641

تاريخ آداب العرب

تاريخ آداب العرب

ناشر

دار الكتاب العربي

ایڈیشن

-

علاقے
مصر
سلطنتیں اور عہد
عثمانی
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو
وكانت تلك أول قصيدة مدح بها هرمًا، ثم تابع بعد ذلك. والرواة يختلفون في عدد أبياتها؛ ولكنهم لا يزيدون [منها] على أربعة وستين بيتًا، ولا ينقصون عن تسعة وخمسين؛ وقد استهلها بكلام عن الديار والآثار كان شائعًا في العرب، ولم يحسن فيه إحسان غيره، ثم وصف الظعائن في الهوادج وما طرحن عليها من الأنماط العتاق والكلل التي تشبه حواشيها لون الدم، وذكر بكورهن وأنهن لا يخطئن الوادي كما لا تخطئ اليد الفم.... واستمر يصف رحيلهن، ثم اقتضب المديح في الحارث وهرم، فذكر ماسعيهما ومداركتهما عبسًا وذبيان، وما احتملا من غرامة لم يجرما لها، ثم أقبل على الأحلاف: أسد وغطفان وطيئ، ينذرهم أن يحنثوا فيما تحالفوا عليه من السلم أو يكتموا الله ما في صدورهم ويذكرهم بالحرب ما علموا وذاقوا، ويصفها لهم وقد لقحت وأنتجت كل غلام أشأم، وأغلت ما لا تغل قرى العراق من قفيز ودرهم، ثم ذكر ما جره عليهم حصين؛ وتخلص من ذلك إلى الذين تحملوا الديات ووطئوا أكناف المكارم لهذه المغارم، فوصف كرمهم وعزهم، ثم خرج إلى ما يشبه كلام الأنبياء؛ فاستخلص مما قصه حكمًا يصف بها الحياة السياسية والاجتماعية؛ ولقد أبرزها في موضعها سياسة في الشعر وفلسفة في السياسة؛ وهي جملة المختار من هذه القصيدة؛ ومنها:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
إلى أن يقول:
ومهما تكن عند امرئ من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم
وهذان البيتان من الروحانيات التي لا تزال تطير بين السماء والأرض.
شعره:
قد تقدم أن زهيرًا أشهر من عرف من العرب باستثبات اللفظ وتخير الكلمة وتنقيح العبارة؛ فلا جرم كان أحصفهم شعرًا، وأفصحهم لفظًا؛ ولا يزال قد رمي في شعره بالحكمة الرائعة، والمثل السائر، والمعنى اللطيف، واللفظ الفخم الجليل، والقول المنسق النبيل، وقد سلس له النظام، وأطاعه عصي الكلام، فلا تتبين في ألفاظه ذلة الاستكراه، ولا هوان الاعتساف، بل تراه من الروعة والفخامة وحسن الاستواء كأنما كانت تهدر في قلبه لا في شدقه، ولكأني أرى أبياته موازين، فلا تكاد اللفظة تميل في الكفة حتى تقع أختها في الكفة الأخرى فتساويا، ومن أجل ذلك قل المنحول في شعره؛ لأنه ديباجة غير ممزقة، ونسيج غير مخرق، ولا يأخذه نظر الناقد حتى بنفيه، وقد نحلوه أبياتًا يقال إنها لصرمة الأنصاري يقول في أولها:

3 / 158