The Biography of the Prophet: Methodology and Events Overview
السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها
ناشر
دار ابن كثير
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
١٤٢٠ هـ
پبلشر کا مقام
دمشق
[المدخل]
قال الله تعالى في القرآن الكريم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] .
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٨- ٢٩]
1 / 4
الإهداء
هذا الكتاب أهديه إلى حضرة جناب المصطفى الحبيب رسول الله ﷺ، وأنا أرجو الله ﷿ القبول، إن شاء الله ﷾.
كانت كلمات الإهداء شعرا. وقد جرت قصيدته هذه على اللسان، سليقة وانسيابا متناغما، والشكر والحمد لله رب العالمين.
يا سيدي يا أسوتي ... هذا الكتاب هديتي
الله أنزل شرعه ... أكرم بها من شرعة
أوحى إليك مبلّغا ... أنت الأمين لأمّتي
بعثت للناس بها ... طول الزمان وهجرة
بعثت فيها منذرا ... ومبشّرا بالنّصرة
جاهدت فيها دائما ... لم تعتذر من هجعة
كلّ السنين حميتها ... وبذلت كلّ المهجة
وفي المسالك تلتقي ... في سوقهم ومجنّة
والصحب حولك جدّهم ... بادي الوفا وأصالة
أمحمد أنت الذي ... أنقذتنا من تيهة
كلّ الرسالة صنتها ... أدّيتها بأمانة
وحملتها في مهجة ... وحميتها بالمقلة
وبالنفيس فديتها ... أرخصتها سالفة
الله أرسل نعمة ... أنعم بها وهديّة
قرآنه ضرب الدّجى ... طاو له للظّلمة
والناس قد أحيوا بها ... فكانوا خير أمّة
لا يعرفون بدونها ... جاءتهم وبسمحة
1 / 5
كانوا شراذم قبلها ... وحربهم لقبيلة
لكنهم قاموا دعاة ... ولوحدة في دعوة
صاروا نجوما في الورى ... منذ اهتدوا بشريعة
أهل الحضارة والنّهى ... بالعدل فتح سريرة
ونحن جيل يقتدي ... برسولنا ووراثة
على خطاك سيرنا ... مهما بدا من قسوة
ونبتغي الله به ... أسعد بها تضحية
لنرضي فيه ربّنا ... وبسعدها بشرية
سعد الذين تجمعوا ... في منهج ووضيئة
فيه السعادة كلّها ... وهو أسّ حضارة
هذا النبيّ وصوته ... متجلجلا في آية
فأقبل تراه ماثلا ... متحركا في سيرة
فرح الزمان بسعده ... ليضيء كلّ مسيرة
بغداد المحروسة- العامرية المعمورة- المضيفة المشهورة
الخميس: ٦ رجب الخير ١٤١٨ هـ (٦/ ١١/ ١٩٩٧ م)
1 / 6
ملاحظات
تمثل النجمة (*) في الاستشهاد بالآيات الكريمة بداية الآية الكريمة ونهايتها. وإذا لم توضع هذه النجمة (*)، فذلك يعني أن الاستشهاد يشير إلى جزء من الآية الكريمة.
كانت طريقة الإشارة في المصادر والمراجع- بالنسبة للجزء والصفحة- عدم ذكر كلمة جزء أو صفحة، بل يوضع خط مائل بين رقم الجزء ورقم الصفحة. فمثلا (٣/ ٤) تعني الجزء الثالث الصفحة ٤.
وبالنسبة لكتب الحديث الشريف التي ترقم أحاديثها، كثيرا ما يذكر رقم الحديث الشريف وبعده خط مائل (/) ثم الجزء. مثلا (٤٩٦٤/ ٣) يشير الرقم الأول- قبل الخط المائل- إلى رقم الحديث الشريف والرقم (٣) - بعد الخط المائل- يشير إلى الجزء.
1 / 7
تقديم
سنوات كثيرة مرت تناهز أو تجاوز العقدين، وأنا أنادي بشعارات علمية لازمة، منها أن يعتبر التاريخ الإسلامي مادة شرعية تدرّس، واحدة من هذه المواد في أيّ موقع منها، لا سيما السّيرة النبوية الشّريفة، على صاحبها الصلاة والسلام. كما جرى النداء والعمل حثا، لاعتبار هذه السيرة المطهرة على صاحبها الصلاة والسلام- مادة أثيرة في كافة المراكز العلمية والمؤسسات، لا سيما الجامعات؛ لتكون ليس فقط مادة مستقلة بل ومتطلبا جامعيا. ولعل ذلك يتحقق يوما ما بعون الله تعالى وفضله.
هذا مهمّ جدا، ومن المهمّ كذلك: أن تقدّم هذه السيرة المطهرة بثوبها الزاهي الجليل، وبالأسلوب البحثي الجميل، وبالعلم الكريم الدليل، فهي مبدأ تاريخنا، هذا التاريخ الإسلامي وشرفه وتاجه.
وها أنا اليوم أقدّم هذه الدراسة- باكورة مؤلفات في موضوعها، لما يتلوها من بحوث ودراسات ومؤلفات، إن شاء الله تعالى- صالحة لكل مستوى، ومهمة لكل دارس، وأساسية لكل متمرس. وأرى ذلك لزاما أبديه، وواجبا أقضيه، وعملا أتعبد الله تعالى به، راجيا منه القبول، وأن يجعل- سبحانه- موضعه الإقبال ونفعه عميما. وأقدّمه هنا في بحوث أو مؤلفات متتابعة- إن شاء الله تعالى- كل منها على نسق، حتى يتم كل جانب منها بما يؤهله، شمولا وسعة وعمقا، بعونه ومنّه، وهو على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
1 / 9
تمهيد وتنجيد
السيرة النبوية الشّريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- هي التي أقامت مباني هذا الدين- الذي أنزله الله تعالى، وحيا أمينا صادقا على رسوله محمد بن عبد الله ﷺ وبه أتمّ نعمته على خلقه، على قواعده الإيمانية بالله تعالى ورسالته الخاتمة، عقيدة وعبادة وشريعة. ورسمت تعاليم الإسلام في الواقع: سلوكا وتعاملا، بذلا وتضحية، احتمالا وفداء.
وهي ثمرة بناء الإسلام- قرآنا وسنّة وسيرة- وأقامت الإنسان والحياة على قواعده المتينة الرصينة الأمينة. ذلك من أجل إقامة المجتمع الفاضل والحياة الإنسانية الكريمة، في واقعية مثالية، أو مثالية واقعية، تبقى دليل الإنسانية ونهجها الميمون الفريد نحو الحياة المرجوة التي أرادها الله لعباده؛ لترسيخ معنى العبودية لله تعالى وحده، وإنجاز الفتوحات المتنوعة في آفاق النفس، وميادين الحياة، وإعمار المجتمع، بصيغة كريمة إنسانية فاضلة، لا يدركونها- صيغة وصبغة ورفعة- إلا به وحده.
ولقد قدّمت السيرة النبوية الشريفة القرآن الكريم- كتاب الله تعالى- شرحا موضّحا بالبيان والتفصيل في السّنة النبوية المطهرة، وبالسلوك والتمثيل في واقع الحياة، في كل إطار وفي أي مجال وحال، في السيرة النبوية العطرة.
وكما أن كلّ ما في القرآن الكريم يشير ويؤكد ويعلن أنه من عند الله تعالى، وحيا منزّلا منه سبحانه على رسوله الكريم محمد بن عبد الله ﷺ، الصادق المصدوق «١»، الذي تلقاه من ربه العظيم الجليل سبحانه. وبهذا
(١) الصادق المصدوق: وصف للرسول الكريم ﷺ. وهو تعبير كثر وروده عند رواة
1 / 11
كله تماما تتضح نبوته ورسوليته ورسالته من خلاله، مضيئة كالشمس رخية كالنسيم رحبة كالفضاء وكالسماء. والله تعالى يقول: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: ١٩١- ١٩٧] .
ويقول ﷾: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] .
والرسول الكريم ﷺ يقول: «ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١» .
الأحاديث النبوية الشريفة، وعموم الصحابة الكرام ومن بعدهم على مدار الأجيال، ونحن والحمد لله إلى يوم الدين. البخاري، رقم (٣٠٣٦) . وكتاب العلم، باب: قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا. «الصادق»: الصادق في قوله. «المصدوق»: المصدوق فيما يأتيه من الوحي الكريم، وكذلك المصدّق فيه. مسلم، رقم (٢٦٤٣) .
(١) البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل، رقم (٤٦٩٦)، مسلم، رقم (١٥٢) . جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ، (٨/ ٥٣٣، رقم ٦٣٣٣) . «آمن عليه البشر»: أي كل نبي بعثه الله تعالى أعطاه من الآيات والدلائل الواضحة والمعجزات (من خوارق العادات) التي تظهر صدقه، فتقتضي الإيمان به. «أتيته»: أراد القرآن الكريم الذي خص به رسول الله ﷺ التي أعطاها الله للرسول الكريم ﷺ هي القرآن الكريم الموحى به من الله تعالى لفظا ومعنى، وهو المعجزة الكبرى الباقية إلى يوم القيامة، يستمر الإيمان به من غير المسلمين فيؤمنون به ويدخلونه- على مر العصور ومن كل الأقوام، بجانب كل المعجزات الآخرى الكثيرة المتنوعة. «وحيا»: والوحي هنا هو القرآن الكريم، فإنه ليس من كتب الله المنزلة كان معجزا إلا القرآن الكريم.
1 / 12
فالقرآن الكريم كتاب الله تعالى المبارك، وشرعه المبين، وحبله المتين، أنعم به على البشرية جمعاء، فضلا منه ومنّة؛ ليبلّغه الرسول الكريم ﷺ إلى الناس كافة، رسالة ربانية لا غنى لأهل الأرض عنها في كل ديارهم وأعصارهم ومرتقياتهم. ولا تستريح البشرية- كما استراحت ورأت في جولة سبقت- إلا في ظله. وتلك تجربة وخبرة وشهادة، تكفيها لأخذه واعتماده والعمل به، مكتفية به وحده ومستغنية به عما سواه، حتى لو فاتتها معرفة ذلك، من خلال القرآن والسنة المطهرة والسيرة النبوية الشريفة.
وحين تتخذه البشرية منهجا تتعامل به في كل جوانب حياتها، ستنال السيادة والتكريم في الدنيا والسعادة الدائمة في الآخرة. ويوم تدركه وتعرفه وتفقهه لا ترتضي- ذاتيا، ولا يصحّ لها- أن تلتفت لغيره وبطبيعتها، اعتمادا على نظرية (أو حقيقة) التقابل والتواصل والتكامل، أو التوافق والترافق والتعانق. عندها يسقط وتسقط كل ما عداه من البرامج البشرية، والمناهج الأرضية، والمبادئ الوضعية؛ إذ لا يجب أن يحكّم المسلم في حياته كلها غير ما أنزله الله سبحانه، ولا يقبل التحاكم إلى ما يضعه الإنسان، مهما كان.
وهذا هو مفهوم العبودية لله تعالى، ومعنى شهادة ألاإله إلّا الله، الذي دعا إليه كافة الأنبياء ﵈، واستمر الرسول الكريم ﷺ يجاهد من أجلها عقودا، تثبيتا وتوكيدا وتحديدا بأمانة.
والله تعالى يقول في سور متعددة مثل الأنعام والأعراف وهود اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وكما يقول الرسول ﷺ: «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أخوة، أبناء علّات، أمهاتهم شتّى، ودينهم واحد» «١» .
(١) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، باب: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها [سورة مريم، ١٦]، رقم (٣٢٥٩) . ومسلم: رقم (٢٣٦٥) . جامع الأصول، (٨/ ٥٢٣، رقم ٦٣٢١) . «أولى الناس»: أخص الناس به وأقربهم إليه، لأنه بشّر به. «أولاد علات»: الأخوة لأب واحد، من أمّهات مختلفة. والمعنى: أن
1 / 13
وكم من مرة حدّث القرآن الكريم، من خلال حشد ضخم من الآيات الكريمات عن الغائب عن علم الإنسان وإدراكه وآفاقه، أي عن الغيب الكائن في التاريخ والحياة، وغاب عن علم الإنسان وعن الغيب الذي سيكون في الدنيا والآخرة سواء. وكلها حقائق منظورة، والتي ستقع مثلما وقعت، فضلا عما فيه من أمور كونية ونفسية وعلمية، وغيرها كثيرة مجهولة، مما لم يدرك بعضه الإنسان إلا بعد قرون وأجيال، ومنه لا يزال خارج دائرة إدراكه، كالذي هو خارج دائرة علمه غيبا. بل ما أكثر ما حدّث القرآن الكريم عن بواطن النفوس، وأعماق السرائر، ومكنونات الضمائر، وحتى بما هو مجهول للشخص والأشخاص أنفسهم. فلنبحث كل هذا في القرآن الكريم، ونقرأه من جديد.
كل ذلك وأمثاله يدعو بقوة كلّ إنسان- فضلا عن المسلم- أن يتبع كتاب الله في حياته، ويأخذ به، وردا وإصدارا، وبه تكون النجاة لا بغيره في الدنيا والآخرة. والله تعالى يقول في كتابه العزيز القرآن الكريم: (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] .
وكما هو الأمر هكذا بالنسبة للقرآن الكريم، فإنّ كلّ ما في السيرة الشريفة- والسّنّة الصحيحة كذلك، بعد بيان القرآن الكريم له، تجده ممهورا بطابع النبوة، وختمها الرسالات- يدل على أنه ﷺ نبيّ كريم ورسول خاتم، بدعوة الله العالمية إلى أهل الأرض أجمعين وإلى يوم الدين.
ولقد أنزله الله تعالى محتويا كلّ أمورهم التي ترفعهم وتقودهم نحو الحياة الكريمة والحضارة الرشيدة، وإلى رضا الله تعالى والسعادة في الدنيا والآخرة.
شرائعهم متفقة في الأصول (مختلفة في الفروع) . «شتى»: متعددة. «دينهم واحد»: دين التوحيد. ويشير هذا إلى أن النسب الحقيقي هو نسب العقيدة والإيمان، وبه وحده لا بغيره يكون التفاضل والقبول والقرب من الله تعالى.
1 / 14
وهذا معلم واحد من معالم هذا الدّين الواضحة، دين أهل الأرض أجمعين، حالا واستقبالا، مثلما هو معلم من معالم السيرة النبوية الشريفة، ومعالمها كثيرة وقوية بينة باهرة، متلألئة مناراتها.
مثلما تلمسه وتراه وتشهده في سيرة الصحابة الكرام- ﵃ أجمعين- الذين دانوا بالعبودية الكاملة لله رب العالمين في أكمل صورها، وهم يبقون نموذجا للأجيال وعلى مدار التاريخ. فعن عبد الله بن مسعود (٣٢ هـ) ﵁: (أن الله تعالى بعد أن اختار محمدا ﷺ وبعثه برسالته، إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدا ﷺ فبعثه برسالته وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار الله له أصحابا، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيّه ﷺ «١» .
والكل مقتد برسول الله ﷺ، الذي إن غاب اليوم عنا شخصه الكريم ووجوده الحي الوضئ وجسده الشريف، فهو باق محفوظ ماثل وقائم، بتوجيهاته وسلوكه ومواقفه وآفاق تربيته وجهاده وعبادته ودعائه، في البيت والمسجد والحياة، حربا وسلما في الرضا والغضب والانتصار والانكسار وفي دلائله وشمائله، حية متحركة متعطرة تفوح بالمسك قويا، عبقة تنشر الطيب، كأنك تراه وتشهده وترقبه أمامك قائما. وتلك هي السيرة النبوية الشريفة بشمولها وكمولها ومضامينها.
نستبين ذلك أيضا جليا من حياة الصحابة الكرام، بكل جوانبها ونواحيها وميادينها، ونراه ظاهرا جاهرا ومنظورا في سيرتهم المقتداة والمقتدية بالنبي الكريم ﷺ، مهما تفاوتوا- وهم يتفاوتون- في الخير والبرّ والنصرة، لكنهم اغترفوا من هذا النبع الصافي المبارك الكريم؛ ولذلك استحقوا الأوصاف الكريمة التي وصفهم الله تعالى بها في قرآنه العظيم،
(١) حياة الصحابة، الكاندهلوي، (١/ ٤٦) .
1 / 15