رسالة التوابع والزوابع
رسالة التوابع والزوابع
ایڈیٹر
بطرس البستاني
ناشر
دار صادر للطباعة والنشر
ایڈیشن
الثانية
اشاعت کا سال
١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م
پبلشر کا مقام
بيروت - لبنان
المدخل زهير بن نمير
لله أبا بكر ظنٌّ رميته فأصميتَ، وحَدسٌ أملته فما أشويت أبدَيتَ بهما وجه الجليّة، وكشفت إن غُرَّةِ الحقيقة، حين لمحت صاحبك الذي تكسّبته ورأيته قد أخذ بأطراف السّماء، فألف بين قمريها، ونظم فرقديها، فكلما رأى ثغرًا سدَّه بسُهاها، أو لمَح خرقًا رمَّه بزُباناها،
1 / 83
إلى غير ذلك. فقلت: كيف أوني الحُكم صبيًا، وهز بجدعِ نخلة الكلام فاساقط عليه رُطبًا؛ أما إن به شيطانًا يهديه، وشيصباناَ يأتيه وأقسم أنَّ له تابعة تُنجدُه، وزابعة تؤيدّه، ليس هذا في قدرة الإنس، ولا هذا النفس لهذه النفس. فأما وقد قُلتها، أبا بكرٍ، فأصِخ أسمعك العجب العُجاب: كنت أيّام كُتاب الهجاء، أحِنُّ إلى الأدباء، وأصبُو إلى تأليف الكلام؛ فاتبعتُ الدَّواوين، وجلستُ إلى الأساتيذ، فنبض لي عِرقُ الفهم، ودرَّ لي شريانٌ العلم، بموادَّ روحانية، وقليلُ الالتماح من النظر يزيدني، ويَسييرُ المطالعةِ من الكتب يُفيدُني، إذ صادف شنٌّ العلم طبقة. ولم أكُن كالثلجِ تقتبس منه نارًا، ولا كالحمار يحملُ أسفارًا. فطعنت ثُغرة البيان دراكًا، وأعلقتُ رجل طيره أشراكًا، فانثالث لي العجائب، وانهالت عليَّ الرغائب. وكان لي أوائِل صبوتي هوى اشتدَّ به كلفي، ثم لحقني بعد مَلَلٌ في أثناء ذلك المَيل. فاتفق أن مات من كنتُ أهواه مدَّة ذلك المَلَل، فجَزِعتُ وأخذتُ في رثائه يومًا في الحائرِ، وقد أُبهمت علي أبوابُه،
1 / 84
وانفردتُ فقلت:
تولى الحِمامُ بظبيِ الخُدُورِ، ... وفازَ الرَّدى بالغزالِ الغريرِ
إلى أن انتهيتُ إلى الاعتذارِ من المَلَل الذي كان، فقلت:
وكنتُ مَلِتُكَ لا عن قِلىً، ... ولا عن فسادٍ جرى في ضميري
فأُرتجَ عليَّ القولُ وأُفحمتُ، فإذا أنا بفارسٍ ببابِ المجلِس على فرسٍ أدهم كما بَقَل وجهُه، قد اتكأ على رُمحه، وصاح بي: أعجزًا يا فتى الإنس؟ قلتُ: لا وأبيك، للكلامِ أحيان، وهذا شأنُ الإنسان! قال لي: قُل بعده:
كمِثلِ مَلالِ الفتى للنعيم، ... إذا دامَ فيه، وحالِ السُّرورِ
فأثبتُّ إجازته، وقلت له: بأبي أنت! من أنت؟ قال: أنا زُهيرُ ابن نُمير من أشجعِ الجنِ. فقلتُ: وما الذي حداكَ إلى التصوُّرِ لي؟ فقال: هوى فيك، ورغبةٌ في اصطفائك. قلت: أهلًا بك أيها الوجهُ الوضاح، صادفن قلبًا إليك مقلوبًا، وهوى نحوك مجنوبًا. وتحادثنا حينًا
1 / 85
ثم قال: متى شِئتَ استِحضاري فأنشد هذه الأبيات:
والي زُهيرَ الحُبَّ، يا عز، إنه ... إذا ذكرته الذَّاكراتُ أتاها
إذا جرتِ الأفواهُ يومًا يذكرها ... يُخيَّلُ لي أني أقبَّلُ فاها
فأغشى ديار الذَّاكرين، وإن نأتُ ... أجارعُ مِنْ داري، هوى لهواها
وأوثب الأدهم جدار الحائط ثم غاب عني. وكنتُ، أبا بكرٍ، متى أُرتِجَ عليَّ، أو انقطع بي مسلك، أو خانني أُسلوبٌ أنشدُ الأبيات فيمثَّل لي صاحبي، فأسيرُ إلى ما أرغب، وأدركُ بقريحتي ما أطلُب. وتأكدت صًحبتنا، وجرت قصص لولا أن يطول الكتابُ لذكرتُ أكثرها، لكني ذاكرٌ بعضها.
1 / 86
الفصل الأول
توابع الشعراء
شيطان امرئ القيس
تذاكرتُ يومًا مع زُهير بن نُميرٍ أخبار الخُطباء والشعُّراء، وما كان يألفُهُم من توابع والزوابع، وقلتُ: هل حيلةٌ في لقاء من اتفق منهم؟ قال: حتى أستأذن شيخنا. وطار عني ثم انصرف كلمحٍ بالبَصَر، وقد أُذن له، فقال: حُلَّ على متن الجَوادِ. فصرنا عليه؛ وسار بنا كالطائر يجتابُ الجوَّ فالجوَّ، ويقطعُ الدَّوَّ فالدَّوَّ، حتى التمحتُ أرضًا لا كأرضنا، وشارفتُ جوًا لا كجوّنا، متفرع الشجر، عطر الزَّهر؛ فقال لي: حللتَ أرض الجن أبا عامر، فبمن تُريدُ أن نبدأ؟ قلتُ: الخطباء أولى بالتقديم، لكني إلى الشعراء أشواق. قال: فمن تُريدُ منهم؟ قلت: صاحب امرئ القيس. فأما العنان إلى وادٍ من الأدوية ذي دَوحٍ تتكسرُ أشجارُه، وتترنمُ أطياره، فصاح: يا عُتيبةُ بن نوفل، بسقط اللّوى فحومل،
1 / 87
ويمِ دارةِ جُلجُل، إلاَّ ما عرضتَ علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنسي، وعرَّفتنا كيف إجازتُك له! فظهر لنا فارسٌ على فرسٍ شقراء كأنها تلتهب، فقال: حياك الله يا زُهير، وحيّا صاحبك أهذا فتاهُم؟ قلتُ: هو هذا، وأيُّ جمرةٍ يا عتُيبة! فقال لي: أنشد؛ فقلتُ: السيدُ أولى بالإنشاد. فتطامح طرفُه، واهتزَّ عطفه، وقبض عنانَ الشقراء وضربها بالسّوط، فسمت تُحضر طُولًا عنّا، وكرَّ فاستقبلنا بالصَّعدةِ هازًا لها، ثم ركزها وجعل يُنشد:
سما لك شوقٌ بعدما كان أقصرا ...
حتى أكمَلها ثم قال: لي: أنشِد؛ فهمتُ بالحيصة، ثم اشتدَّت قُوى نفسي وأنشدت:
شَجَتْهُ مَعانٍ من سُليمى وأدْؤرُ ...
حتى انتهيتُ فيها إلى قول:
ومِن قُبّةٍ لا يُدركُ الطَّرفُ رأسها ... تَزِلُّ بها ريحُ الصَّبا فتحدَّرُ
تكلّفتُها والليلُ قد جاش بحرهُ، وقد جعلت أمواجهُ تتكسرُ
1 / 88
ومن تحت حضني أبيضٌ ذو سفاسقٍ، ... وفي الكفّ من عسّالةِ الخطّ أسمرُ
هُما صاحباي من لدُن كنتُ يافعًا، ... مُقِيلانِ من جدّ الفتى حين يعثُرُ
فذا جدولٌ في الغمدِ تُسقى به المنى، وذا غُصُنٌ في الكفّ يُجنى فيثُمرُ
فلما انتهيتُ تأملني عُتيبةُ ثم قال: اذهب أجزتُك. وغاب عنّا.
شيطان طرفة
فقال لي زُهير: من تُريدُ بعدُ؟ قلتُ: صاحب طرفة. فجزعنا وادي عُتيبة، وركضنا حتى انتهينا إلى غيضةٍ شجرُها شجران: سامٌ يفوحُ بهارًا، وشحرٌ يعبق هنديًا وعارًا. فرأينا عينًا معينةً تسيل، ويدُورُ ماءها فلكيًا ولا يحُل. فصاح به زهير: يا عنترُ بن العجلان، حلَّ بك زهيرٌ وصاحبه، فبخَولة، وما قطعت معها من ليلة، إلاَّ ما عرضت وجهك لنا! فبدا إلينا راكبٌ جميلُ الوجه، قد توشح السّيف، واشتمل
1 / 89
عليه كساء خزّ، وبيده خطّيّ، فقال: مرحبًا بكُما! واستنشدني فقلتُ: الزعيمُ أولى بالإنشاد؛ فأنشد:
لِسُعدى بِحِزَّانِ الشُّريف طُلُول ...
حتى أكملها، فأنشدته من قصيدة:
أمِن رسمِ دارٍ بالعقيقِ مُحِيلِ ...
حتى انتهيتُ إلى قولي:
ولما هبطنا الغيثَ تُذعرُ وحشُهُ ... على كل خوَّار العنان أسيلِ
وثارت بناتُ الأعوجيّاتِ بالضُّحى ... أبابِيلَ، من أعطافِ غير وبيلِ
مُسوَّمةً نعتدُّها من خِيارها، ... لِطردِ قنيصٍ، أو لطردِ رعيلِ
إذا ما تغنّى الصَّحبُ فوق متونِها ... ضُحينًا، أجابت تحتهم بصهيلِ
1 / 90
تدُوسُ بها أبكارَ نورٍ كأنّه ... رِداءُ عرُوسٍ أوذنتُ بحليل
رَمينا بها عُرضَ الصُّوارِ فأقعصت ... أغنَّ قتلناهُ بغيرِ قتيلِ
وبادَرَ أصحابي النُّزولَ، فأقبلت ... كراديسُ من غض الشِّواء نشيلِ
نُمسِّحُ بالحوذانِ مِنهُ، ... إذا ما اقتنصنا منه غير قليلِ
فقُلنا لسلقِيها: أدرها سُلافةً ... شمولًا، ومِن عينيك صِرفَ شمولِ
فقالم بكأسيه مُكيعًا لأمرِنا، ... يميلُ به الإدلالُ كلَّ مَميلِ
وشَعشَعَ راحيه، فما زال مائلًا ... برأسِ كريمِ منهُمُ وتليلِ
إلى أن ثناهُم راكدينَ، لما احتسوا، ... خليعينَ من بطش وفضل عُقولِ
نشاوى على الزَّهراء، صرعى كأنهم ... أساكينُ قصرٍ، أو جُذُوعُ نخيلِ
فصاحَ عنترٌ: لله أنت! اذهب مُجازٌ. وغاب عنّا. ثم مِلنا عنه.
1 / 91
شيطان قيس بن الخطيم
فقال لي زهير: إلى من تتُوقُ نفسُك بعدُ من الجاهليّين؟ قلت: كفاني من رأيتُ؛ اصرِف وجه قصدنا أبي تمام. فركضنا ذات اليمين حينًا، ويشتدُّ في إثرِنا فارسٌ كأنه الأسد، على فرسٍ كأنها العُقاب، وهو في عدوه ذلك يُنشد:
طعنتُ ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ، ... لها نفذٌ، لولا الشعاعُ، أضاءها
فاستربتُ منه، فقال لي زهير: لا عليك، هذا أبو الخطّارِ صاحبُ قيسِ ابن الخطيم. فاستبى لُبيّ من إنشاده البيت، وازددتُ خوفًا لُجرأته، وأنّنا لم نُعرَّج عليه. فصرف إليه زهيرٌ وجه الأدم، وقال: حيّاك اللهُ أبا الخطّار! فقال: أهكذا يُحادُ عن أبي الخطار، ولا يُخطرُ عليه؟ قال: علمناك صاحب قنص، وخفنا أن نشغلك. فقال لي: أنشدنا يا أشجعي، وأُقسم أنك إن لم تُجد ليكوننَّ يوم شر. فأنشدتُه قولي من قصيدة:
1 / 92