسيط الأرض على سعتها ومديد السماء على عرضها ملجأ إن هم قالوا في القرآن بغير علم، أو بما لا يعلمون.
على هذا المنهج الصافي والمورد العذب والنبع النقي كانت سيرة خير القرون ... وقدوة المسلمين وعلى قدر صفائه ونقائه كان صفاء ونقاء قلوبهم وعلى قدر مضائه كان مضاء سيوفهم فحملوا الكلمة والسيف يحميها ووصلوا في سنوات معدودة ما حسبوه أقصى الأرض، ولو علموا أحدا خلف ما وصلوا لخاضوا البحر إليه أداء للأمانة، وعرفانا للحق.
سار هذا المنهج يشق له طريقا في مسار التاريخ محافظا على صفائه ونقائه تماما كما يجري النهر العذب على سطح الأرض يسقيها، فينبت الزرع ويروي العطش ومتعة للناظرين.
هذا المنهج كهذا النهر، شق له طريقا في أرض التاريخ ينبوعه القرآن

١ معالم في الطريق: سيد قطب ص٢٠.

1 / 8

الكريم ومصبه رضوان رب العالمين، من سلكه نجا وفاز فوزا عظيما، ومن حاد عنه هلك وخسر خسرانا مبينا.
وككل سبيل وكل طريق تحف به الدروب والطرق متقاطعة متخالفة كان هذا المنهج، فنشأت بجانبه مناهج أخرى وطرق شتى واتجاهات عدة، منها ما سلك هذا النهر، ومنها ما حاد عنه زاغ، ومنها ما وقف على شاطئه يلقي فيه بالأذى والحجارة يحسب نفسه تستطيع له سدا أو منعا. وما درى ذلك المسكين أنه يجني على نفسه، وأنه لن يبلغ شأوا ولن يقوم له أثر.
وما زالت هذه المناهج تزداد وتتنوع وتتسع وتضيق وتتجدد وتدرس، منها ما هو في دائرة المقبول، ومنها ما هو في دائرة المرفوض، ومنها ما يتردد بين الدائرتين يضرب هنا وهناك.
ولعل بزوغ شمس القرن الرابع عشر الهجري نفث في روح هذه المناهج الحياة من جديد -بعد أن فترت حينا من الدهر- بما جاء به من وسائل وأدوات حديثة تعين على الاطلاع، وتساعد على الانتشار.
فأشرقت بشروقها شمس المناهج التفسيرية للقرآن الكريم بما فيها من حق، وبما فيها من باطل.
وغربت شمسه منذ بضع سنين وغلقت أبوابه بما فيها من مناهج قديمة وجديدة، لكن المؤلفات فيه نفذت منه إلى القرن الجديد وما زالت بين أيدينا نتلوها ونقرؤها ونطبعها وننشرها.
فكان حقا واجبا أن تقدم دراسة وافية للمناهج في هذا القرن يبين فيها الأصيل والدخيل والصحيح والسقيم والمقبول والمردود علَّنا نتدارك في قرننا الجديد مساوئ سابقة ونأخذ منه محاسنه فنكون بذلك قد خطونا خطوات جادة ونكون بذلك قد استفدنا ممن قبلنا ونفيد من بعدنا في تنقية التفسير ومناهجه مما أصابه من الشوائب عبر القرون الماضية منذ أن كان صافيا نقيا إلى يومنا هذا فنعود به كما كان، ويصلح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها.
وإذا كان الأمر كذلك فقد اخترت لنفسي أن أكتب هذه الدراسة

1 / 9

لاتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري وإن كنت أدرك من نفسي قصورها ومن الموضوع سعته، لكني أعلم أن كل نفس مكلفة بما تستطيع فما وجدت لي عذرا أن أتركه ولم أجد أحدا قد سده.
فاخترت "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري" عنوانا لموضوع رسالتي لنيل درجة الدكتوراه؛ لأسباب عديدة سبقت الإشارة إليها ومجملها خمسة أمور:
أولها: أنا نعيش بعد القرن الرابع عشر الهجري مباشرة وما زالت الكتابة فيه بكرا، وما تزال الاتجاهات فيه واضحة المعالم بينة السبل، المستقيم منها والمنحرف.
ثانيها: أن في الإمكان توجيه الأذهان إلى الحق منها لسلوكه والتحذير من المنحرف وتقويم المعوج وتعديله، فما تزال الجادة فيه رطبة وما زالت الأغصان منه لينة.
ثالثها: ما اختص به هذا القرن من بين القرون السالفة كلها، من سهولة نشر المؤلفات وعرضها على الناس في وقت قصير مما كان له الأثر في كثرة المؤلفات وسرعة انتشارها بين الناس، فكانت دراسة هذه المناهج وعرضها أولى من غيرها نظرا للحاجة إلى ذلك.
رابعها: ما جد في هذا القرن من مناهج في التفسير، بعضها له جذور في القرون الماضية وبعضها جديد كل الجدة مما يوجب درسه ونقده وبيان ما له وما عليه.
خامسها: أن وسائل التفسير لم تكن فيه كما كانت من قبل بالكتابة والتدوين، بل جد فيها وسائل الإعلام الحديثة كالإذاعة والصحافة والرائي والندوات والمؤتمرات وغير ذلك، فكانت الحاجة ماسة لوضع المقاييس الصحيحة في أيدي الناس يزنون بها ما يسمعون، وينقدون بها ما يقرءون.
والأسباب غير ذلك كثيرة لا أظن أحدا يجهلها، ولعل فيما ذكرت منها الكفاية.

1 / 10

ويلمس الحاجة الماسة إلى ذلك كل من جلس مجلسا ضم أشخاصا اختلفت درجات علمهم وتنوعت وطرح فيه للحديث موضوع التفسير وحدوده، سيدرك لأول وهلة أن منهم من تلتبس عليه السبل وتختلط عليه المناهج فلا يدرك إدراكا صحيحا أبعاد التفسير المقبول وحدوده، ولا معالم التفسير المردود، فقد يرد الصحيح ويقبل الخاطئ لا لشيء إلا لقصور في مقاييسه أو لأنه سمعه من فلان أو علان.
وقد تلمس الحاجة الماسة عند من هم أعلى درجة من أولئك حين ترى كثيرا من طلبة العلم وأهله يسألون بين حين وآخر عن ذلك التفسير أو ذلكم المفسر: ما منهجه، وما طريقته؟ ويسألون عن الحق في تفسيره وسواه. وقد تجد هذا واضحا في رجوعهم الكثير للكتب التي تختص بدراسة التفسير والمفسرين. ذلكم -مثلا- كتاب "التفسير والمفسرون" للشيخ محمد حسين الذهبي، رحمه الله تعالى، درس فيه اتجاهات التفسير من العهد النبوي إلى العصر الحديث، ودراسته هذه وإن كانت دراسة سريعة عجلى إلا أنها قد سدت فراغا كبيرا في الدراسات القرآنية يظهر هذا في أنه قل أن تجد باحثا في هذا المجال إلا ويرجع إلى هذا الكتاب ويستفيد منه.
وقد تلمس الحاجة لمسا سريعا حين يوجه إليك أحدهم -وكثيرا ما يحدث هذا- سؤالا يطلب منك فيه أن تدله على كتاب في التفسير يقرؤه، يسأل هذا ليس لعدم معرفته لتفسير للقرآن، ولكن لأنه يعرف كثيرا منها فاختلط عليه الحابل بالنابل وأصبح لا يفرق بين غثها وسمينها، فهو هنا بحاجة إلى من يميز له بين هذا وذاك فوجه إليك سؤاله.
لست أريد هنا أن أقرر الحاجة إلى مثل هذا البحث، لكني أردت أن أبسط الواقع الذي يعيشه الناس في عصرنا هذا مع هذا الفيض من المؤلفات في التفسير

1 / 11

الدراسات السابقة:
وقد عثرت على بعض المؤلفات التي لها صلة في موضوعي هذا، وإن كان بينها وبينه فارق إلا أني أحب أن أشير إليها سريعا، فمنها:
١- اتجاهات التفسير في مصر في العصر الحديث، للدكتور عفت محمد الشرقاوي، ومن عنوانه يظهر اقتصاره على بلد واحد من بلدان العالم الإسلامي وإن كانت هذه البلاد من أوفى البلاد الإسلامية وأكثرها علما إلا أن هناك اتجاهات ظهرت في مناطق أخرى ولا وجود لها في مصر، زد على هذا أنه بحث فيه ثلاثة اتجاهات هي:
أ- الاتجاه الاجتماعي في التفسير الحديث.
ب- الاتجاه الأدبي في التفسير الحديث.
جـ- الاتجاه العلمي في التفسير الحديث.
وليست هذه -كما سيظهر إن شاء الله في هذه الدراسة- هي كل اتجاهات التفسير في العصر الحديث. ولعل لهذا أثره في تغيير اسم الكتاب لما طبعه صاحبه مرة أخرى فسماه: "الفكر الديني في مواجهة العصر".
٢- اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر، للدكتور محمد إبراهيم شريف، ومع أن هذه الدراسة قيمة وجادة إلا أن تقييدها بكلمتي "التجديد" و"في مصر" قصر الدراسة عن الهدف الذي أريده، زد على هذا اختلاف منهج الدراسة وطريقتها اختلافا كليا. ولا يقلل هذا من شأن هذا الكتاب فله عندي مكانة رفيعة في موضوعه، ولكني أردت بيان الفاصل بين موضوع بحثه وموضوع بحثي.
٣- اتجاه التفسير في العصر الحديث منذ عهد الإمام محمد عبده إلى مشروع التفسير الوسيط للشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير.
وهو بحث ألقاه المؤلف في المؤتمر السادس لمجمع البحوث الإسلامية، والغرض الذي كتب له هذا البحث لا يوجب الاستيفاء والشمول فكان فيه إجمال لمناهج كثيرة أو عدم تعرض لها على الإطلاق.

1 / 12

٤- اتجاهات التفسير في العصر الراهن، للدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب. وقد صدر هذا الكتاب بعد تسجيلي لرسالة الدكتوراه بفترة قصيرة وقد بادرت للحصول على نسخة منه وكنت أظنه كمسماه ولكنه لم يكن كذلك. فقد صدر الجزء الأول منه، وفيه اتجاهات ثلاثة:
أ- اتجاه سلفي.
ب- اتجاه عقلي.
جـ- اتجاه علمي.
ووعد بصدور الجزء الثاني وفيه مناهج أخرى ولم يصدر هذا الجزء حتى ساعتنا هذه -فيما أعلم- زد على هذا أن دراسته لهذه الاتجاهات الثلاثة بحاجة إلى إعادة النظر:
فقد انخدع بعناوين بعض التفاسير، فهو يصنف مثلا تفسير "التفسير القرآني للقرآن" للأستاذ عبد الكريم الخطيب تحت الاتجاه السلفي لا لشيء إلا لعنوان التفسير ولست بهذا أغمط تفسير الخطيب، ولكني أراه ذا اتجاه آخر. أضف إلى هذا أنه يعنى بكتاب التفسير أكثر من عنايته بالمنهج الذي ينتمي إليه هذا التفسير، فهو أشبه ما يكون في جزئه الأول بدراسة لكتب في التفسير أكثر منه دراسة لاتجاهات التفسير، وبينهما فرق لا يخفى.
أما ما عدا ذلك من الدراسات التي اطلعت عليها فهي دراسات غير منهجية أو دراسات خاصة بمنهج واحد من مناهج عديدة.
لهذا، فقد عزمت بتوفيق الله سبحانه على الكتابة في موضوعي هذا "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري".
مخطط البحث:
وبعد دراسة لهذا القرن الرابع عشر والمؤلفات التفسيرية فيه وبعد سؤال أهل الذكر ومشورتهم، قرَّ قراري على أن تكون خطة البحث في مقدمة وتمهيد وخمسة أبواب وخاتمة كالآتي:

1 / 13

- المقدمة.
- التمهيد: تحدثت فيه عن نشأة التفسير في عصر الرسول ﷺ ثم المراحل التي مر بها عبر العصور الإسلامية، ثم تحدثت عن مناهج المفسرين السابقين وأهم المؤلفات في كل منهج، قصدت بهذا أن أضع قاعدة ترتكز عليها مناهج واتجاهات المفسرين في العصر الحديث؛ لنعرف من الجديد ما كانت جذوره ضاربة في القديم وراسخة وما كان منها جديدا يزيدها جمالا وبهاء وما كان نشازا منحرفا، ثم تحدثت عن فترة الركود في العالم الإسلامي، حتى عصر النهضة الإسلامية الحديثة ونهضة المؤلفات التفسيرية خاصة والمناهج التي قامت مع قيامها إجمالا.
- الباب الأول: تحدثت فيه عن الاتجاه العقدي في التفسير، وعنيت فيه بالتفاسير الحديثة التي تعنى بإبراز جوانب العقيدة وبيان دقائقها والرد على الخصوم بحيث يظهر فيها طابع الاهتمام ببسط العقيدة التي يعتقدها صاحب التفسير وإن كان لا يهمل إهمالا تاما الجوانب الأخرى.
وتطلب هذا مني أن أنظر في الفرق الإسلامية المعاصرة، الحق منها والباطل، وأن أنظر في النتاج العلمي لهذه الفرق عامة، وفي التفسير خاصة.
أما الفرق فكثيرة وعديدة منها ما هو إسلامي حقا، ومنها ما شطح وانحرف، ومنها ما خرج عنه وابتعد، ولو كانت دراستي هنا دراسة ملل ونحل للزمني الحديث عن كل واحدة منها، وما دام الأمر غير ذلك فإني تحدثت عن الفرق التي لها نتاج في التفسير منشور، ومن هنا فإني تحدثت عن أربع فرق:
أولاها أهل السنة والجماعة، وثانيتها الشيعة، وثالثتها الأباضية، ورابعتها الصوفية، وما عدا هذه الفرق فلم أتحدث عنه؛ إما لأنه اندثر وباد أو لأنه لا نتاج لهم في التفسير أو لأنهم خارجون عن الإسلام بالإجماع كالبهائية والقاديانية وغيرهم.
وعلى هذا فقد جاء الباب الأول في أربعة فصول:
الفصل الأول: منهج أهل السنة والجماعة في التفسير.

1 / 14

الفصل الثاني: منهج الشيعة في التفسير.
الفصل الثالث: منهج الأباضية في التفسير.
الفصل الرابع: منهج الصوفية في التفسير.
ولا أكتمكم حديثا أني عانيت في هذا الباب والباب الأخير -كما سيأتي بيانه إن شاء الله- كثيرا في جمع المادة العلمية أولا ثم قراءتها ثانيا واستخراج مناهجها ثالثا ولا تخفى صعوبة العثور على مؤلفات أرباب الفرق المعاصرة خاصة إذا علمنا أن بعض هؤلاء لا يحرصون على نشر كتبهم ولا على اطلاع غيرهم عليها، بل ولا يسمحون أحيانا لأصحابهم بالاطلاع وقد حدثنا أصغر فيضي مثلا في مقدمته لتحقيق كتاب "دعائم الإسلام" وهو من كتب الإسماعيلية ما لاقاه من صعوبة في جمع المخطوطات حتى إن صاحب إحدى النسخ لم يسمح له بالاطلاع على نسخته إلا لمدة ساعة واحدة ولم يتركه ينفرد بها، بل أقام ابنه على رأسه حتى انتهت الساعة فأخذها منه هذا مع أصحاب مذهبهم، فكيف بالآخرين.
وأضرب مثلا لمعاناتي ما حدث لي في الحصول على تفسير لأحد المذاهب المعاصرة مع أن أتباعه ينكرون التقية ويرفضونها ومع هذا فقد التقيت بأحد علمائهم وشرحت له مهمتي فرفض أن يعيرني أو يقدم لي شيئا من كتبهم واتصلت بالمكتب الثقافي الذي يقوم بطبع مؤلفاتهم ولم أجد أية مساعدة، واتصلت بسفارتهم هناك وكان الصدود المقصود.
وعدت إلى الرياض هنا وكتبت إلى سفارة بلادهم وإلى وزارة التراث القومي عندهم وإلى مفتي بلادهم وفي كل حالة لا أجد إلا الصمت المطبق ثم ومن حيث لا أحتسب، هيأ الله لي الحصول على ما أردت.
ولم ينته الأمر إلى هنا أو لم أشأ أن ينتهي إليه فأردت أن أصل معهم إلى أقصى خطوة فكتبت إلى أحد علمائهم البارزين والمختصين بنشر تراثهم أعرض عليه أن أرسل إليه صورة لما كتبته عن مذهبهم ليبدي رأيه فيما كتبت أو إن كنت

1 / 15

قد قلت عنهم حرفا ليس من بطون مؤلفاتهم أو إن كنت نسبت إليهم عقيدة أو قولا ليس في عقائدهم. ومع هذا فقد كان الجواب الصمت.
كنت أظن الأمر غير مقصود أول مرة وثانيها وثالثها، أما بعد ذلك فقد حسبته غير ذلك، لا تسألونني عن السبب فما زلت أبحث عنه.
عذرا لحكاية حادثة ما دعاني لذكرها هنا إلا أنها ليست حادثة شخصية بل هي حادثة علمية من حق أهل العلم علي أن أنشرها وأن يعلموا بها.
أولئك نفر وذلك موضع واحد من المواضع التي جهدت في الحصول على بعض مؤلفاتهم حتى حصلت عليها، والحمد لله.
أما من لم أحصل على كتبهم، فيرجع سبب ذلك إلى أحد أربعة أسباب:
أولها: أن كتبهم سرية لا يطلع عليها أحد سواهم، كالفرق الباطنية.
ثانيها: أن كتبهم مصادرة أو لم يؤذن لها بالنشر.
ثالثها: أنهم لم يؤلفوا في التفسير أو لم يطبعوا ما تم تأليفه لأسباب خاصة كالزيدية مثلا.
رابعها: قصوري الشخصي الذي لا يمكنني من الاطلاع على كل المؤلفات في التفسير.
هذا ما أردت بيانه في المقدمة فيما يتعلق بالباب الأول ومعذرة إن كان فيه إطالة، فما قصدت إلا البيان.
- الباب الثاني: وتحدثت فيه عن الاتجاهات العلمية في التفسير، وقسمته إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تحدثت فيه عن المنهج الفقهي في التفسير، وتناولت كتب تفسير آيات الأحكام.
وفي الفصل الثاني: تحدثت عن المنهج الأثري في التفسير، ونعني به كتب التفسير بالمأثور.

1 / 16