ويستشف من غزوة الحديبية الحد الأعلى للمدة التي يجوز فيها مهادنة الكفار عليها لأن الأصل في العلاقة معهم الحرب لا الهدنة. ويستدل بها على جواز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلمًا.
وفيها وضح الرسول ﷺ بعض مسائل العقيدة فبين كفر من يقول (مطرنا بنوء كذا وكذا) فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب (١). وبين استحباب التفاؤل بقوله (سهل أمركم) لما قدم سهيل بن عمرو (٢).
وفي الغزوة يظهر جواز التبرك بآثار النبي ﷺ مثل التوضأ بماء وضوئه، وهو خاص به خلافًا لآثار الصالحين من أمته (٣).
وحدث في طريق العودة أن نام المسلمون عن صلاة الصبح فلم يوقظهم إلا حر الشمس، وكان بلال بن رباح موكلًا بحراستهم فغلبه النوم، فصلوها بعد خروج وقتها، فهي السنة فيمن نام عن صلاته أو نسيها (٤).
وفي طريق العودة ظهرت معجزة الرسول ﷺ في تكثير الطعام والماء، قال سلمة بن الأكوع: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا (٥)، فأمر النبي ﷺ فجمعنا مزاودنا (٦)، فبسطنا له نطعًا (٧) فاجتمع زاد القوم على النطع قال: فتطاولت لأحرزه كم هو؟ فحرزته كربضة العنز، ونحن أربع عشر مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا ثم حشونا
(١) صحيح البخاري (فتح الباري، كتاب الأذان ٨٤٦).
(٢) ابن القيم: زاد المعاد ٣/ ٣٠٥. وانظر فتح الباري كتاب الطب ٥٧٥٥، ٥٧٥٦.
(٣) الشاطبي: الاعتصام ٢/ ٨.
(٤) سنن أبي داود مع معالم السنن: كتاب الصلاة ٤٤٧. والنسائي: السنن الكبرى في ١١٩ وصححه الهيثمي وفيه عبد الرحمن بن أبي علقمة من التابعين وثقه ابن حبان وحده ولم يجرحه أحد. (مجمع الزوائد ١/ ٣١٩، وثقات ابن حبان ٥/ ١٠٦ وتهذيب التهذيب ٦/ ٢٣٣) وانظر حول تكرر ذلك في خيبر (فتح الباري ١/ ٤٤٩).
(٥) إبلنا.
(٦) أوعية الزاد.
(٧) بساط من جلد.