تبیان فی اقسام قرآن
التبيان في أيمان القرآن
ایڈیٹر
عبد الله بن سالم البطاطي
ناشر
دار عطاءات العلم (الرياض)
ایڈیشن
الرابعة
اشاعت کا سال
١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)
پبلشر کا مقام
دار ابن حزم (بيروت)
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال
(١٤)
التبيان
في أيمان القرآن
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية
(٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق
عبد الله بن سالم البطاطي
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم
دار ابن حزم
المقدمة / 1
راجَعَ هَذا الجزْء
مُحَمَّدْ أَجْمَل الإصْلَاحِي
عَبد الرحمن بن معَاضة الشهْري
المقدمة / 3
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي أنزل الفرقان، وجعل فيه التبيان، وضمَّنَه الأقسامَ والأيمان، نحمده على جزيل الإحسان، وعظيم الامتنان، وهو المستحقُّ لكلِّ حمدٍ في كل آن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فهذا كتابٌ عظيمُ النَّفْع، طيِّبُ الوَقْع، سال فيه قلم ابن القيم ﵀ بالفوائد المحرَّرة، والفرائد المبتكرة، حتَّى فاض واديه فبلغَ الروابي، وملأ الخوابي، قصدَ فيه جمعَ ما ورد في القرآن الكريم من الأيمان الربَّانية وما يتبعها من أجوبتها وغاياتها وأسرارها، فبَرعَ وتفنَّن، ثُمَّ قعَّد وقَنَّن، ولا غَرْوَ في ذلك فإنَّه "شمس الدِّين".
وقد اعتنى أهل العلم بالأيمان والأقسام من قديم، فأفردوها بالتصنيف على قلَّةٍ في ذلك، إلا أنَّ أغراضهم ومقاصدهم تنوَّعت من تآليفهم؛ فمن ذلك:
أنَّ جماعةً من علماء العربية صنَّفوا فيما ورد عن العرب من الأيمان والأقسام، كما فعل أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٢٩١ هـ) فصنَّف "كتاب الأيمان" (^١)، وكذلك صنَعَ: عَسل بن ذكْوَان العسكري النحوي - في طبقة المبرِّد - كتابَ "أقسام العربية" (^٢)، وجمَعَ
(^١) انظر: إنباه الرواة" (١/ ١٥١).
(^٢) انظر: "معجم الأدباء" (١٢/ ١٦٩)، و"إنباه الرواة" (٢/ ٣٨٣).
المقدمة / 5
أبو إسحاق النَّجِيرَمي (٤٢٣ هـ) في كتابِ لطيفٍ "أيمان العرب" (^١) .
ورامَ جماعةٌ من الأئمة جمع ما ورد في الأيمان من الرواية والدراية كما فعل الإمام أبو عبيد القاسم بن سلَّام (٢٢٣ هـ) في كتابه "الأيمان والنذور" (^٢) .
وألَّف الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي (٦٠٠ هـ) جزءًا سمَّاه: "الأقسام التي أقسم بها النبيُّ ﷺ" (^٣) .
وأفردَ الإمام أبو الحسينِ محمد بن القاضي أبي يعلى (٥٢٦ هـ) جزءًا لطيفًا في المسائل التي حَلَف عليها الإمام أحمد (^٤) .
و"أقسام القرآن" من ذيَّاك القبيل، وقد عدَّه السيوطي في "الإتقان" (٢/ ١٠٤٨) نوعًا من أنواع علوم القرآن، وتبعه طاش كبري زاده في "مفتاح السعادة" (٢/ ٥٤٠) حيث جعله فرعًا من فروع التفسير (^٥)، فعِلْمٌ هذا شأنه لا يستغرب بعد ذلك أن يحتفي به العلماء ويخصُّوه بعناية زائدة ويفردوه بمصنفاتٍ خاصَّة.
وهذا الكتاب المبارك بدأته بمقدِّمة دراسية تتعلق بالكتاب وموضوعه، وجعلتها على قسمين:
(^١) طبع في المطبعة السلفية بمصر، سنة ١٣٤٣ هـ.
(^٢) انظر: "إنباه الرواة" (٣/ ٢٢).
(^٣) انظر: "السير" (٢١/ ٤٤٧).
(^٤) طبع بدار العاصمة - الرياض، سنة ١٤٠٧ هـ، بتحقيق: محمود بن محمد الحداد.
(^٥) وانظر: "كشف الظنون" (١/ ١٣٧)، و"أبجد العلوم" (٢/ ١٢٣).
المقدمة / 6
القسم الأوَّل: فصولٌ في القَسَم، وذكرتُ فيه:
- منزلة القَسَم عند العرب.
- الأقسام في القرآن.
- أشتاتٌ من الفوائد.
- المصنَّفات في أقسام القرآن.
والقسم الثاني: التعريف بالكتاب، وذكرتُ فيه:
- عنوان الكتاب.
- نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه.
- تأريخ تأليف الكتاب.
- موضوع الكتاب.
- منهج المؤلِّف في الكتاب.
- موارد المؤلِّف في الكتاب.
- أهمية الكتاب وأثره فيمن بعده.
- طبعات الكتاب.
- نسخ الكتاب.
- عملي في التحقيق.
والله أسأل أن ينفع بهذا العمل، وأن يقينا فيه الزَّلل والخطَل، ويديم علينا نعمته، ويسبغ علينا عافيته؛ إنَّه جوادٌ كريم، مجيبٌ قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقدمة / 7
القسم الأوَّل: فصول في القَسَم
- منزلة القَسَم عند العرب
- الأقسام في القرآن
- أشتاتٌ من الفوائد
- المصنَّفات في أقسام القرآن
المقدمة / 9
<رمز>منزلة القَسَم عند العرب:رمز>
للعرب طريقتهم في الكلام، وأسلوبهم في التخاطب، وقواعدهم في الحديث، أرشدتهم إليها فطرتهم القويمة، وطبيعتهم المستقيمة، فجرى بها لسانهم عفوًا من غير اعتمال، وسليقةً من دون افتعال.
وقد كان العرب أهل صدق وذمَّة، يتنزَّهون عن الكذب أيًّا ما كان الخبر، ويَعَافُون حكايته، ويستقبحون فعلته، ويعيِّرون فاعله ذمًّا وشنَاءةً، فالكذب عندهم عار اللسان كما أنَّ الزِّنا عار العِرْض.
لأجل ذلك كانوا يَصْدُقُون على الدوام، فيكون سامعهم على ثقةٍ من كلامهم، فإذا تردَّد السامع في صدق خبرهم أو شكَّ في ثبوته أكَّدوه له بما يناسب المقام من المؤكِّدات اللفظية وغيرها، حتى يستروح إلى أمانتهم في الحكاية، وصدقهم في القيل.
"والقَسَم" نوعٌ من أنواع التوكيد عند العرب، بل هو أجلُّها وأعظمها؛ لأنَّه غاية ما يبذله المتكلِّم من الجَهْد لتقوية كلامه وتثبيته في نفس سامعه، وليس في المؤكِّدات ما يوازيه أو يقوم مقامه فهو أقواها على الإطلاق، ولهذا كثرت ألفاظهم وتنوَّعت عباراتهم في أداء القَسَم؛ شأنهم في كل الأمور الجليلة والخطيرة، فمن ذلك قولهم: "لا وفالق الإصباح، وباعث الأرواح"، "لا والذي شقَّ الجبال للسيل، والرجال للخيل"، "لا والذي نادى الحجيج له"، وغير ذلك من ألفاظ القَسَم (^١).
زد على ذلك تعظيم القَسَم في نفوسهم فقد كان لهم فيه اعتقاد،
(^١) انظر: "الأمالي" للقالي (٣/ ٥١)، و"أيمان العرب" للنَّجِيرَمي (١٩)، و"المخصَّص" لابن سيده (١٣/ ١١٨)، و"المزهر" للسيوطي (٢/ ٢٦١).
المقدمة / 11
حيث كانوا يعتقدون أنَّ اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع، ولا تترك شيخًا ولا يافع، الأمر الذي جعلهم يتحفَّظون في أيمانهم، ولا يطرحونها إلا في مواطن الجِدِّ والحزم والصرامة.
وقد نزل القرآن بلغة العرب وعلى أسلوب كلامهم، ومناحي خطابهم، فجاء في أسلوب بيانه من القَسَم ما كان معهودًا عندهم، وخُصَّ بالأمور الجليلة العظمى، وقضايا الإيمان الكبرى.
فإن قيل: إنَّ المتكلِّم إنِّما يحلف ويُقْسِم لحاجته إلى القَسَم واليمين في تأكيد أمرٍ أو تثبيت خبرٍ عند سامعه، أمَّا الله ﷻ فإنَّه غير محتاجٍ إلى ذلك؛ لأنَّه - سبحانه - أحسن حديثًا وأصدق قيلًا.
هذا من جهة المتكلِّم بالقَسَم؛ أمَّا المُلْقَى إليه القَسَم فإنَّه إمَّا أن يكون مؤمنًا؛ فهذا يحمله إيمانه على التصديق بكلام الله ﷿ فلا يتوقَّف إيمانه على اليمين لأنَّه قد سلَّم وأيقنَ بما في القرآن. وإمَّا أن يكون كافرًا؛ فهذا لم ينتفع بالحجج والبراهين فكيف ينتفع بالقَسَم واليمين! فآلَ الأمرُ إلى عدم الحاجة إلى الأيمان، ومالا حاجة إليه لا فائدة من وروده! (^١)
والجواب من خمسة أوجه:
الأوَّل: ما سبق تقريره من أنَّ هذا جارٍ على سَنَن لغة العرب ومألوف لسانها، فليس في وروده في القرآن إغرابٌ في اللغة ولا بمدخولٍ عليها
(^١) وثَمَّ إشكال آخر يورده بُلَداء المستشرقين، انظره وجوابه في: "مناهل العرفان" للزرقاني (١/ ٢٢٢)، و"المدخل لدراسة القرآن الكريم" لمحمد أبو شهبة (٢٤٥ - ٢٤٧)، و"القَسَم في القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٤٩).
المقدمة / 12
ما لا يعرفه أهلها، بل هو ممَّا اعتادوه في مجريات كلامهم بغضِّ النظر عمَّن أُلقي إليه القَسَم.
الثاني: أنَّ وجود القَسَم في القرآن من أبلغ الحجج وأوضحها على صدق النبيِّ ﷺ وصحة رسالته، إذ لو كان كاذبًا في هذه الأيمان لأصابه خراب الديار، وانقلاب الحال، وسوء المآل؛ على ما كانوا يعتقدونه في الأيمان الكاذبة، أمَا والأمرُ بعكس ذلك فإنَّ يمينه برَّةٌ، وكلامه صدقٌ، ورسالته حقٌّ.
الثالث: أنَّنا لا نسلِّم بانتفاء فائدته، بل الفائدة حاصلة حتمًا، وذلك أنَّ النَّاس ثلاثة أصناف: مؤمن، ومرتاب، وجاحد.
فأمَّا المؤمن فإنَّ توكيد الكلام بالقَسَم يزيده طمأنينةً واستيقانًا، وينزل الكلام من نفسه المنزل الأسنى.
وأمَّا المرتاب فإنَّ القَسَم يزيل ريبته، ويطرح الشكَّ الذي في نفسه، فلا يبقى عنده تردُّدٌ في ثبوت الخبر أو عدمه.
وأمَّا الجاحد فإنَّ القَسَم زيادةٌ في تحقيق البيِّنَة وإقامة الحجة عليه، فلا حُجَّة له بَعْدُ أن يقول: إنَّ ما سمعتُه كان خبرًا من جملة ما نسمعه من الأخبار التي تطرق مسامعنا على الدوام، ولم يؤكَّد لي هذا الخبر أو ذاك بيمينٍ أو قَسَمٍ أحترمُه وأعظِّمُه. فورود القَسَم دفعٌ لهذه الحُجَّة الداحضة.
الرابع: أنَّ ما ذُكر في الإشكال إنَّما يستقيم إذا حصرنا فائدة القَسَم فيما قالوه فقط؛ والأمر ليس كذلك، إذ قد يرد القَسَم ويراد به تعظيم المقسَم به أو المقسَم عليه لا غير كما ذهب إليه بعض أهل العلم منهم
المقدمة / 13
ابن القيم ﵀.
الخامس: ما ذكره أبو القاسم القشيري ﵀ حيث قال: "إنَّ الله ذكر القَسَم في القرآن لكمال الحجة وتأكيدها، وذلك أنَّ الحُكْمَ يُفْصَل باثنين: إمَّا بالشهادة، وإمَّا بالقَسَم. فذكر الله - تعالى - في كتابه النوعين حتى لا يبقى لهم حُجَّة، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] " (^١) .
* * *
(^١) نقله عنه الزركشي في "البرهان" (٣/ ١٢٢)، والسيوطي في "الإتقان" (٢/ ١٠٤٨)، وفي "معترك الأقران" (١/ ٤٥٠)، وطاش كبري زاده في "مفتاح السعادة" (٢/ ٥٤٠).
المقدمة / 14