قال القرطبي ﵀: " اعلم رحمك الله أن عائشة ﵂ قد أنكرت هذا المعنى واستدلت بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ النمل: ٨٠، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ فاطر: ٢٢، ولا تعارض بينهما، لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص، وقد وجد هنا بدليل ما ذكرناه (١)، وبقوله ﵊: (إنه ليسمع قرع نعالهم) (٢)، وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما وغير ذلك مما لا ينكر" (٣).
وقال الشيخ محمد الشنقيطي ﵀: "والحاصل أن تأوّل عائشة ك بعض آيات القرآن لا تردّ به روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه ﷺ ويتأكّد ذلك بثلاثة أمور:
الأول: أن رواية العدل لا تردّ بالتأويل.
الثاني: أن عائشة ﵂ لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبيّ ﷺ إنهم ليسمعون الآن ما أقول قالت: إن الذي قاله ﷺ (إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم هو الحق) فأنكرت السماع ونفته عنهم وأثبتت لهم العلم، ومعلوم أن من ثبت له العلم صحّ منه السماع كما نبّه عليه بعضهم.
الثالث: هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها عن تأويلها إلى الروايات الصحيحة.
قال ابن حجر ﵀: ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير (٤) بإسناد جيّد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)
(١) من حديث النبي ﷺ مع أهل القليب.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة باب الميت يسمع خفق النعال برقم (١٣٣٨)، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه برقم (٢٨٧٠).
(٣) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ١٨١).
(٤) هو: يونس بن بكير بن واصل الحافظ أبو بكر الشيباني الكوفي الحمال صاحب المغازي؛ قال ابن معين: صدوق، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال أبو داود: ليس بحجة، قال الشيخ شمس الدين: مما ينقم عليه التشيع، وقال ابن معين: ثقة إلا أنه مرجئ، وقال العجلي: ضعيف الحديث، وروى له مسلم تبعًا، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
ينظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٢٩/ ١٧٧).