The Sealed Nectar with Additions
الرحيق المختوم مع زيادات
ناشر
دار العصماء
ایڈیشن
الأول
اشاعت کا سال
١٤٢٧
پبلشر کا مقام
دمشق
اصناف
•Prophetic biography
علاقے
بھارت
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن سيرة النبي المصطفى محمد ﷺ هي الأساس الكامل والمرجع الرئيس لكل داعية يرجو لعمله النجاح، وللدعوة الإسلامية الاستمرار.
فالرسالة المحمدية والسيرة العطرة لا تزال متصلة يحملها العدول من كل زمان، من العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، وقد تناقلت الأجيال سيرة رسول الله ﷺ جيلا بعد جيل، حفظا في الصدور، وكتابة في السطور، وسجلت في كتب يضيق بها الحصر والتعداد، وسوف تظل الكتابة فيها متواصلة ما بين مختصر وشارح، أو مفند وكاتب للعبر والدلالات، ويبقى الحديث عن السيرة قائما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن فضل الله علي أن وفقني لتدريس مادة السيرة النبوية وقد اختارت لجنة المناهج كتابا قيما فكان الكتاب نواة لمنهج السيرة النبوية.
وقد وجدت أن من المفيد إضافة بعض التأملات والعبر والدروس لحوادث السيرة مما يجعل قراءتها أكثر أهمية وأجلّ نفعا.
وشفعتها بمصورات إيضاحية تبين الأماكن والآثار والمواقع ليسهل على الدارس معرفة الحوادث ودراستها.
والله أسأل أن ينفع بهذا العلم طلاب العلم وجميع المسلمين.
كما أسأله ﷿ أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم.
د. علاء الدين زعتري
1 / 3
(بسم الله الرحمن الرحيم)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
تعتبر مادة السيرة النبوية من أهم المواد الشرعية لأنها ترسم منهاج حياة النبي ﷺ، وتكمن أهمية تدريس مادة السيرة في تقديمها بشكل شيق يجعلها منهاج حياة السامعين.
وأردد دائما مقولة أن السيرة النبوية صيدلية عظيمة وما علينا إلا استخدام الدواء المناسب للمرض المناسب. ففهمنا لسيرة النبي ﷺ تجعلنا نحسن استخدام أدويتها لحل مشاكلنا.
ولقد منّ الله تعالى عليّ بتدريس هذه المادة في كلية أصول الدين منذ بضع سنوات، جزى الله القائمين عليها كل خير، وجعلني أهلا لهذا.
ويعتبر هذا الكتاب في سيرة النبي ﷺ من خيرة وأحدث ما كتب في سيرة النبي ﷺ. فجهد المؤلف فيه عظيم ومشكور. ومع وجود الكثير من الأخطاء المطبعية فقد أكرمني الله ﷾ بالتعاون مع أخي الدكتور علاء الدين زعتري بوضع بعض التصويبات وإضافة بعض التعديلات والملاحظات التي تزيد الكتاب وضوحا وسهولة.
كما وتم إضافة الكثير من المصورات التي تساعد في فهم الغزوات والمعارك المختلفة وتوضح أماكن وقوع الحوادث التاريخية العظيمة وفي هذا خير عظيم للقارئ والدارس.
مما يجعل هذا الكتاب بوضعه الجديد مناسبا تماما للدراسة في كلية أصول الدين لطلاب السنة الأولى والسنة الثانية.
نرجو من الله تعالى تمام التوفيق وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) والحمد لله رب العالمين
غسان محمد رشيد الحموي مدرس مادة السيرة النبوية.
1 / 4
نسب النبي- ﷺ وأسرته نسب النبي- ﷺ:
لنسب النبي ﷺ ثلاثة أجزاء: جزء اتفق على صحته أهل السير والأنساب وهو إلى عدنان، وجزء اختلفوا فيه ما بين متوقف فيه وقائل به، وهو ما فوق عدنان إلى إبراهيم ﵇، وجزء لا نشك أن فيه أمورا غير صحيحة، وهو ما فوق إبراهيم إلى آدم ﵉، وقد أسلفنا الإشارة إلى بعض هذا، وهاك تفصيل تلك الأجزاء الثلاثة:
الجزء الأول: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب- واسمه شيبة- بن هاشم- واسمه عمرو- بن عبد مناف- واسمه المغيرة- بن قصي- واسمه زيد- بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر- وهو الملقب بقريش وإليه تنتسب القبيلة- بن مالك بن النضر- واسمه قيس- بن كنانة بن خزيمة بن مدركة- واسمه عامر- بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان «١» .
الجزء الثاني: ما فوق عدنان، وعدنان هو ابن أد بن هميسع بن سلامان ابن عوص بن بوز بن قموال بن أبي بن عوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن ناحش بن ماخي بن عيض بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربي بن يحزن بن يلحن بن أرعوي بن عيض بن ديشان بن عيصر بن أفناد بن أيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن سمي بن مزي بن عوضة بن عرام بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ «٢» .
الجزء الثالث: ما فوق إبراهيم ﵇، وهو ابن تارح- واسمه آزر- بن ناحور بن ساروع- أو ساروغ- بن راعو بن فالخ بن عابر بن شالخ ابن أرفخشد بن سام بن نوح- ﵇ بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ- يقال هو إدريس ﵇ ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن آنوشة بن شيث بن آدم ﵉ «٣»
(١) ابن هشام ١/ ١، ٢. تلقيح فهوم أهل الأثر ٥، ٦، رحمة للعالمين ٢/ ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ٥٢.
(٢) قد جمع العلامة محمد سليمان المنصور فوري هذا الجزء من النسب برواية الكلبي، وابن سعد بعد تحقيق دقيق. انظر رحمة للعالمين ٢/ ١٤، ١٥، ١٦، ١٧ وفيه اختلاف كبير بين المصادر التاريخية.
(٣) ابن هشام ١/ ٢، ٣، ٤ تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٦، خلاصة السير للطبري ص ٦، ورحمة للعالمين ٢/ ١٨ واختلفت هذه المصادر في تلفظ بعض هذه الأسماء وكذا سقط من بعض المصادر بعض الأسماء.
1 / 5
طيب نسبه ﷺ
روى الترمذي أنه ﷺ قام على المنبر، فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت رسول الله عليك السلام، فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتهم، فجعلني في خيرهم بيتا، وخيرهم نفسا.
وروى مسلم من حديث وائلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ عن نفسه:
«إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
1 / 6
المولد وأربعون عاما قبل النبوة
المولد:
ولد سيد المرسلين ﷺ بشعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الإثنين التاسع من شهر ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان، ويوافق ذلك العشرين أو الثاني وعشرين من شهر أبريل سنة ٥٧١ م حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان المنصور فوري والمحقق الفلكي محمود باشا «١» .
وروى ابن سعد أن أم رسول الله ﷺ قالت: لما ولدته خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، وروى أحمد عن العرباض بن سارية ما يقارب ذلك «٢» .
وقد روي أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، روى ذلك البيهقي «٣» ولا يقره محمد الغزالي «٤» .
ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له، واختار له اسم محمد- وهذا الاسم لم يكن معروفا في العرب- وختنه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون «٥» .
(١) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ١/ ٦٢، رحمة للعالمين ١/ ٣٨، ٣٩ واختلافهم في تعيين تاريخ أبريل فرع للاختلاف في التقويمات الميلادية.
(٢) انظر مختصر سيرة الرسول ﷺ للشيخ عبد الله النجدي ص ١٢ وابن سعد ١/ ٦٣.
(٣) نفس المصدر الأول.
(٤) انظر فقه السيرة لمحمد الغزالي ص ٤٦.
(٥) ابن هشام ١/ ١٥٩، ١٦٠، ومحاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ١/ ٦٢ وقيل إنه ولد مختونا، انظر-
1 / 7
وأول من أرضعته من المراضع- بعد أمه ﷺ ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي «١» .
في بني سعد:
وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم، ابتعادا لهم عن أمراض الحواضر؛ لتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم، فالتمس عبد المطلب لرسول الله ﷺ الرضعاء، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر- وهي حليمة بنت أبي ذؤيب- وزوجها الحارث بن عبد العزى المكنى بأبي كبشة، من نفس القبيلة.
وإخوته ﷺ هناك من الرضاعة عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث (وهي الشيماء- لقب غلب على اسمها-) وكانت تحضن رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله ﷺ.
وكان عمه حمزة بن عبد المطلب مسترضعا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول الله ﷺ يوما وهو عند أمه حليمة، فكان حمزة رضيع رسول الله ﷺ من وجهين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية «٢» .
ورأت حليمة من بركته ﷺ ما قصّت منه العجب، ولنتركها تروي ذلك مفصلا:
قال ابن إسحق: كانت حليمة تحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه، في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء قالت: وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء «٣»، معنا شارف لنا «٤»، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض
- تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٤ وقال ابن القيم: ليس فيه حديث ثابت. انظر زاد المعاد ١/ ١٨.
(١) تلقيح فهوم الأثر ص ٤، مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي ص ١٣.
(٢) زاد المعاد ١/ ١٩.
(٣) أي ضعيفة.
(٤) أي ناقة.
1 / 8
عليها رسول الله ﷺ فتأباه، إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه، فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة! لقد أخدت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله! إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علَّي حين قدمنا به معنا شباعا لبّنا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبّنا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شبايا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا، قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا «١» .
وهكذا بقي رسول الله ﷺ في بني سعد، حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة «٢» من
(١) ابن هشام ١/ ١٦٢، ١٦٣، ١٦٤.
(٢) هذا ما ذهب إليه عامة أهل السير، ويقتضي سياق رواية ابن إسحاق أنه وقع في السنة الثالثة، انظر ابن هشام ١/ ١٦٤، ١٦٥.
-
1 / 9
مولده وقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه- يعني ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون «١» .
إلى أمه الحنون:
وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين «٢» .
ورأت آمنة وفاء لذكرى زوجها الراحل أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كيلو مترا، ومعها ولدها اليتيم- محمد ﷺ وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهرا، ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ يلاحقها المرض، ويلح عليها في أوائل الطريق، فماتت بالأبواء بين مكة والمدينة «٣» .
إلى جده العطوف:
وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم، الذي أصيب بمصاب جديد نكأ الجروح القديمة، فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولاده، قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا فوالله إن له لشأنا،
(١) صحيح مسلم، باب الإسراء ١/ ٩٢.
(٢) تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٧، ابن هشام ١/ ١٦٨.
(٣) ابن هشام ١/ ١٦٨، تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٧، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ١/ ٦٣، فقه السيرة للغزالي ص ٥٠.
1 / 10
ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع «١» .
ولثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره ﷺ توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه «٢» .
إلى عمه الشفيق:
ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده، وقدمه عليهم، واختصه بفضل احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه. ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله، وستأتي نبذ من ذلك في مواضعها.
بحيرا الراهب:
ولما بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة سنة- قيل وشهرين وعشرة أيام «٣» - ارتحل به أبو طالب تاجرا إلى الشام، حتى وصل إلى بصرى «٤» - وهي معدودة من الشام وقصبة لحوران، وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان- وكان في هذه البلد راهب عرف ببحيرا واسمه جرجيس فلما نزل الركب خرج إليهم، وأكرمهم بالضيافة، وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك وعرف رسول الله ﷺ بصفته، فقال وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال أبو طالب: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخرّ ساجدا، ولا تسجد إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده، ولا يقدم به إلى الشام، خوفا عليه من اليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة «٥» .
(١) ابن هشام ١/ ١٦٨.
(٢) تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٧، ابن هشام ١/ ١٦٩.
(٣) قاله ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٧.
(٤) تبعد ٢٠ كم شرق درعا.
(٥) مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي ص ١٦، وابن هشام ١/ ١٨٠، ١٨١، ١٨٢، ١٨٣، ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالا (تحفة الأحوذي) وهو من الغلط الواضح، فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا، وإن كان موجودا فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر. زاد المعاد ١/ ١٧.
1 / 11
حرب الفجار:
ولخمس عشرة من عمره ﷺ كانت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة وبين قيس عيلان، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية لمكانته فيهم سنا وشرفا، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس. وسميت بحرب الفجار لانتهاك حرمات الحرم والأشهر الحرم فيها، وقد حضر هذه الحرب رسول الله ﷺ، وكان ينبل على عمومته، أي يجهز لهم النبل للرمي «١» .
حلف الفضول:
وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر حرام، تداعت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان التيمي لسنه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله ﷺ، وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت «٢»
وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف إن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمي، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار، ومخزوما، وجمحا، وسهما، وعديا، فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قبيس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعا صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك؟ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فقاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي بعد ما أبرموا الحلف «٣»
(١) ابن هشام ١/ ١٨٤، ١٨٥، ١٨٦، ١٨٧، قلب جزيرة العرب ص ٢٦٠، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ١/ ٦٣.
(٢) ابن هشام ١/ ١١٣، ١٣٥، مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي ص ٣٠، ٣١.
(٣) نفس المصدر الأخير ص ٣٠، ٣١.
1 / 12