The Fragrance of Jasmine in the Biography of the One with Two Wings

عبق الرياحين في سيرة ذي الجناحين

ناشر

مبرة الآل والأصحاب

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م

پبلشر کا مقام

الكويت

مبرة الآل والأصحاب
سلسلة سير الآل والصحاب (١٥)
عبق الرياحين في سيرة ذي الجناحين
جعفر بن أبي طالب وآله ﵃
د. نايف منير فارس
مراجعة وتنقيح مركز البحوث والدراسات بالمبرة

1 / 1

الإمام جعفر بن أبي طالب وآله ﵃
نايف منير فارس
مراجعة وتنقيح
مركز البحوث والدراسات بالمبرة

1 / 2

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة
الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م
هاتف: ٢٢٥٦٠٢٠٣ - ٢٢٥٥٢٣٤٠ فاكس: ٢٢٥٦٠٣٤٦
ص. ب: ١٢٤٢١ الشامية الرمز البريدي ٧١٦٥٥ الكويت
E-mail: almabarrh@gmail.com
www.almabarrah.net

1 / 3

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.
أما بعد:
فلقد منَّ الله علينا بأن جعلنا مسلمين مؤمنين متبعين لأوامره منتهجين نهج رسوله ﵌، وصحابته الكرام ﵃ أجمعين، فهم من نقل لنا الدين وتعاليمه، وعن طريقهم وصل إلينا القرآن الذي حفظه الله تعالى من التحريف والتبديل، ووصلت إلينا أحاديث رسولنا ﵌ المبيِّنة والمفصِّلة لما في القرآن من إجمال. وهي أيضًا محفوظة بحفظ الدين، فقيَّض الله لها علماء يمحِّصون الصحيح منها من الضعيف والموضوع.
ولهذا كان الطعن في حياة أصحاب النبي ﵌ طعنًا في الدين واستهدافًا للإسلام.
إذ كيف لمسلم يؤمن بالله ورسوله أن يطعن في أناس ائتمنهم الله ورسوله ﵌ على نقل الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ

1 / 9

فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^١).
ومما نقله الصحابة ﵃، أيضًا - إلى جانب كتاب ربهم وسنة نبيهم وسيرته العطرة ﵌ سير إخوانهم أصحاب رسول الله ﵌ من أهل البيت الطاهرين، ومن غيرهم رضوان الله عليهم أجمعين، ومن تلك السير العظيمة، سيرة الشيهد ابن عم رسو الله ﵌ ذي الجناحين، صاحب الهجرتين جعفر بن أبي طالب ﵁.
فقد كان ﵁ داعيًا في حياته للإسلام، صاحب حجة قوية، لا يخاف في الله لومة لائم، مجاهدًا في سبيل الله تعالى، راغبًا فيما عند الله من نعيم.
حتى إنه قدَّم يديه ثمنًا لدخول الجنة قبل أن يقدِّم نفسه الزكيَّة، فقد باع جسده وحياته ليظفر بجنة الخلد التي تجري من تحتها الأنهار.
ففيه ﵁ وفي أمثاله قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ... الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ... الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٢).
فالبشرى البشرى لجعفر ﵁ وأمثاله من الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وذلك هو الفوز العظيم كما قال الله تعالى، فقد ربح البيع أيَّما ربح، رغم أنَّ المشتري هو المالك الملِك ﷾.
ورغم أنَّ سيرة جعفر ﵁ من السير العظام، فهو صحابي، من آل البيت، ومن المهاجرين السابقين للإسلام، لكن قلَّ «إن لم يكن عُدم»

(^١) سورة التوبة الآية «١٠٠».
(^٢) سورة التوبة الآية «١٠٠».

1 / 10

من أفرد سيرته ﵁ في مصنَّف، يُمحِّص صحيحها من ضعيفها وسقيمها، ويحقق فيها ويُبيِّن عللها والفوائد المستفادة منها.
فأحمد الله أن منَّ عليَّ بأن شرَّفني بالبحث والكتابة في سيرة جعفر بن أبي طالب ﵁ العظيمة وسيرة آل بيته الأطهار، معتمدًا على ما صحَّ منها، مبيِّنا صحيح ما رُوي فيها من ضعيفه، محقِّقًا في بعضها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
فأسأل الله العظيم أن يكون هذا البحث نصرةً للصحابي الجليل جعفر بن... أبي طالب بخاصة ولجميع صحابة رسول الله ﵌ بعامة، فإن نصرةَ الصحابة بتبيين صحيح سيرتهم وصحيح ما ورد عنهم هو من نصرة الدين الإسلامي ومن الذبِّ عن سيِّد الخلق محمد ﵌، لأنه اختار هؤلاء النخبة ليكونوا صحابةً له، ورضيهم الله صحابةً لرسوله ﵌.
وإنني من خلال اتباعي لهذا المنهج لا أدعي الكمال في عملي هذا، فما كان من صواب فمن الله وما كان من خطأ فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.
والله ﷾ أسأل أن يغفر لنا زلاتنا، وأن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يدخلنا مع أمثال هذا الصحابي الجليل في جنَّات النعيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه
نايف منير فارس
nayief@engineer.com

1 / 11

جعفر بن أبي طالب ﵁ -
قال رسول الله ﵌ في الحديث الشريف: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا» (^١).
إننا على موعد مع معدنٍ من المعادن النادرة، إنه ابن عم رسول الله ﵌ فهو من آل بيته الكرام، الذي أشبه خَلقه وخُلقه خَلق وخُلق رسول الله ﵌، فهو من الذوات الطاهرة النبيلة، تَرفّع عن الرذائل، وتسامى مع الفضائل، وسلك سبيل الصلاح والهدى والكرامة، وهو واحدٌ من خريجي مدرسة النبوة المباركة، المدرسة التي خرجَّت لنا معالم القمة والقدوة في سائر جوانب الحياة، ولو كان هذا من سيرته لكفى، فإنها منقبةٌ عظيمة، ولكن له مع هذه المنقبة مناقب أخرى، فقد شهد له رسول الله ﵌ بالجنة بعد استشهاده، وكان له مواقف كثيرة مع المساكين، ولا ننسى موقفه الفريد ودعوته للنجاشي ﵀.
فهيَّا بنا أيها القاريء نرتشف من رحيق سيرة هذا المقدام، ونخوض في مناقبه ونستمتع بها، لنفهم سبب علوِّ منزلته وكونه شبيه خُلق المعلِّم الأكبر، المصطفى ﵌.

(^١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٣١)، رقم (٢٦٣٨)، وأحمد (٢/ ٥٣٩)، رقم (١٠٩٦٩).

1 / 12

اسمه ونسبه:
هو جعفر بن عبد مناف (^١) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﵌ وأخو علي بن أبي طالب لأبويه (^٢).
فجعفر ﵁ قريب إلى رسول الله ﵌ من وجوهٍ كثيرة، فهو ابن عم رسول الله ﵊؛ إذ هو جعفر بن أبي طالب، واسم أبي طالب: عبد مناف بن... عبد المطلب بن هاشم، وهو الأخ الشقيق لعلي وعقيل ابني أبي طالب ﵃ أجمعين، وأمهم جميعًا فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فالنسب موصولٌ برسول الله ﵌ من جهة الأب ومن جهة الأم.
قال فيه الذهبي ﵀:
السيِّد الشهيد الكبيرُ الشأن، عَلَمُ المجاهدين، أبو عبدالله، ابن عمِّ رسول الله ﵌ عبدِ مناف بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ الهاشمي، أخو عليّ ابن أبي طالب، وهو أسنُّ من عليّ بعشرِ سنين.
هاجر الهجرتين، وهاجر من الحبشة إلى المدينة، فوافى المسلمين وهم على خيبر إِثْرَ أخذها، فأقام بالمدينة أشهُرًا ثمَّ أمَّرَهُ رسولُ الله ﵌ على جيش غزوة (^٣) مؤتة بناحية الكَرَك، فاستُشهد، وقد سُرَّ رسولُ الله ﵌

(^١) عبد مناف هو اسم أبي طالب.
(^٢) الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٧٢)، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (١/ ٤٨٥)، طبقات ابن سعد (٤/ ٣٤)، أسد الغابة (١/ ٢٨٦ - ٢٨٩)، سير أعلام النبلاء (١/ ٢٠٦ - ٢١٧).
(^٣) الصحيح أن يُقال معركة أو موقعة مؤتة، لأن الرسول ﵌ لم يشارك في هذه المعركة فلا تُسمى غزوة.

1 / 13

كثيرًا بقدومه، وحزن - والله - لوفاته) (^١).
وقال النووي ﵀:
«هو أبو عبد الله جعفر بن أبى طالب الهاشمى الطيار، ذو الجناحين، وذو الهجرتين الجواد، أبو الجواد. كان من متقدمى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، وكان هو وأصحابه سبب إسلام النجاشى، ﵀، وارتفق المسلمون بجعفر هناك واعتضدوا به، وكان جعفر أميرهم فى الهجرة، وهاجرت معه زوجته أسماء بنت عميس، فولدت له هناك عبد الله بن جعفر، وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة» (^٢).
أبوه:
أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي عم رسول الله ﵌ شقيق أبيه، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية، اشتهر بكنيته، واسمه عبد مناف على المشهور، وقيل عمران، وقال الحاكم: أكثر المتقدمين على أن اسمه كنيته، ولد قبل النبي ﷺ بخمس وثلاثين سنة (^٣).
كان من أبطال بني هاشم ورؤسائهم، ومن الخطباء العقلاء الأباة، وله تجارة كسائر قريش (^٤).

(^١) سير أعلام النبلاء للذهبي (١/ ٢٠٦).
(^٢) تهذيب الأسماء واللغات للنووي (ص ١٩٧).
(^٣) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٧/ ٢٣٥).
(^٤) الأعلام للزركلي (٤/ ١٦٦).

1 / 14

ولما مات عبد المطلب أوصى بمحمد ﵌ إلى أبي طالب فكفله وأحسن تربيته وسافر به صحبته إلى الشام وهو شاب.
ولما بُعث رسول الله ﵌ قام في نصرته وذبَّ عنه من عاداه ومدحه عدة مدائح، منها قوله لما استسقى أهل مكة فسقوا:
وأبيض يستسقى الغام بوجهه... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ومنها قوله من قصيدة:
وشق له من اسمه ليجله... فذو العرش محمود وهذا محمد (^١)
وعن عقيل بن أبي طالب قال: «جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل: ائتني بمحمد، فأتيته به، فقال: يا ابن أخي، إن بني عمك يزعمون أنك تؤذيهم، فانته عن ذلك، قال: فحلق رسول الله ﵌ بصره إلى السماء، فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم، قال: ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك من أن تشعلوا منها شعلة، قال: فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي، فارجعوا» (^٢).
وزعم البعض أنه مات مسلمًا، واستدلَّوا بأحاديث أسانيدها ضعيفة وواهية (^٣).

(^١) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٧/ ٢٣٥).
(^٢) أخرجه أبو يعلى (١٢/ ١٧٦، رقم ٦٨٠٤)، وابن عساكر (٤١/ ٤)، والطبراني (١٧/ ١٩٢، رقم ٥١١)، قال ابن حجر في المطالب العالية (٤/ ٣٧٢): إسناده حسن، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٢) إسناده حسن.
(^٣) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٧/ ٢٣٨).

1 / 15