Tanbeeh Al-Hajed Ila Ma Waqa Min Al-Nadhar Fi Kutub Al-Amajed

تنبيه الهاجد إلى ما وقع من النظر فى كتب الأماجد

ناشر

المحجة

تَنْبِيهُ الهَاجِدْ
إلَى مَا وَقَعَ مِنَ النَّظَرِ فى كُتُبِ الأَمَاجِدِ
صَنَّفَهُ
أَبو إِسْحَاق الحُويْنِي الأَثَرِي

نامعلوم صفحہ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي نبينا محمد أشرف المرسلين، وعلي آله وصحبه أجمعين أما بعد.
فقد سبق لي أن نشرت جزء من هذا الكتاب يحتوي علي خمسمائة تعقب، وجعلته طليعة للجزء الرابع من كتابي «الثمر الداني في الذب عن الألباني» وقد أبنت فيه عن مقصدي في مقدمته، التي أثبتها في هذه الطبعة.
وكنت قد أرسلت هذا الجزء إلي شيخنا أبي عبد الرحمن الألباني ﵀ تعالي مع أحد إخواننا الكويتيين في أخر سفرة لي إليها عام (١٤١٩هـ) وإتصلت به بعدها بعدة أشهر أثناء إنعقاد أحد المؤتمرات الإسلامية بأمريكا، وكان الشيخ أيامها مريضا، فكلمته وسألته عن الكتاب. وهل قرأه، فقال: «نعم قرأته، وهو كتاب جيد، زادك الله توفيقا» فرحم الله شيخنا، ورفع مقامه. ثم خطر لي أن أجعله كتابا مستقلا، فجمعت مادته من مصنفاتي التي لم تطبع، ومما عرض لي أثناء تحقيقاتي وتخريجاتي، فجاء كتابا حافلا في ستة مجلدات والحمد لله. ولقد وجدتها فرصه سانحة لي أن أثبت فيه بعض مصنفاتي القديمة، والتي فقدت جزء ً منها فلم أنشط للنظر فيها، لأنها تحتاج إلى جهد جهيد، ووقت مديد، وعزم حديد لا أجد له من فراغ البال ما يمكنني من إتمام النقص الواقع فيه مثل كتابى «إتحاف الناقم بوهم أبى عبد الله الحاكم» . وكنت أحصيت أنواع الأواهام التي وقعت للحاكم في «المستدرك» فتجاوزت خمسة عشر نوعا: منها ما قال فيه: «على شرطهما أو أحدهما ولم يخرجاه» ويكونا قد أخرجاه. فهذه ثلاثة أنواع. ومنها ما قال فيه: «علي شرطهما» وهو علي شرط واحد منهما. ومنها ما قال فيه: «علي شرط البخاري» ويكون علي «شرط مسلم» والعكس. ومنها ما قال فيه: «علي

1 / 3

شرطهما أو علي شرط أحدهما» وليس كذلك، بل ليس صحيحا، وقد يكون ضعيفا أو باطلا أو موضوعا. ومنها ما يصححه مطلقا وليس بصحيح أصلا، ومنها ما قال فيه: «أخرجاه أو أحدهما مختصرا» ويكونا قد أخرجاه أو أحدهما بأوفي من سياقه. إلى آخر هذه الأوهام. وقد ظفرت بنحو مجلد ونصف من هذا الكتاب، فرأيت نشر ما ظفرت به. وكذلك كتابي «الجزم بشذوذ بن حزم» وهو من أوائل ما صنفت وقد وضعته ذبا عن رواة معروفين، زعم ابن حزم أنهم مجاهيل. ولم أتعرض فيه للرواة الذين ضعفهم ابن حزم في كتبه.
وقد ظفرت بقدر صالح من هذا الجزء. فرأيت أن أنشره أيضا. هذا، وقد رفعت من المجلد الأول عدة تعقبات، إما لأنها تكررت سهوا منى، أو لأنيي أعدت النظر فيها، ورأيت وجه التعقب فيها ضعيفا، إلى غير ذلك من الأسباب، وهاك أرقامها (٨، ٦٣، ٩٩، ١١٠، ١٤٣، ١٤٥، ١٤٧، ١٧٧، ٢١٧، ٢٦٠، ٢٦٨، ٢٩٥، ٣٦٨، ٣٧٦، ٤٥٤، ٤٨٥) . وقد أضفت كثيرا من الفوائد والتخريجات علي أغلب تعقبات الجزء الأول نصيحة للمسلمين، وأداءً لحق العلم وكنت أرجو ألا أثبت حديثا إلا وأتكلم عليه بالصحة أو الضعف، وقد حاولت ذلك في مواضع شتى من الكتاب، ولكن الذى أغراني بإهمال ذلك أنني وضعت كتابي لغرض آخر، ولعلى أستدرك ذلك في طبعة قادمة إن شاء الله تعالي. وأوصى أهل العلم أن يكتبوا لى ما يجدونه من تنبيهات ستكون موضع العناية والدرس مني، ولهم شكري سلفا. ثم إنني أخيرا أشكر أخانا في الله أحمد بن عطية الوكيل علي عنايته بمراجعة تجارب الكتاب ووضع فهارسه الرائقة في خاتمة كل جزء. والحمد لله أولا وآخرا ظاهرا وباطنا.
وكتبه: أبو إسحاق الحويني الأثري
السبت ١٨ / ربيع الآخر / ١٤٢٣ هـ - ٢٩ / يونيو / ٢٠٠٢

1 / 4

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولي
إن الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالي من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالي، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ؟ [آل عمران: ١٠٢] .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا؟ [النساء: ١] .
؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا؟ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]
أما بعد
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشرالأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

1 / 5

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إباهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
«فالحمد لله الذي لا يؤدَّى شكر نعمةٍ من نعمه، إلا بنعمة منه توجب على مؤدى ماضى نعمه بأدائها: نعمةً حادثة يجبعليه شكره بها، ولا يبلغ الواصفون كُنه َ عظمته، الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفُهُ به خلقُهُ، أحمده حمدا كما ينبغي لكرم وجهه ﷿، وأستعينه استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما أزولفت وأخرت، استغفار من يُقرُّ بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه، ولا ينجيه منه إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله.
فنسأل الله المبتدئَ لنا بنعمة قبل استحقاقها، المديمها علينا مع تقصيرنا في الإتيان عليما أوجب به من شكره بها، الجاعلنا في خير أمة أخرجت للناس، أن يرزقنا فهما في كتابه، ثم سنة نبيه، وقولا وعملا يؤدي به عنا حقه، ويوجب لنا نافلة مزيدة» (١) .
فإن الله - جل ثناؤه - لما خلق الناس، ركز في فطرهم محبة الإحسان، والخضوع له، كرِهَ لهم الكبر والعلو في الأرض بغير الحق.
فقال جل ثناؤه:؟ هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ؟ [الرحمن: ٦٠] .
يعني لا ينبغى أن يكون الإحسان إلا من حنسه، فليس لمن أحسن

(١) اقتباس من كلام الإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي ﵀ ورضي عنه في مقدمته لكتابه (الرسالة) تحقيق المحدث النبيل أبي الأشبال أحمد شاكر ﵀.

1 / 6

العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه غي الآخرة.
وما أجمل فول القائل: ليس هناك حمل أثقل من البر، من برًكَ فقد اوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك. فإن أردت إسترقاق إنسان، فأحسن إليه، فيكون ذلك مانعا إياه أن يوصل السيئة إليك.
ومما يدلُّك علي صحة ما أقول من أن محبة الإحسان، والخضوع لأهله مركوزٌ في فطر الناس، حتي الكافر، ما أخرجه البخاري (٥/٣٢٩-٣٣٣)، وأحمد (٤/٣٢٤، ٣٢٩) وغيرهما من حديث المسور بن مخرمة ﵁، وذكر حديثه في «صلح الحديبية» وفيه:
«فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثقفي، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى،
قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لا، قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظَ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِهِ. قَالُوا: ائْتِهِ. فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ (١)، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ! أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَإِنِّي - وَاللَّهِ! - لا أرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لأَرَى أَشَوابًا- وفي رواية: أوباشا - مِنَ النَّاسِ، خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ.

(١) قال النبي صلي الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء الخزاعي: «إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا وَإِلا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ» فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ.

1 / 7

فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: امْصُصْ بِبَظْرِ اللاتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ وَنَدَعُهُ؟
فَقَالَ عروة: مَنْ ذَا؟
قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ!
قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْلا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ.. الحديث» .
وأخرج بعضه: أبو داوود (٢٧٦٥)، والنسائي في «الكبرى» . كما في «أطراف المزي» (٨/٣٨٣) . وغيرهما.
فانظر - يرحمك الله من مُنصف - قول عروة لأبي بكر، فما منعه من الرد عليه وقد بالغ في عيب آلهتهم، إلا أنه كان أسير الإحسان المتقدم من أبي بكر له.
وقد ورد في رواية ابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث أن عروة قال لأبي بكر: «لولا يد لم أجزك بها، ولكن هذه بها» كأنه قال له: هذه الإساءة منك إلي آلهتنا قد استوفيت بها جميلك السابق عندي، فلم يبق لك حسنة تمنعني من الرد فى قابل إذا أسأت إلىَّ.
وأما من جفاك، وأساء إليك فما استودع يدًا تمنعه من رد السيئة بمثلها وزيادة، لذلك كان طليقا لا يوقفه شئ.
وإذ الأمر كذلك، والوفاء سجيةٌ وخُلُقٌ، فما أعلم أحد - بعد والديّ - له عليّ يد مثل شيخنا الشيخ الإمام، حسنة الأيام، وريحانة بلاد الشام، أبى عبد الرحمن محمد ناصر (١) الدين الألبانى، ألبسه الله حُلل السعادة وكافأه

(١) توفي شيخنا ﵀ ورضي عنه يوم السبت ٢٢ / جمادي الآخرة / ١٤٢٠ هـ الموافق ٢/ ١٠/١٩٩٩ بعد عصر هذا اليوم، فاللهم ارض عنه واغفر له وارحمه كفاء ما قدَّم للمسلمين من تقريب السنة والذب عنها.

1 / 8

بالحسني وزيادة، إذ الإطلاع علي كتبه كان فاتحة الخير العميم لي، وأبدأ الحديث أسوقه من أوًلِهِ.
ففي صيف عام (١٣٩٥هـ) كنت أصلي الجمعة في مسجد «عين الحياة»، وكان إمام إذ ذاك، الشيخ عبد الحميد كشك (١) -حفظه الله تعالي -، وكان تجار الكتب يعرضون ألوانًا شتى من الكتب الدينية أمام المسجد، فكنت أطوف عليهم وأنتقي ما يعجبني عنوانه، فوقعت عيني يوما علي كتاب عنوانه «صفة صلاة النبي صلي الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها» . تأليف محمد ناصر الدين الألبانى. فراقني اسمه. فتناولته بيدي، وقلبت صفحاته، ثم أرجعته إلي مكانه، لأنه كان باهظ الثمن لمثلي، وكان إذ ذاك بثلاثين قرشا! ومضيت أتجول بين بائعي الكتب، فوقفت علي كتاب لطيف الحجم بعنوان «تلخيص صفة صلاة النبي صلي الله عليه وسلم» . ففرحت به فرحة طاغية، ولم أتردد في شرائه وكان ثمنه خمسة قروش، ولم أشتري غيره، لأنه أتي علي كل ما في جيبى! ومن فرحتي وإغتباطي به قرأته وأنا أمشى في طريقي إلي مسكني مع خطورة هذا المسلك علي من يمشي في شوارع القاهرة، ولما أويت إلي غرفتي تصفحت الكتاب بإمعان، فوجدته يدق بعنف ما ورثته من الصلاة عن آبائي إذ أن كثيرا من هيئتها لا يمت إلي السنة بصلة، فندمت ندامة الكُسعِيِّ (٢) اننى لم أشتر الأصل، وظللت

(١) ثم توفي الشيخ ﵀ في رجب (١٤١٧هـ) اللهم اغفر له وارحمه، وارض عنه كفاء ما نافح عن دينك، وما جاهر بكلمة الحق.
(٢) وفي " لسان العرب " (٤/٣٨٧٦) قال: " والكسعي الذى يضرب به المثل في الندامة، وهو رجل رام رمي بعد ما أسدف الليل عيرا فأصابه، وظن أنه أخطأه فكسر قوسه، وقيل: وقطع أصبعه ثم ندم من الغد حين نظر إلي العير مقتولا وسهمه فيه، فصار مثلا لكل نادم علي فعل يفعله، واياه عني الفرزدق لما قال:
= ندمت ندامة الكسعى لما ... غدت مني مطلقة نوار
وقول الآخر:
ندمت ندامة الكسعى لما ... رأت عيناه ما فعلت يداه "
وذكر ابن منظور سببا آخر

1 / 9

أحلم بيوم الجمعة المقبل - وأدبِّر ثمن الكتاب طوال الأسبوع -، وأنا خائفٌ وجلٌ أن لا أجده عند البائع، وكنت أدعو الله أن يطيل في عمرى حتى أقراه، ومَنَّ الله علىَّ بشرائه فلما تصفحته؛ ألقيت الألواح، ولاح لي المصباح ُ من الصباح! وهزَّنى هزَّا عنيفًا، لكنه كان لطيفًا؛ مقدمته الرائعة الماتعة في وجوب اتباع السُّنة، ونبذ ما يخالفها تعظيمًا لصاحبها صلي الله عليه وسلم، ثُمَّ نقوله الوافيه عن ائمة المسلمين، إذ تبرأوا من مخالفة السنة أحياء وأمواتا، فرضي الله عنهم جميعا، وحشرنا وإياهم مع الصادق المصدوق - بأبى هو وأمى - وقد لفت إنتباهى جدا حواشى الكتاب - مع جهلى التام آنذاك بكتب السنة المشهورة فضلا عن غيرها من المسانيد والمعاجم والمشيخات وكتب التواريخ، بل لقد ظللت فترة فى مطلع حياتى - لا أدرى طالت أم قصرت - أظن أن البخاريُّ صحابيُّ، لكثرة ترضى الناس عنه.
وعلى الرغم من عدم فهمى لما فى حواشى الكتاب، إلا اننى أحسستُ بفحولة وجزالة لم أعهدها فى كل ما قرأتُهُ، فملك الكتاب على حواسّي، وصرت فى كلِّ جمعة أبحث عن مؤلفات الشيخ ناصر الدين الألبانى، ولم تكن مشهورةً عندنا في ذلك الوقت، لكساد الحركة العلمية، فوقفت بعد شهرٍ تقريبا على جزء من " سلسلة الأحاديث الضعيفة " - المائة حديث الأولى، فاشتريته في الجمعة التى تليها لأتمكن من تدبير ثمنه.
أمَّا هذا الكتاب فكان قاسمة الظهر التى لا شوى لها!، وهو الذى رغَّبنى فى دراسة علوم الحديث.

1 / 10

قلتُ: إنَّ الحركة العلمية كانت هامدةً في ذلك الوقت، وكل من تصدَّر لوعظ الناس فهو عندنا عالمٌ، فما بالك بأشهر الواعظين عندنا في ذلك الزمان - وهو الشيخ كشك - الذي كان له بالغ التأثير في الناس بحسن وعظه، ومتانة لفظه، وجرأته في الصدع بالحق، لم ينجُ منحرفٌ من نقدهِ مهما كان منصبه، وكان فى صوته - مع جزالته - نبرة حُزن، ينتزع بها الدمع من المآقى إنتزاعًا، حتي من غلاظ الأكباد وقساة القلوب، فكان هذا الشيخ العالم الأول والأخير عندي، لا أجاوز قوله. وقد انتفعت به كثيرا في بداية حياتى، كما انتفع به خلقٌ، لكننى لما طالعت " السلسلة الضعيفة " وجدت أن كثيرًا من الأحاديث التى يحتج بها الشيخ منها، حتى خيل إِلىَّ أنه يحضر مادَّة خطبه من هذه " السلسلة "، وسبب ذلك فيما أرى أن الشيخ حفظ أحاديثه من كتاب " إحياء علوم الدين " لأبى حامد الغزالى، وكان الغزالى ﵀ مزجى البضاعة فى الحديث، تام الفقر فى هذا الباب!
فعكَّر علىَّ كتاب الشيخ ما كنت أجدهُ من المتعة في سماع خطب الشيخ كشك حتى كان يومٌ، فذكر الشيخ على المنبر حديثا عن النبى صلي الله عليه وسلم قال: «إن الله يتجلي يوم القيامة للناس عامة، ويتجلي لأبى بكر الصديق خاصة (١») . فلأول مرة أشك فى حديث أسمعه، وأسأل نفسى: ترى! هل هو صحيح أم لا؟ ومع شكى هذا فقد انفعلت له وتأثرت به بسبب صراخ الجماهير من حولى، استحسانًا وإعجابًا! .
ولما رجعت الى منزلى، قلبت " السلسلة الضعيفة " حديثا حديثا أبحث عن الحديث الذي ذكره الشيخ كشك فلم أجده فواصلت بحثي، فبينما كنت

(١) وهو حديث باطل كما حققته عند الرقم (١٥٢٩) من هذا الكتاب والحمد لله

1 / 11