تاريخ آداب العرب
تاريخ آداب العرب
ناشر
دار الكتاب العربي
ایڈیشن
-
الصيد فتصيد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه. ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره، فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن فقال: ضيعني صغيرًا وحملني دمه كبيرًا، لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمر! ثم شرب سبعًا، فلما صحا آلى أن لا يأكل لحمًا، ولا يشرب خمرًا، ولا يدهن، ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه حتى يدرك ثأره، وفي "الأغاني" رواية أخرى عن سيبويه عن الخليل بن أحمد "ص٧٥ ج٨".
ثم إنه نهد إلى بني أسد فقاتلهم، وكان أدركهم ظهرًا وقد تقطعت خيله وقطع أعناقهم العطش، فكثرت الجرحى والقتلى، وحجز الليل بينهم وهربت بنو أسد، فلما أصبحت بكر وتغلب -وهم الذين كانوا معه- أبوا أن يتبعوهم وقالوا له: لقد أصبت ثأرك، قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحدًا. قالوا: بلى، ولكنك رجل مشئوم، وانصرفوا عنه، فمضى هاربًا لوجهه، حتى أمده مرثد الخير بن ذي جدن الحميري، وتبعه شذاذ من العرب، واستأجر رجالًا من القبائل ثم خرج فظفر ببني أسد، وألح المنذر في طلب امرئ القيس ووجه إليه الجيوش فتفرق من كان معه ونجا في عصبته، فكان ينزل على بعض العرب ويرحل حتى قدم على السموأل فعرف له حقه، فكان عنده ما شاء الله، ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني بالشام ليوصله إلى قيصر، فاستنجد له رجلًا فلما انتهى إلى قيصر -ذكر مؤرخو الروم أنه القيصر يوستينيانس، وقال بعضهم إن امرأ القيس قدم عليه في القسطنطينية فقلده إمرة فلسطين، إلا أنه لم يسع في إصلاح أمره وإعادة ملكه، فضجر وقفل راجعًا، ثم أصابه مرضى كالجدري في طريقه كان سبب موته- قبله وأكرمه وضم إليه جيشًا كثيفًا فيهم جماعة من أبناء الملوك، فلما فصل من عنده [وشى به] الطماح، وهو رجل من بني أسد كان امرؤ القيس قد قتل أخًا له. "ص٧٣ ج٨: الأغاني".
ثم دفن في سفح جبل يقال له عسيب ببلدة تدعى أنقرة، وقيل: إن ذلك سنة ٥٣٨ للميلاد، أي: سنة ٨٤ قبل الهجرة، وقيل: سنة ٥٦٥م، ووفيات الجاهلية لا يعتمد فيها على نصوص التاريخ إلا الذين تكون أدمغتهم مجلدات من التاريخ القديم.
طويلة امرئ القيس:
ذلك نبذ من تاريخ أمير الشعراء بسطنا منه بعض ما يكشف لك وجه نشأته، لتعرف الأخلاق التي كان لا بد لشعره أن يظهر بها مظهر المتميز والمتخصص، ثم نحن نسوق إليك طرفًا من الحديث عن طويلته، ثم نقذف بجملة الكلام عن شعره في فصل انتقادي؛ لأن امرأ القيس ليس بالشاعر الذي يقال فيه ولد ومات، فيترجم بألفاظ لا تفوت حتى تموت، ولكنه الرجل الذي افتتح به ديوان التاريخ الأدبي، وما زال فيه كأنه قطعة من الزمن، لا يغيره الموت ولا يغيبه الكفن!
كان من حديث تلك القصيدة أن امرأ القيس كان مولعًا ببنت عم له يقال لها فاطمة، وأنه طلبها زمانًا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير* [حين مرت به فتيات وفيهن ابنة عمه يردن الغدير
* قلت ما بين العلامتين [] زيادة على الأصل.
3 / 127