546

تاريخ آداب العرب

تاريخ آداب العرب

ناشر

دار الكتاب العربي

ایڈیشن

-

علاقے
مصر
سلطنتیں اور عہد
عثمانی
أكثر الهجاء من يومئذ فحشًا خالصًا وكذبًا مصمتًا وسبابًا محضًا، ثم كان كل متعاصرين من الشعراء يكون بينهما مثل ذلك ويعدونه من منافسة الحرفة وطبع الصناعة، فمن نظم الشاعر قصيدة نقضها الآخر عليه، ويسمون هذه القصائد بالنقائض، وأشهرها نقائض جرير والفرزدق، وهي محفوظة متدارسة، وقد نقل المبرد في "الكامل" شيئًا منها "ج١: ص٢٨٢".
وقالوا إن جنازة مرت بجرير فبكى وقال: أحرقتني هذه الجنازة! قيل: فلم تقذف في المحصنات؟ قال: يبدو لي ولا أصبر "ج٢: البيان"؛ فكذلك كان يبدو لمن في طبقته حتى صار الناس يستجيرون بقبر أبي الفرزدق من هجائه فيجيرهم "ج١ ص٢٩١: الكامل".
وقد نسب الفرزدق في آخر عمره وتعلق بأستار الكعبة وعاهد الله أن لا يكذب ولا يشتم مسلمًا، وذكر ذلك في شعره "ص٧٠ ج١: الكامل" وكان جرير مولعًا بقذف المحصنات يعدهن شطر الهجاء ومادة الإقذاع؛ وقد دعا مرة رجلًا من شعراء بني كلاب إلى مهاجاته فقال الكلابي: إن نسائي بأمتعتهن ولم تدع الشعراء في نسائك مترقعًا "ج١: البيان".
ولانطباع الشعراء على هذه الشراسة الشديدة والجرح العريض لما يدلون به من طول اللسان وإحجام الناس عن مخاشنتهم كان الأشراف يتجنبون ممازحة الشاعر خوف لفظة تسمع منه مزحًا فتعود جدا "ج١ ص٤٦: العمدة" كما كانوا يتقون من أنفسهم مأثور القول في المصيبة والمرزئة، خوف أن يسبق لسانهم بكلمة من التوجع فتؤخذ عليهم وتجري في الناس مثلًا مضروبًا وعيبًا منسوبًا.
مشاهير الهجائين:
ليست الشهرة بالهجاء مما تيسر لكل شاعر يسب ويفحش، فلو كان هذا لقد كان غلب الهجاء على كل شاعر، ولكن أصحاب الهجاء كأصحاب السياسة من أهلها وغير أهلها؛ يستطيع كل امرئ أن يتأول ويتنبأ وينذر ويأتي بصنوف القول كلها، ومع ذلك لا تجد شهرة السياسة إلا لنوادر الرجال؛ لأن حوادثها أرزاق وحظوظ، فلا يتفق لكل من ينتحل السياسية أن يصرف الدول ويضع ويرفع، كما لا يتفق مثل ذلك لكل هجاء؛ قال أبو عبيدة: والذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوه وهجاهم قوم فردوا عليهم وأفحموهم وسكت عنهم بعض من هجاهم مخافة التعرض لهم، وسكتوا عن هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم وهم إسلاميون الحطيئة، وجرير، والفرزدق، والأخطل؛ وفي الجاهلية زهير، وطرفة، والأعشى، والنابغة "ج٢: البيان".
فهؤلاء أفراد الهجائين وأقطاب السياسة اللسانية، ولم يبلغوا أن يكونوا كذلك حتى كانت فيهم السلطة والسلاطة معًا؛ وهي جماع الصفات التي ذكرهم بها أبو عبيدة، فانظر أين يقع ثمانية من جمهور شعراء الجاهلية والإسلاميين لولا أن في الشر كما في الخير أرزاقًا وأقسامًا؛ وهذا الفرزدق نفسه قد تجنب مهاجاة زياد الأعجم ووهب لمخافته عبد القيس "ج١ ص٣٧ العمدة" وتجنب هو وجرير معًا مهاجاة الأحوص إكبارًا لشعره "ص٣٨ منه" ومع ذلك لم يذكر معهما هذان الشاعران في قليل ولا كثير، ولو بقي الأمر بعد الدولة الأموية عربيا كما كان فيها لظهرت طبقات أخرى تستحق التاريخ، ولكن الذين ظهروا، وأولهم بشار بن برد، إنما صرفوا بأسهم بعضهم إلى بعض، وهجوا

3 / 61