The Arab Woman in Her Age of Ignorance and Islam

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

ناشر

مكتبة الثقافة

ایڈیشن

الثانية

اشاعت کا سال

١٣٥٠ هـ - ١٩٣٢ م

پبلشر کا مقام

المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية

اصناف
Islamic thought
•
علاقے
مصر
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم باسمك نعتزم وبركنك نعتصم وبحولك نستدفع الوهن ونستعدي على الزمن، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، لك الحمد في الأولى والآخرة، إنك أنت ملهم القول وولي التوفيق.

1 / 5

مقدمة
في سبيل المرأة
ماضينا وحاضرنا
نحن لا ننزع إلى الكمال لأن لنا فيه نسبًا عريقًا، وطريقًا عميقًا إذا أنني عطف الزمان، فنحن مطلع فجره فخره. أو التبست عُقد العظائم، فنحن حُماة شرعتها، وكماة حومتها بنا استصحفت مِرة المجد واستشرقت ذروته ولنا عُقد لو اؤه، وتأثل بناؤه، فإذا ابتغينا الحياة سنَية، وابتعثنا الأمل جنيًاّ، فلسنا بغاة نصفة ولا عُفاة معدلة، وإنما هو ميراث سُلبناه في غفوت الليل، وغلس الظلام، فنحن ننزع عنه شرك العوائق، ونرد دونه كيد الخطوب.

1 / 6

تلك صفحة من صفحات تاريخنا الذي نعتز به، ونطرب له، ونستثني من الرجاء منه ولعلها أحفل الصفحات بالعظات، وأجمعها للعظائم، وآهلهَا بنُبل الُخلق، وسناء الحياة. تلك هي المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها، حياة العظمة الوادعة الرائعة؛ النفس الأبية النقية.
تلك هي المرأة التي يحدث المؤرخ المُنقَرّ الإنجليزي العظيم (كلاي مما استَشفه من أطلال بابل إنها كانت منذ أربعة وأربعين قرنًا تجاذب الرجل سياسة الأمة، وولايتها الأمر، إنها كانت منذ أربعة وأربعين تجاذب سياسة الأمة، وولايتها الأمر، وجدّ العمل، وشُئون الحياة.
تلك هي للمرأة التي وثب بها الإسلام ووثبت هي به، وكان أثرها في تكوين
رجاله، وتصريف حوادثه، أشبه ما يكون بأثر الهادئ الفياض في زهر الرياض.
يريد نساؤنا أن ينهضنَ، فهن يبتغين الوسائل ويتلمسن الخطى. وما لهن لا ينهضن؟ ومنذا يذودهن عما شرع الله لهن؟ وهل هن إلا منابت حُماتنا، وأساة جراحنا، وبُناة دولتنا ومنار دعوتنا، ومثار قوتنا؟ وهل نحن وإياهن إلا كجناح النّسر الصاعد إذا ينهض أحدهما خفُض الآخر فيصبح لا يجد في الأرض مَقَعدًا ولا في السماء مصعدًا؟
لينهض النساء ما شئن أن ينهضن، ففي نهوضهن، وبلغ غايتنا، ولكن ليحذر الآخرون بيدها والداعون إلى نهوضها التواء القصد، والتباس الطريق فينالها الزلل وتَلِجُّ بها العثرات حتى يقول قوم لقد كان ما كانت فيه خيرًا وأبقى.

1 / 7

ألا وإن من الالْتِواء القصد، وضلال الطريق، وأن ندع نساءنا يتخذن من المرأة الأوربية مثالًا يحتذينه، ويمعنَّ في التشبيه به.
نحن قوم تحتكم بنا أمزجتنا، وأسلوب حياتنا، وأجواء بلادنا وتكوين طبائعنا، ونظم شرائعنا، فمن الظلم أن نقول لنسائنا خُضن ثَبَجَ البحر واقتحمن شعاف الجبل وكن نساء أوربيات تَرَيَنَ ما يرين، وتدّعن ما يدعين. ذلك تكليف لا قدرة عليه ولا خير فيه. .
نعوذ بالله أن ننكر على المرأة الأوربية وفر فضلها، وسماحة عقلها، فذلك ما لا نجد له السبيل غلى جحده والإنكار له ولكننا ننكر عليها أعراضًا قد لا تبتئس بها، ولا يأبه لها من حولها، على أنها مما يحز المفاصل، ويستثير الغوائل وهي إذا نقلت إلينا كانت أشد وأفتك. ونخشى إذا حملنا نساءنا على الأسوة بنسائهم أن تكون الأعراض هي الأولى والآخرة.
لا أكذب فالمرأة الأوربية ليست المثل الأعلى للمرأة العظيمة. فإن قيل هي كاتبة حاسبة، وصانعة بارعة، قلنا لم تزد أن دعمت حياة المادة وزادتها نوطًا جديدًا.
ولو كان لها أثر نافذ لنُسخت عبادة القوة، ودال سلطان الأّثَرَة ولأبصرت القوم يبادرون إلى عون الضعيف، وغوث اللهيف، ولما استمتعت أنه المظلوم تكاد تنفطر لها السماوات وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هَدّا.
أجل بصرك بين أعطف هذا العالم وأطرافه ثم انظر هل ترى إلا رجلا مغشيًا بالغل أو محنيًا على الضغينة؟ وهل تجد إلا امرأة مَطْويةً على كبد حَرّى أو مهجة

1 / 8

حَسْرى؟ وهل تبصر إلا واترًا وموتورًا، قاهرًا ومقهورًا؟ وهل تُحسُّ الأُلفاء والقرَناء بإخاء صاف، وودّ غير مدخول؟ وهل تعلم في القوم إلا الخُلق المضطرب، والخَلة المُموّهة، ويدًا شعث الكلب، وتدمي قلوب الشعوب، فما ينهل من الدم ويشكو الأوام، فأين يد المرأة أثرها، غير تهذيب النفوس وتطهير القلوب خُلقت المرأة؟
لكل ذلك أُناشد نساءنا أن يَسْدلن الحُجٌب بينهن وبين نساء أوربا ففي أمهاتنا الأوليات فضل وغَناء. أولئك اللواتي نَستَنُّ عن طيب عروقهن وكرم أخلاقهن، وتلك دماؤهن تترقق بين جوانحنا وأعطاف قلوبنا. فأما نحن فيه من مظاهر النَّوْة بالواجب والنّكول عن الجد فإنما هو صدأ عارض وغشاء مستحدث علينا تطاول الزمن وتتابع الحادثات وما أصابنا في سبيل ذلك من فداحة الظلم وذل الإسار.
ففي سبيل الكمال المُطلق، والحياة الخالدة، أسواق حديث المرأة لا إلى النساء فحسبُ، بل إليهن وإلى الرجال معهن فإن صلاح كل من الفريقين لا يقوم إلا على صلاح صاحبه، والتجاوز له عن حقه الذي شرع له، وسيعلم الناس مبلغ تلك المرأة في عهد جاهليتها من قّوة النفس. وحرمة الرأي، وعزة الجانب، ونبل الخليقة، وكيف انتهى بها الإسلام إلى أبعد مدى من الحياة ونهج لها أوضح سُنَّة من الفضائل وألبسها أحسن لَبوس من جلال الكمال وجمال الخلال.
لذلك أنشأت كتابي مستعينًا بعناية الله، مستهديًا بهداه وحده وليّ النُّجْح، وهادي
السبيل.

1 / 9

وقد فصلته على أربع أجزاء:
الجزء الأول: المرأة العربية في عهد جاهليتها.
الجزء الثاني: المرأة العربية المسلمة في عصورها الزاهية.
الجزء الثالث: الدور الثاني من أدوار المرأة العربية في عصورها الزاهية.
الجزء الرابع: المرأة العربية الحديثة، وفيه وصف المرأة في أرجاء جزيرة العرب. مما قاله أهلها وما كتبه المستشرقون الذين نزلوا بها. ووصفها في كل قطر من الأقطار المتعربّة.

1 / 10

المرأة في الحياة
(ومن آياته أَن خَلقَ لكمِ مِن أَنفسكم أزواجًا لتَسكُنُوا إليها وَجَعَل بينَكم موَدة وَرَحمة لآيات لقوم يَتَفَكَّرُن).
ما كان الله لِيَدَع الرجل تحت أوقار الدهر: وأثقال الحياة، حتى يخلق له من نظام نفسه، من يذود عنه هموم نفسه، ويحتمل دونه الكثير من شئونه، ويضيء له ما بين من شعاب العيش وظلم الخطوب.
تلك هي المرأة قسيمة حياته، ومباءة شكاته، وعماد أمره، وعتاد بيته، ومهبط نجواه، وتلك هي آية الله ومنته ورحمته لقوم يتفكرون. ينهض الرجال إلى الحياة بعزم وقوة يستمدان عقله ورايه، وتستقبل المرأة الوجود بعواطف فياضة يتجلى بها قلبها الخفاق فتأسو بها ما جرحته من قلب الفضيلة.
فإن ظهر الرجل بمضاءه وذكاءه فغن للمرأة غايتها من صفاء القلب، ونقاء السريرة، وما ينبعث عنهما من وفاء ووَلاء، وحنان وإحسان، وتسلية، وغَياث مكروب ونجدة منكوب، وما إلى ذلك مما يقيم مائل الارض، ويلم صدعات الحوادث.
من أجل ذلك كان قول المرأة في قلب الرجل وأملك لنفسه سواه. ولقد ريع النبي ﷺ لرؤية الروح الأمين أوَل عهده

1 / 11

به وملكه الفزع منه فلم يجد - وهو صفي الله وصفوتهُ من خلقه - من يُسرى روعه ويَشُدُّ قلبه إلا زوجه خديجة إذ تقول له: كلا والله لا يخزيك أبدًا إنك تحمل الكَل، وتُكْسِبُ المعدوم. وتعين على نوائب الدهر.
ذلك قول المرأة التي أزرت نبي الله، وَوَاسَتْهُ بمالها وقلبها، وفرجَت عنه مواطن محدقة مُطبقة واحتملت دونه خطوبًا جمة فوادحَ، وكان قولها أنفذ في نشر دين الله من ألف سيف تنْتَضى في سبيل الله.
ذلك وحي من الله وإلهامه على لسان المرأة فنزل بردًا على قلب الرجل. أفبعد هذا
القول من ذلك القلب غاية لمستمع أو سبيل لمستزيد؟
ألا إن خشية الله ودينه - وهما سبيل الكمال - لا يجدان مجالًا أهدى، ولا موطنًا أخصب من قلب المرأة، لأن حاجة الدين إلى قلب صاف، وعواطف غالية أشد من حاجته إلى قلب ذكيّ، ورأى أَلَمعِي.
إلى كل ذلك تنتقل المرأة إلى طور آخر تبلغه، فتبلغ به غاية ما أُعدّت له من كمال النفس وشرف العاطفة. ذلك طور الأمومة. فهناك تنزل المرأة عن حقها من الوجود لمن فصل عن لحمها ودمها تسهر لينام، وتظمئ ليروى، وتحتمل الألم الممض - راضية مغتبطة - لتذيقه طعم الدعة، وتنشيه نسيم النعيم.
تلك هي التضحية بالنفس بلغت بها الأمومة غايتها.
والجود بالنفس أقصى غاية الجود
إن من آيات التضحية في المرأة ما يقف دونه الرجل عانَىِ الوجوه نادِىَ الجبين ومن أمثال ذلك ما أنا سائقه وقاُّصه عليك: -

1 / 12

في صيف ١٣٢٩هـ كانت إحدى بواخر النيل تحمل العابرين غادية رائحة بين كفر الزيات ودسوق. ففي ذات مرة أخرج الرُّبان صدرها بمن احتملهم من قصاد المولد الدسوقي، فقذفها بضعفي ما تحمل.
سارت البواخر متعثرة تتحامل على نفسها وتضطرب في خطاها فما كادت تنكشف إلى عرض النيل قليلًا حتى آدها حملها، فانبتَّ عِقدها، وانحلت عُقدتها ومالت على نفسها، وتدفق الماء من منافذها. هنالك خرج الناس عن عقولهم، وتملكهم الفزع الأكبر، وظنوا أنهم أحيط بهم، فأخذوا يتدافعون على صدر النيل علَّهم يلقون يدًا تدفعهم أو ترفعهم.
بين هذا الحفل المتماوج المتدافع تقطعت الأنساب، فلا أب ولا أم ولا زوج ولا ولد. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. وفي ذلك الموطن الذي دارت عليه كؤوس
الموت مُترعة ظهرت امرأة لا تتلمس الشاطئ كما يتلمسون، ولا تُلَوَّح بيدها كما تلوحون بل كان كن شُغلها والموج يرفعها ويخفضها والموت يقبضها ويبسطها: أن نزعت خمارها، وأدرجت فيه ولدها، ثم لوحت به إلى زوجها، وقذفته على صفحة الماء مترافقة إليه وصاحت به متهدجة قائلة: -
خذ يا فلان فذلك وصيتي إليك. . .
قالت ذلك ثم غاصت بين طيات الماء بعد ان أسلمت وديعتها وأبرأت إلى الله نفسها. . .
إلى تلك المنزلة السامية رفع الله المرأة ليكل إليها أشرف منازل الحياة: منزلة

1 / 13

التربية والتعليم، منزلة الأستاذ الذي لا يمحو علمه، ولا ينسخ آيته أستاذ سواه، بل كل سائر على سنته، ومستنبع طريقه.
لقد كان من سنن اليونان أيام سقراط وأفلاطون ومن لفَّ لفهما أن يقف الرجل خاشعًا حاسرًا الرأس إذا مرت به حامل وما كان ذلك لمظهر جثماني فليس في ذلك ما يدعو إلى الهيبة والخشوع، بل ذلك لما مهد الله لها من عمل روحي ملكّي مقدّس.
فيأيتها الأم الرؤوم: ليس ذاك الذي بين يديك بالطفل الذي يبقى أمد الحياة طفلا، بل هو سر الوجود يذاع عنك وصفحة الحياة تنشر عن أثرك وهو أدل عليك من أسارير وجهك وبيان لسانك.
ليست هذه البَضْعة المتحركة باللعبة الُملهِيَة هي العاَلم الأكبر يضطرب كأضطرابه، ويتخايل في مخايله. فانضري على أي حالة تريدين أن يكون الكون.
ليس ذلك الدارج بين عينيك بالصبى الخَلى بل هو خبيئة الدهر وعُدّتُه وربما ضم معاطف ثوبه على رجل الدنيا وواحدهما. وما ينبئك لعل هناك ملكًا يترقب سيفه، أو عرشًا يطمئن لقدميه، أو أمة تنتظر النصفة من وَضَح رأيه، وفيض بيانه.
إن تلك النزلة التي أعدك الله لها هي تلك التي وصفها بحقّ وصفها بطلُ التاريخ لحديث - بونابرت - فقال: إن المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بيسراها ولقد سائل ذات مرة: أي حصون فرنسا أمنع؟ فقال: المرأة الصالحة. . .

1 / 14