Tajriba with Scientific Miracles in the Prophetic Sunnah

تجربتي مع الإعجاز العلمي في السنة النبوية

ناشر

مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة

المقدمة:
الحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد ﷺ التي أضاء القرآن دربها، الحمد لله الذي أنار العقول المسلمة بنور الوحي الإلهي، فلم تتخبط في الظلام، ولم تَضِعْ في متاهات الدنيا، الحمد لله الذي حفظ لنا الإسلام بحفظ كتابه المنزل، وحفظ سنة نبيه محمد ﷺ المرسل. والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، وهدى، وسلامًا، وأمنًا للعالمين، الذي علمه من العلوم ما لم يطلع عليه أحد من قبله، فأنار العقول، وأوضح الكثير مما لم يعرفه ويطلع عليه أحد إلا في القرون الحالية، فكان علمه إعجازًا ربانيًا للعالمين.
أما بعد.
فإنني منذ علمت بانعقاد هذه الندوة في المدينة المنورة، وأنا أفكر في البحث الذي أريد أن أتقدم به إليكم فيه، حتى قابلت صاحب الفضيلة " محمد سالم بن شديد العوفي" حفظه الله تعالى في ندوة " القرآن الكريم" التي عقدت في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالشارقة، فطلب مني أن أتقدم بموضوع عن الإعجاز، وذلك بعدما اطلع على كتابي الموسوم بـ " الإعجاز العلمي في السنة النبوية" فكان ذلك إشارة بأن أكتب حول الإعجاز العلمي في السنة النبوية. ولما كان المحور الموجود في أعمال هذه الندوة الوحيد المتعلق بالإعجاز هو" قواعد تناول الإعجاز العلمي والطبي في السنة النبوية، وضوابطه" جعلت هذا البحث بهذا العنوان"تجربتي مع الإعجاز العلمي في السنة النبوية"، وأقصد تجربتي مع هذا الكتاب، وما فيه من الإعجاز، ولهذا سأتناول موضوعات الكتاب بعد أن أضع الضوابط، لأطبق القواعد على ما عملته، والله ولي التوفيق.

1 / 1

خطة البحث:
سأسير في هذا البحث وفق الخطة التالية:
١- معنى الإعجاز–لغة واصطلاحًا- وتحرير التعريف المختار.
٢- معجزة رسول الله ﷺ.
٣- سر الإعجاز في القرآن العظيم.
٤- وجوه الإعجاز كما تؤخذ من كتاب الله تعالى.
٥- وجوه الإعجاز في السنة النبوية.
٦- ضوابط القول بالإعجاز.
٧- عملي في الكتاب.
والله أسأل أن أكون قد وفقت، وأصبت السداد في ذلك، فهو وليي عليه توكلت، وإليه أنبت.

1 / 2

تجربتي مع الإعجاز العلمي في السنة النبوية
إعداد الدكتور/ صالح أحمد رضا
بسم الله الرحمن الرحيم
الإعجاز لغة واصطلاحًا
العجز– في اللسان العربي-: الضعف، وأصله التأخر عن الشيء، والقصور عن فعله، وهو ضد القدرة.
وأعجزت فلانًا، وعجزته، وعاجزته: جعلته عاجزًا، وجاء في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ في آيات كثيرة (١)، والمقصود بها أن المخاطب بها لا يعجز الله تعالى، بل هو سبحانه قادر عليهم، وهم في قبضته، وتحت قهره، ومشيئته.
وجاء على لسان ابن آدم أنه قال: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ [المائدة: ٣١] أي ضعفت في عقلي وتفكيري أن أفعل هذا الفعل، ولم أهتد إليه لضعفي وعجزي، وظاهر أن العجز هنا في هذه الآية هو ضعف في التفكير، وعدم التوصل بفكره إلى حفر حفرة يواري فيها جثمان أخيه المقتول، فإنه بعد أن رأى فعل الغراب واراه فقد كان عاجزًا في فكره قادرًا بعمله، فالعجز يطلق على الأمور المادية والمعنوية. ومصدر أعجز: إعجاز،

(١) الأنعام: ١٣٤- ويونس: ٥٣ – وهود: ٣٣ – والعنكبوت: ٢٢- والشورى: ٣١-
وجاء ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ٢٠] و﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] و﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور:٥٧] و﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١]
وجاء: ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢و٣]
وجاء: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الاحقاف: ٣٢]
وجاء: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]

1 / 3

ومنه اشتقت "المعجزة" وهي اسم فاعل ألحقت به التاء للمبالغة (١) .
وأما في الاصطلاح: فيدور تعريف من عرفها من علمائنا السابقين على المعنى التالي: "أمر خارق للعادة، مقرون، مع عدم المعارضة".
بين مطول في التعريف ومختصر له.
وجاء في شرح العقيدة الطحاوية–نقلًا عن ابن تيمية دون ذكره: "المعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، وفي عرف أئمة أهل العلم المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل، وغيره، ويسمونها"الآيات" (٢) .
هذا، ولم تكن كلمة إعجاز ولا معجزة شائعة في الاستعمال، وإنما جاء في القرآن الكريم إطلاق اسم"الآية" و" البينة"و"البينات"، وجاء وصف معجزات الأنبياء–﵈ بأنها برهان (٣) .
وقد بدأ استعمالها- أي المعجزة- في أواخر القرن الثاني، وأوائل القرن الثالث في كتابات العلماء الذين ألفوا في بيان دلائل الإعجاز في القرآن

(١) انظر: الصحاح للجوهري٣/٨٨٤/ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٤/٢٣٢/ مفردات غريب القرآن للأصفهاني (عجز)، لسان العرب لابن منظور، تاج العروس شرح القاموس للزبيدي.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٧٤٦ ومجموع الفتاوي ١١/٣١١-٣٣٥.
(٣) جاء لفظ (آية) بمعنى العلامة البينة على صدق الرسل دافعة إلى الإيمان بالله تعالى أكثر من ثمانين مرة في القرآن.
وجاء لفظ (آيات) بهذا المعنى أكثر من ذلك.
كما جاء لفظ (بينة) بهذا المعنى اثنتي عشرة مرة.
وجاء لفظ (بينات) بالمعنى المذكور أربعين مرة.
وأما لفظ (برهان) في المعنى المذكور فورد في آيتين الأولى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] .
وبالتثنية في قوله تعالى ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ﴾ [القصص: ٣٢] .

1 / 4

الكريم، فاستعملوا كلمة "الإعجاز والمعجزة".
هذا بالنسبة لما في القرآن الكريم أما خوارق العادة التي جاءت في السنة النبوية، فقد أطلق عليها علماء السنة "علامات النبوة" كما جاء في أبواب صحيح البخاري، وكذا " دلائل النبوة " ألف بهذا الاسم كتبًا أئمة مثل: أبي نعيم، والبيهقي، والماوردي، والفريابي"
ولكن العلماء لم يفرقوا بين الدلائل والمعجزات، لأن الأصل في المعجزة أن تكون أمام من ينكر النبوة، وأما الدلائل فهي أعم من ذلك فقد تكون أمام المؤمنين تقوي إيمانهم، وأمام غيرهم تدلهم على أن من ظهرت على يده هو مؤيد من قبل الله تعالى.
وقد قام كثيرون ممن تحدث عن المعجزة بتعريفها تعريفًا جديدًا ليدخل فيها ما عُدّ حديثًا من أوجه الإعجاز، وقد اخترت تعريفًا أرجو أن يكون موفقًا، ويكون جامعًا مانعًا، وهو: "المعجزة أمر يجريه الله تعالى على يد نبيه، أو علم يبديه في قوله، لا يقدر أحد من الخلق على الإتيان بمثله في زمانه، يكون دليلًا على نبوته لخروجه عن طاقة الخلق".
فيكون التعريف جامعًا لجميع الوجوه التي تعد من الإعجاز حسب ما أرى، وإني أرى أن ما عُدّ من دلائل النبوة، وعلاماتها هو من الإعجاز بلا شك ولا ريب؛ لأن خرق العادة فيها كان لإثبات نبوة محمد ﷺ أجراه الله ﷿ ليؤكد للمؤمنين إيمانهم، ويزيدهم رسوخًا في هذا الإيمان، والتسليم لرسول الله المصطفى ﷺ ما قاله، وشرعه، وأمر به، وذلك لأن خرق العادة له بمنزلة قول الله سبحانه"صدق عبدي بما يقول"، والفاعل فيها هو الله تعالى وحده لا شريك له إذ ليست من طبيعة فعل البشر.

1 / 5

وأما قولي"في زمانه" فذلك لتدخل الأمور العلمية التي تحدث عنها القرآن العظيم في ثنايا آياته، وتحدث عنها رسول الله ﷺ في أحاديثه المتنوعة، حيث كانت غير مدركة في زمانه، وأصبحت اليوم يستطيع تبينها، ومعرفة كنهها الكثير، وذلك لأن كثيرًا من الأمور التي تحدث عنها الوحي أصبحت تفهم شيئًا فشيئًا كلما حدثت اكتشافات جديدة أوضحت أمورًا في هذا الكون الفسيح، تكشف ما احتواه الوحي من السبق في الإخبار عن حقائق علمية كانت في أذهان المؤمنين أمرًا عاديًا، بينما هي في نظر علماء الهيئة، وعلماء الكون حقيقة لم يتوصل إليها الإنسان إلا في عصر العلم الذي نعيش، ولذلك نرى أن الله تعالى قال في كتابه العظيم بصيغة المستقبل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . فاكتشاف الحقائق العلمية في الكون، وفي النفس الإنسانية دليل واضح بأن ما أنزل على محمد النبي الأمي ﷺ حق لا مرية فيه لمن ينظر بعين باصرة، وعقل متفتح.

1 / 6

معجزة رسول الله محمد ﷺ
لكل نبي من أنبياء الله الكرام معجزة يعرف بها، يظهرها الله تعالى على يديه تكون دافعًا لقومه على الإيمان به وتصديقه بأنه نبي من عند الله تعالى، لأن كل دعوى لا بد أن يكون عليها دليل، وجرت سنة الله تعالى في هذه المعجزات أن تكون وفق ما مهر فيه قوم كل نبي، مع التفوق الكبير الذي تتصف به المعجزة في ذلك المجال ذاته ليظهر صدق النبي بصورة واضحة للعيان لا ريب فيها، وليعظم أثر تلك المعجزة في النفوس. فنوح–﵇ أوتي من الجدل الذي اضطر معه قومه أن يقولوا له عند فقدانهم للحجة عليه: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] .
وقوم فرعون عندما كانوا يعتمدون على السحرة في كثير من شؤونهم، وكان للسحرة مكانتهم في المجتمع، حيث كان الساحر يخيل لأعين الناس بفعل غير واقع، وكأنه واقع، جاءت معجزة موسى-﵇-على وفق ذلك، فلما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم خيل للناس من سحرهم أنها تسعى، فلما ألقى موسى-﵇ عصاه انقلبت ثعبانًا حقيقيًا ابتلع حبال السحرة وعصيَّهم، علم السحرة– وهم أدرى الناس بنوع أفعال السحرة- أن هذا الأمر الذي جاء به موسى- ﵇-ليس من جنس أفعالهم، فكانوا لذلك أول من أذعن لهذه المعجزة.
وهكذا كانت معجزة عيسى-﵇ في إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص من جنس ما برع اليهود فيه من علم الطب.

1 / 7

وهكذا كل نبي من أنبياء الله تعالى كانت معجزته من النوع الذي برع فيه قومه، ولما كان العرب ليس لهم إلا اللسان، والمقدرة الكاملة على البيان، والرفعة المشهودة في جودة التعبير، كانت المعجزة التي جاءت متحدية لهم من جنس ما برعوا به، ولما كانت الرسالة المحمدية خاتم الرسالات، وكانت ستبقى إلى آخر الدنيا تشهد تقدم الإنسان في العقل والتفكير والعلم، حتى يملك ناصيته، كان لابد أن تكون هذه المعجزة مستمرة مع الدعوة في كل عصر، تمد الدعاة بأنواع من المعجزات توافق كل عصر يظهرونها للناس حتى يؤمنوا بصدق نبوة محمد ﷺ.
ولقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أن ما امتاز به رسول الله محمد ﷺ على غيره من البشر الذين يعيشون فوق هذه الأرض إنما هو الوحي الذي يصله برب السموات والأرضين، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢-٥٣] .
وقال-جل ذكره-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] فذكر الله تعالى أن محمدًا ﷺ لا يفترق عن البشر إلا بالوحي الذي يصله برب السماء، هذا الوحي الذي يأتيه من إله الكون الذي بيده ملكوت كل شيء، فهو سبحانه الذي يُعلِّمه من علمه، ويُلْقي في قلبه هذه العلوم التي تفيض على لسانه حقائق لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها في زمن خيَّم عليه الظلام والجهل،

1 / 8

اللهم إلا إذا كان يوحى إليه، وقد أعلمنا الله تعالى أن محمدًا ﷺ هو خاتم رسل الله تعالى، وأن رسالته هي خاتم الرسالات، وأنه أرسل للناس كافة بينما كان من قبله من الرسل يرسل إلى أمته، وقومه، وكذا جاءت أحاديث تبين ذلك، ولن أعرض لذلك خوف الإطالة.
ولعل ذلك- أقصد عالمية الرسالة وختم النبوة- كان لما علم الله تعالى من أن البشرية ستصل في عهد هذه الأمة إلى نهاية النضج العقلي، والتقدم العلمي، وعند إدراكها ذلك تدرك تمامًا ما حواه "الوحي" الذي جاء محمدًا ﷺ من علوم دقيقة لم تكن تعرف الإنسانية عنها الكثير، سواء أكان ذلك في كتاب ربنا أم في سنة نبينا.
وقد بيّن الله تعالى لنا أنه عَلَّم هذا الرسول من العلوم ما لم يعلم، قال
-جل وعز-: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وقد أمر الله تعالى رسوله أن يدعوه بزيادة هذه العلوم، والفهوم التي أعطيها فضلًا من الله ونعمة، وكأنها مقصودة بعينها، قال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فهذه العلوم التي جاءت عن رسول الله ﷺ إنما هي من الوحي الرباني الذي أوحاه الله إليه، ومن العلوم التي علَّمها رسول الله ﷺ ولذا قال النبي ﷺ:
"ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم

1 / 9

القيامة" (١) .
فبين رسول الله ﷺ أن معجزات الأنبياء–عليهم الصلاة والسلام-كانت من النوع الذي يقر به أهل أزمنتهم معه على صدق من تظهر منه لأنها كانت خارقة للعادة بصورة لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله في زمانهم من الأمور الحسية التي تبهر الأسماع والأبصار، ومن ثَم العقول، فتذعن لصاحبها بالصدق.
وأما محمد ﷺ فكانت معجزته علمية عقلية مصدرها الوحي الرباني الذي يكون لإدراكه، ومعرفة كنهه، وحقيقته فسحة عمر الإنسانية، ومضي الزمان الذي يعيش فيه الإنسان فوق هذه الأرض، فلا تنقضي عجائبه، ففي كل زمان يظهر من هذا الوحي علامة بينة، وبرهان ساطع، وآية واضحة على صدق من جاء بهذا الوحي، وأنه نبي مرسل من عند الله تعالى العليم الخبير.
وكلمة "الوحي" هنا تشمل القرآن الكريم المنزل على محمد ﷺ والسنة المطهرة التي عُلِّمها رسول الله ﷺ لأن كليهما من الوحي الذي جاء به محمد من قبل ربه–ﷻ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ

(١) رواه البخاري في فضائل القرآن باب كيف نزل الوحي، وأول ما نزل (٤٩٨١) ٨/٦١٩ وطرفه (٧٢٧٤) ورواه مسلم في الإيمان (١٥٢) ١/١٣٤/ وأبو عوانة في المسند١/،١١٠وأحمد في المسند ٢/٣٤١و٤٥١، والبيهقي في دلائل النبوة٧/١٢٩.

1 / 10