The Compendium of Prayer Rules - Mahmoud Owaida
الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة
الطبعة الأولى ٢٠٠١م
الطبعة الثانية ٢٠٠٢م
الطبعة الثالثة ٢٠٠٣م
الطبعة الأخيرة
مزيدة ومنقحة
المملكة الأردنية الهاشمية
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية (٢٦٨٠/١٢/٢٠٠٣)
٢٦٢،٢
عويضة، محمود عبد اللطيف
الجامع لأحكام الصلاة/ محمود عبد اللطيف عويضة.-
ط ٣.- عمان: المؤلف، ٢٠٠٤.
٨٨٠ص.
ر. إ.: ٢٦٨٠/١٢/٢٠٠٣
الواصفات: /الصلوات//الإسلام//العبادات/
رقم الإجازة المتسلسل لدى دائرة المطبوعات والنشر ٣٤١/٢/٢٠٠١
هذا الكتاب يوزع مجانًا، ولا حقوق محفوظة لصاحبه،
فيصح لأي شخص أن يطبعه طبعة جديدة ويقوم
بنشره وتسويقه وبيعه متى شاء شرط أن يطبعه كما
هو دون أي تغيير مطلقًا، فلا يزيد عليه كلمة ولا
يحذف منه كلمة.
دار الوضاح للنشر والتوزيع - عمان الأردن - ٤٦١٣٠٧٦
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فهذا كتابٌ في أحكام الصلاة سميته [الجامع لأحكام الصلاة] لأنني دونت فيه جميع مسائل الصلاة التي تناولتها النصوص دون تلك الأبحاث التي دونها الفقهاء مستدلين عليها بالقياس أو بالاستحسان وما إلى ذلك مما لا يصح الاعتماد عليه في العبادات، ذلك أن العبادات توقيفية تُؤخذ من النصوص فحسب: الكتاب والسنة ولا يصح أخذها من سواهما، ولهذا جاءت الأحكام في هذا الكتاب بمثابة فقه النصوص ليس غير.
1 / 1
وقد راعيت عند أخذ النصوص أخذها من مصادرها من كتب الحديث وليس من كتب الفقه، إذ أن هناك تفاوتًا في الألفاظ بين الأحاديث في كتب الفقه وبين الأحاديث في كتب الحديث بشكل عام. وقد التزمت عند الاستدلال بالحديث بوضع صاحب اللفظ المثبَت في الكتاب - عند تعدد الرواة - في مقدمة الرواة، فإذا قلت رواه مسلم وأحمد والترمذي مثلًا، فإن اللفظ المُثْبَت في الكتاب هو لفظ مسلم، وإذا قلت رواه الترمذي ومسلم وأبو داود، فإن اللفظ المُثْبَت هو لفظ الترمذي، وهكذا، وإذا وجدتم في سياق الحديث فراغًا مملوءًا بالنقط، فإن ذلك يدل على جزءٍ محذوفٍ من الحديث لا يلزم إثباته عند الاستدلال، خاصةً إذا كان الحديث طويلًا.
أما الأحاديث التي رواها الإمام أحمد فقد أخذتها إمَّا من مُسنده مباشرة، وإمَّا من كتاب [الفتح الرَّبَّاني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني] لمؤلفه أحمد عبد الرحمن البنَّا، وقد نوَّهت بهذا الأمر لأن [الفتح الرَّبَّاني] ربما أورد أحاديث المسند بطريق الاقتباس أو اقتطاع أجزاء من الأحاديث، سيما عند تكرار وضعها في الكتاب حسب أبواب الفقه فيه.
وإذا قلتُ روى هذا الحديث مسلم مثلًا فإن ذلك لا يعني أن الحديث انفرد مسلم بروايته وأن أحدًا غيره لم يروه، وكذلك إذا قلت إن الحديث رواه البخاري والنَّسائي مثلًا، فإن ذلك لا يعني أن الراويَيْن قد انفردا بروايته وأن غيرهما لم يرووه، ففي هذا الأمر لم ألتزم بقاعدة ثابتة، فربما ذكرت راوي الحديث صاحب اللفظ فقط، وربما ذكرت صاحب اللفظ ورواةً آخرين شاركوه في الرواية، وإذا حصل ذلك فإنما هو من أجل زيادة المعلومات لدى القاريء، وإلا فكما قلت لا يكون اللفظ إلا لصاحبه الأول فحسب، وأما الرواة الآخرون فإن ألفاظهم ربما تطابقت مع لفظ الراوي الأول وربما اختلفت عنه قليلًا، فالمعتمد في الاستدلال هو لفظ الراوي الأول فحسب، راجيًا أن يكون هذا الأمر واضحًا تمامًا.
1 / 2
وقد التزمت في الاستدلال بأخذ الأحاديث الصحيحة والحسنة التي صحَّت وحسُنت عند جمهرة المُحَدِّثين أو بعضهم، ولم أستدلَّ بأي حديثٍ علمت أنه ضعيف عند جميع المُحَدِّثين، أما الحديث المختلَفُ عليه من حيث الصحة والضعف فربما أخذته وربما تركته، والأخذ والترك متعلقان بموافقة الحديث أو مخالفته للأحاديث الصحيحة والحسنة.
وهذه الأحكام المدوَّنة كلها قد توصلَّتُ إليها باجتهادٍ شخصي فلم آخذها من اجتهادات المجتهدين، وإنما هي أحكام مستقلة عن اجتهاداتهم، ربما تطابقت معها وربما اختلفت قليلًا أو كثيرًا. فعلى المتَّبعين في مسائل الصلاة للأئمة الأربعة أو لغيرهم أن يبقوا متَّبعين لأئمتهم إن هم اتبعوهم بعد معرفة أدلتهم، واعتبروهم أصحَّ اجتهادًا، أما إن هم قلَّدوهم تقليدًا - بمعنى أنهم أخذوا الأحكام منهم، وعملوا بها دون الاطِّلاع على أدلَّتها - فهؤلاء يمكنهم الانتقالُ إلى هذه الأحكام المقترنة بالأدلةِ ووجوهِ استنباطها، واتِّباعُها، وأما غير هؤلاء وأولئك فشأنهم في الأخذ بهذه الأحكام أو تركها، شرط أن لا يراعوا في ذلك الأسهل والأوفق لهواهم ومصالحهم، فإن ذلك حرام لا يجوز.
1 / 3
إن الغاية من وضع هذا الكتاب، وخاصة الجزء الأول منه هي أنني أردت أن أضع نموذجًا لكتابة الفقه، رأيت أنه الأنسب والأصح، يبرز فيه استعراض النصوص كلها في المسألة الواحدة، واستحضار الأحكام التي استنبطها الفقهاء لمحاكمتها، ومن ثَمَّ التوصُّل إلى الحكم الصحيح وبيان الحكم الخطأ، حتى يأخذ المسلم الحكم بقناعةٍ واطمئنان نفسٍ، وينأى بذلك عن التقليد الأعمى لهذا الفقيه أو ذاك، فالتقليد الأعمى آفة أصابت المسلمين في عهودهم الأخيرة، فسببت لهم الهبوط ولا أقول الانحطاط، ولم أقصد من وضع هذا الكتاب أن أضع مجرد كتابٍ في الفقه، وذلك لأن كتب الفقه المطبوعة دون المخطوطة تزيد كثيرًا عن حاجة المسلمين، فهذا الكتاب ليس سوى محاولة مني لوضع النموذج الصحيح الذي أراه لكتابة الفقه، راجيًا من الله سبحانه أن أكون قد وُفِّقتُ فيما سعيت إليه.
كما أنني بوضع هذا الكتاب إنما أشارك عددًا من العلماء الذين ثاروا على واقع هذه الأمة الإسلامية الكريمة، ورفضوا الإذعان لغلق باب الاجتهاد الذي أدى إلى هبوط الأمة فكريًا ومن ثَمَّ سياسيًا، أُشارك هؤلاء المجتهدين بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه للعلماء المخلصين المالكين لأدوات الاجتهاد وهم بأعداد لا بأس بها، ولا تنقص معظمهم إلا الجرأة والإقدام على طَرْق هذا الباب والولوج فيه.
وليعلم هؤلاء أن المجتهد غير عالم أصول الفقه، فكما أن الأديب غير عالم النحو والصَّرف، إذ يستطيع أن يكتب القطع الأدبية دون إتقانٍ منه لعلوم اللغة كإتقان عالم النحو والصرف، فكذلك المجتهد يستطيع أن يستنبط الأحكام من أدلتها دون إتقانٍ منه لعلم أُصول الفقه كإتقان عالم أصول الفقه، فهذا وذاك يحتاجان من هذه العلوم إلى قدر معقول ومناسب دون الإتقان التام والإحاطة الكاملة لهذه العلوم، فربما اجتهد مجتهد في عشر مسائل وعشرين مسألة دون أن يحتاج من علم أصول الفقه إلا للقدر اليسير منه.
1 / 4
لقد وضعت هذا الكتاب ابتداءً في عام ١٤٠٧ من الهجرة و١٩٨٧ للميلاد، وقد حالت ظروفٌ دون نشر الكتاب من قبل، وفي هذا العام وقد تيسَّر لي نشره قمت بمراجعته وإدخال إضافاتٍ كثيرة نافعة عليه، راجيًا أن يلقى من القراء جميعًا الرضى والقبول.
واللهَ أسأل أن يتقبَّل مني ما بذلت وما نويت وما إليه هدفت، والحمد لله أولًا وآخرًا.
تمهيد
الطهارة في اللغة النقاوة والتنزُّه من الأدناس. وفي الشرع رفعُ ما يمنع الصلاة والطواف ومسَّ المصحف من حَدَثٍ بالماء، أو رفع حكمه بالتراب، وإزالة النجاسة بهما أو بغيرهما. فأغسال الجنابة والحيض والنفاس تدخل تحت رفع الحدث الأكبر، والوضوء يكون لرفع الحدث الأصغر، وكلاهما يدخل تحت مدلول الطهارة، فالمسلم يكون طاهرًا طهارة كاملة بالغسل والوضوء إضافةً إلى إزالة النجاسة.
والطهارة عبادة وعمل من الأعمال، فتفارق المعاملات التي هي تصرفات قولية، ولذلك احتاجت إلى النية لقوله ﵊ «إنما الأعمال بالنِّيَّة، وإنما لامريءٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» رواه مسلم والبخاري من طريق عمر بن الخطاب.
وقد جاءت النصوص تعيِّن الماء لرفع هذين الحدثين دون سواه، خلافًا لرأي أبي حنيفة الذي يجيز الوضوء بالنبيذ، فإن عدم الماء قام التراب في التيمُّم مقامه مؤقتًا في جميع الأغسال والوضوء ريثما يوجد الماء.
1 / 5
أما إزالة النجاسة فلا تفتقر إلى النية، خلافًا لمالك وأحمد، وأن المطلوب فقط هو زوال النجاسة بأي شكل أو أداة أو مادة، خلافًا لمالك والشافعي وأحمد الذين أوجبوا إزالة النجاسة بالماء فحسب. فالجسم نجس ما حمل نجاسة، وطاهر ما خلا منها، والحكم إنما يكون في الحال لا في المآل ولا في سابق الوقت، فإذا كان جسم لا يحمل نجاسة حكمنا بطهارته دونما حاجة لمعرفة ما إذا كان من قبلُ نجسًا أو لا، ولا كيف زالت نجاسته إن علمنا أنه كان من قبلُ نجسًا، كما أننا نعُدُّه طاهرًا ما دام لم يتنجس.
والنجاسات تسع: أربعٌ من الإنسان هي البول والغائط والمذي والودي، وثلاث من الحيوان هي الكلب والخنزير والميتة، وواحدة مشتركة بينهما هي الدم المسفوح، وواحدة من غيرهما هي الخمر. والنجاسات هذه لا تُطَهَّر، وإذا خالطت جسمًا طاهرًا نجَّسته، فصار هذا الجسم الطاهر متنجِّسًا، وعلى المتنجِّس مدار البحث في إزالة النجاسة. هذا هو مجمل الكتاب، وإليكم البيان والتفصيل.
الفصل الأول
أحكام المياه
خلق الله سبحانه الأرض وغطى ثلثيها بالماء، وخلق الحيوان والنبات - وهما طعام الإنسان - خلقهما من الماء، وتوَّج مخلوقاته بالإنسان، وجعل ثلاثة أرباع بدنه ماء، وصدق الله إذ يقول ﴿وجَعَلْنا من الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾ الآية ٣٠ من سورة الأنبياء. فالله سبحانه قد كرَّم الماء إذ جعل مدار الحياة في الأرض عليه، وجعله طَهورًا، وعلَّق به وبوجوده العديد من العبادات، فبالماء يزيل المسلم جنابته، وبه يتوضأ لتكتمل بذلك طهارته من الحدثين كي يتسنى له الوقوف أمام ربه في أجلِّ عبادة هي الصلاة، ويطوف في حجِّه حول الكعبة مبتدئًا بالحجر الأسود يمينِ اللهِ في الأرض، ويلمس المصحف المجيد، وبالماء يزيل معظم ما يصيبه من النجاسات، وبالماء ينظف بدنه وثيابه وأشياءه.
1 / 6
ولما كان مدار الطهارة عليه فقد جعله الله ﷾ كلَّه طَهورًا، فماء المطر طَهور لقوله تعالى ﴿ويُنزِّل عليكم من السَّماءِ ماءً ليُطهِّرَكم به﴾ الآية ١١ من سورة الأنفال. ولقوله سبحانه ﴿وأنزلنا من السَّماءِ ماءً طَهورًا﴾ الآية ٤٨ من سورة الفرقان.
وماء البحر طَهور لما رُوي عن أبي هريرة أنه قال «سأل رجلٌ رسولَ الله ﷺ فقال: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ قال: فقال النبي ﷺ: هو الطَّهور ماؤُه الحِلُّ ميتتُه» رواه أحمد ومالك وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وصححه البخاري والترمذي وغيرهما.
وماء الآبار والينابيع طَهور لما رُوي عن أبي سعيد أنه قيل لرسول الله ﷺ «أنتوضأ من بئر بُضاعة - وهي بئر يُطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنتن - فقال رسول الله ﷺ: الماء طَهور لا ينجِّسه شيء» رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه. وصحَّحه أحمد ويحيى بن معين.
والطَّهور هو الطاهر في نفسه المطهِّر لغيره، فقول الرسول ﵊ «الماء طَهور لا ينجِّسه شيء» عام في كل ماء، سواء نزل نقيًا من السماء أو خالطته ملوحة في البحار، أو علِقت به طحالبُ وأتربةٌ في مجاري الينابيع والأنهار، ما دام يحمل اسم الماء، ولذا فإن الأصل في الماء كلِّ الماء الطُّهوريةُ وعدمُ إخراج أي ماء من الطُّهورية. فهذا هو حكم الماء، وذلك لأنه لم يرد في النصوص أي وصف آخر له من حيث الطُّهورية.
1 / 7
وتتخرج من ذلك حالتان، الأولى: ما إذا خالطه شيءٌ أو أشياء بحيث يفقد اسمه بتغيُّر أحد أوصافه، بحيث لا يعود يطلق على المزيج الجديد اسم الماء، بل يصبح شيئًا آخر غير الماء، وآنذاك لا يكون ماء طَهورًا، لأنه لم يَعُد ماءً لا في اسمه ولا في وصفه، والثانية أنه قد ورد نصٌّ شرعي يستثني حالة واحدة فحسب من حالات الماء - مع بقائه ماء - من الطُّهورية، هو ما رُوي عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال «سمعت رسول الله ﷺ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، قال: فقال رسول الله ﷺ: إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَثَ» رواه الترمذي وأبو داود وأحمد. وصححه ابن خُزَيمة وابن حِبَّان والحاكم. ولأحمد «لم ينجِّسه شيء» . ولأبي داود «فإنه لا ينجُس» . فاستثنى من حالات الماء حالة واحدة هي كون الماء دون قُلَّتين وقد أصابته نجاسة، ففي هذه الحالة فحسب يفقد الماء طُهوريته ويصبح نجسًا، أي ينتقل مباشرة من الطُّهورية إلى النجاسة. فالماء ليست له سوى حالتين اثنتين فقط هما حالة الطهورية، وحالة النجاسة المستثناة.
هذه ببساطة أحكام المياه، فالماء طَهور ما دام يحمل اسم الماء، ولا يفقد طهوريته إلا في حالة وحيدة هي ما إذا كان دون القُلَّتين وأصابته نجاسة، ففي هذه الحالة يفقد طهوريته ويفقد طهارته لأنه يصير نجسًا، وما سوى هذه الحالة يظل طَهورًا صالحًا للغسل من الجنابة، وللوضوء، ولإزالة النجاسات.
ولقد تشعَّبت آراء الفقهاء وتعدَّدت كثيرًا في هذه المسألة، ونحن سنستعرض هذه الآراء كلها بإذن الله، ونناقشها حتى نقف على الصحيح منها ونطرح ما سواه.
قالوا: الماء أقسام عديدة منه الطَّهور ومنه الطاهر، ومنه النجس، ومنه المستعمَل الطَّهور، ومنه المستعمَل الطاهر، ومنه المستعمَل النجس، فجعلوا الماء ستة أقسام، وكان حقه أن يكون قسمين اثنين فقط.
1 / 8
الماء الطَّهور
قالوا إن الماء الطهور إذا خالطته مواد طاهرة فغيرت أوصافه، كأن صار لونه أحمر أو أصفر، أو صارت له رائحة، أو تغير طعمه، أو تغير قِوامه، صار هذا الماء طاهرًا وفقد طُهوريته، ولم يعد يصلح للاغتسال به من الجنابة أو الحيض أو النفاس، أو للوضوء، ولم يكتفوا بذلك بل فصَّلوه على النحو التالي:
أ- ما يوافق الماء في الطُّهورية كالتراب والملح.
ب- وما لا يختلط بالماء كالدهن.
جـ- وما لا يمكن التحرُّز منه كالطُّحلب.
د- وما سوى هذه الأنواع كالزعفران.
دون أن يذكروا إن كان الماء دون قلتين أو أكثر، وأعطَوْا لكل حالة حكمًا، ودخلوا في تفريعات لا حاجة بنا لذكرها، فنرد عليهم بما يلي:
أما ما ذكروه في أول البند فصحيح من وجه وخطأ من وجه آخر، والحالات الأربع داخلة في الصحيح والخطأ دون حاجة لهذه التبويبات. أما أنَّ الماء إذا تغير بمخالطته لمواد طاهرة فَقَدَ طُهوريته فقولٌ صحيح، ولكن أن يقولوا إنه صار ماءً طاهرًا فخطأ، لأن الماء هو تلك المادة ذات الصفات والخصائص المعروفة، فإذا اختلفت هذه الصفات والخصائص بشكل بيِّن لا يبقى الماء ماء، ولا يصح إطلاق اسم الماء عليه، وسمِّه آنئذ بما شئتَ من أسماء حسب المادة التي اختلطت به. فقولهم يكون الماء طاهرًا - هكذا بذكر كلمة (الماء) - خطأ، فالنبيذ وهو ماء نُقِع فيه تمر لا يصح أن يقال عنه إنه ماء طاهر غير طَهور، لأنه لم يعد ماء لا في اسمه ولا في واقعه، والشاي المشروب الأحمر لا يسمى ماء، والسوس لا يسمى ماء، والماء إذا غُلي فيه الحمص حتى صار أصفر ذا طعم خاص لا يصح أن يقال إنه ماء، لا ماء طاهر ولا ماء طَهور، فما دامت هذه الأشربة والمحاليل لا تتصف بصفات الماء ولا تحمل خصائصه فيجب إخراجها من هذا البحث، وعدم إدراجها في باب المياه وأقسامها.
1 / 9
والقاعدة الواجب اعتمادها هي أن الماء ما دام ماء - أي اسمه ماء وحقيقته أنه ماء - إن خالطته شوائب طاهرة فلم تسلُبْه اسمَه، ولم تغيِّر أوصافه وخصائصه ظل ماء طَهورًا يصلح لكل حالات التطهير، لا فرق بين الحالة والأخرى من الحالات الأربع. فإذا أُذيب في الماء قَدر كبير من الملح أو خالطته كمية كبيرة من التراب والطين أو الكبريت أو الزعفران بحيث لم يعد يسمى ماء أُخرج من بحث أقسام المياه ودخل في بحث المواد الأخرى التي سلبته اسمه وحقيقته. فشراب الزعفران طاهر، وشراب السوس طاهر، والشاي طاهر، والنبيذ - أي منقوع التَّمر - طاهر، ومحلول الكبريت طاهر، ولكن هذه لا تُبحث في باب المياه ولا تأخذ أحكامها، وبالتالي لا يقال لهذه الأشربة والمحاليل إنها مياه طاهرة غير طَهورة، ولا فرق في ذلك بين ما كان فوق القُلَّتين أو دونهما.
وهذا الموضوع كله ليس موضوع نصوص، وإنما هو موضوع تحقيق مناط الماء، والرسول ﵊ يقول «الماء طَهور» ونحن نبحث في مناط الماء وعلى ماذا ينطبق هذا اللفظ، ولم يقل ﵊ شراب الزعفران طاهر أو طَهور حتى يدخل في هذا الباب. وعليه فإن قولهم إن الماء طاهر إن خالطه ما غيَّر أوصافه أو سلبه اسمه صحيح من وجه وخطأ من وجه، وقد بان الوجهان تمامًا. وقل مثل ذلك على إدام الطعام وأدوية الصيدليات السائلة والمحاليل الكيماوية والعُصارات والعطور، فكلها لا علاقة لها بأحكام المياه من حيث الطُّهورية والطهارة لا من قريب ولا من بعيد، فلا تصلح للوضوء ولا للأغسال من نفاس وحيض وجنابة.
قد يقال إن عكرمة والحسن والأوزاعي وأبا حنيفة أجازوا الوضوء بالنبيذ مستدلين بما رُوي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن «ما في إداوتك؟ قال: نبيذ، قال: تَمْرةٌ طيبةٌ وماءٌ طَهور» رواه أبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجة. فنردُّ عليهم من ثلاثة أوجه:
1 / 10