Tafsir al-Uthaymin: Ghafir

تفسير العثيمين: غافر

ناشر

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٣٧ هـ

پبلشر کا مقام

المملكة العربية السعودية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقديم
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ بالله مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ، فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في الله حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدّين، أَمَّا بَعْدُ:
أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أثناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة، حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدَايَةُ التَّسْجِيلِ الصَّوتيِّ لَهَا مِن سُورة النُّور وَمَا بَعدَها؛ حتَّى بلَغ فَضيلتُه قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.
وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ،

1 / 5

المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (^١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد بنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (^٢). تغمَّدهما الله بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ.
وسَعْيًا - بإِذْنِ اللهِ تَعالَى - لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيرَّيةِ واجِباتِه فِي شرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ.
نَسْأل اللهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعليَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ.
وَصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
القِسْمُ العِلْمِيُّ
فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ
١٤ مُحَرَم ١٤٣٧ هـ
* * *

(^١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حُسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).
(^٢) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).

1 / 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله ربِّ العالمَين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
إن العِلْم يَحتاج إلى مُكابَدة وإلى مُثابَرة وإلى دأَبٍ وكلَّما عوَّد الإنسان نفسَه على ذلك اعتاده وصار أَمْرًا سهلًا عليه.
أمَّا إذا ركَنَ إلى الكَسَل والدَّعة والسُّكون فإنه يَصعُب عليه جِدًّا أن يَكون مجُتَهِدًا؛ لأن النفس وما تَعوَّدت، والإنسان في طلَب العِلْم كالمُجاهِد في سبيل الله في إعداد العُدَّة؛ لأن الله تعالى جعَل الجِهاد في سبيل الله والعِلْم عَديلَيْن؛ حيث قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، يَعنِي: لا يُمكِن أن يَخرُجوا جميعًا في الجِهاد، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] يَعنِي: وقعَدَت طائِفة ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ الفاعِل همُ الفِرْقة الباقِية ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، بل قال بعضُ العُلَماء ﵏: إن طلَب العِلْم أَوكَدُ من الجِهاد في سبيل الله؛ لأن طلَب العِلْم يَنبَني عليه الجِهاد والعِلْم لا يَنبَني على الجِهاد، بل إن المُجاهِد لا يُمكِن أن يُجاهِد على الوجه الصحيح إلَّا بطلَب العِلْم؛ فلِهَذا كان أَوكَدَ.
إِذَنْ: فبَقاء الإنسان يُطالِع ويُراجِع ويُذاكِر ويَحفَظ في العِلْم الشَّرْعيِّ هو كالمُجاهِد في سبيل الله سَواءً بسَواءٍ.

1 / 7

ولو سُئِلْنا: أيُّهما أفضَلُ الجِهاد في سبيل الله أو طلَب العِلْم؟
قُلْنا: لا يُمكِن أن نُفضِّل أحدَهما على الآخَر على الإطلاق، فمِن الناس مَن نَقول له: طلَبُ العِلْم في حقِّك أفضَلُ. ومن الناس مَن نَقول: الجِهاد في حقِّكَ أفضَلُ؛ ولهذا تَجِدون أَجْوبة النَّبيِّ ﷺ في التَّفاضُل بين الأعمال أنه يُخاطِب كل إنسان بما تَقتَضِيه حاله، وبهذا يَنفَكُّ الإشكال الذي يَرِد على النَّفْس؛ حيث يَقول الرسول ﵊ في بعض الأحاديث: "أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَذا وَكَذا"، وفي بعضِها: "أَفْضَلُ الأَعْمالِ كَذا وكَذا"، فيُقال: إن هذا الاختِلافَ هو على حَسب حال المُخاطَب نَقول: بعض الناس طلَب العِلْم أَفضَلُ في حقِّهم، وبعض الناس الجِهاد في حَقِّهم أفضَلُ، فمَن كان وِعاءً للعِلْم حافِظًا فاهِمًا مُكابِدًا للعِلْم، فهذا طلَب العِلْم في حقه أَفضَلُ؛ لأنه يُنتِج أكثَرَ، وَينفَع المُسلِمين أكثَرَ، ومَن كان على غير هذه الحالِ قليلَ الحِفْظ، قليلَ الفَهْم ولكنه شُجاع قوِيٌّ بطَلٌ فهُنا الجِهاد في حَقِّه أفضَلُ، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾.
وقبل البَدْء بالتَّفْسير نُقدِّم مُقدِّمة - نَسأَل الله ﷾ أن يَنفَع بها -، فنَقولُ:
إنَّ مِنْ نِعْمَة الله ﷾ على العَبْد أن يُحبِّب إليه العِلْم، وذلك لأن العِلْم الشَّرْعيَّ مِفتاح كل خير؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: "مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقَهْهُ فِي الدِّينِ" (^١) وهذه بُشْرى لكُلِّ مَن فقَّهَه الله في دِينه وعلَّمه، أنَّ الله أَراد به خيرًا، والفِقْه في الدِّين هو مَعرِفة الأحكام الشرعية من أدِلَّتها، ثُم تَطبيق هذه الأحكامِ التي عُلِّمها؛

(^١) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا، رقم (٧١)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، رقم (١٠٣٧)، من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.

1 / 8

لأن مَن لم يُطبِّق فليس بفِقيه؛ بل هو قارِئ؛ ولهذا حذَّر عبدُ الله بن مسعود ﵁ من أن يَكثُر القُرَّاء ويَقِلَّ الفُقَهاء (^١)، فالفَقيه في دِين الله هو الذي يَعلَم شريعة الله ثُم يُطبِّقها على - نفسه وعلى غيره، بقَدْر استِطاعته.
وطالب العِلْم عليه مَسؤُولية كبيرة؛ لأنه واسِطة بين الخَلْق وبين الرسول ﷺ إذ إنَّه يَنقُل شريعة الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى أُمَّته؛ ولهذا يَجِب أن يَكون أُسْوة حسَنة في عِباداته وأخلاقه ومُعامَلاته؛ لأنه إذا كان أُسوة حَسَنة في ذلك، فقد أَثمَر العِلْم في حقِّه ثمَراته الجَليلة، ولأنه إذا كان أُسوة للنَّبيِّ ﷺ في ذلك أَحبَّه الناس وأَلِفوه، واقتَدَوْا به، وصار إمامًا، وإن لم يَكُن إمامًا كبيرًا؛ لكنه إمام بحَسَبِ حاله، وكلَّما ازداد الإنسانُ عِلْمًا وتَمَسُّكًا بما علِم، ازداد احتِرام النَّاس له، واقتِداؤُهم به، وجَعْلهم إيَّاه أُسوةً.
ثُم إن طالِب العِلْم يَجِب عليه الإخلاصُ لله ﷿ في طلَبه؛ لأن الإخلاص هو أهمُّ شيء، وهو الذي يَكون به تَحقيق ما أَراده العَبْد، والإخلاص لله في طلَب العِلْم أَشار الإمامُ أَحمَدُ ﵀ إلى شيء منه، فقال: العِلْم لا يَعدِله شيء لمَن صحَّتْ نِيَّته. قالوا: وبِمَ تَصِحُّ النِّيَّة؟ قال: يَنوِي بذلك رَفْع الجَهْل عن نَفْسه وعن غيره (^٢).
وهذا لا شكَّ أنه تَصحيح النِّيَّة، لكنه ليس كلُّه، أو ليس كلُّه تَصحيحَ النِّية، بل هناك أَشياءُ تَجِبُ مُلاحظُتها أيضًا، وذلك بأن يَنوِيَ بطلَب العِلْم امتِثال أَمْر الله ﷾؛ لأن الله أَمَر بالعِلْم، ورغَّب فيه، فقال تَعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

(^١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٧٣، رقم ٧٧)، والدارمي في السنن رقم (١٩١، ١٩٢).
(^٢) انظر الفروع لابن مفلح (٢/ ٣٣٩).

1 / 9

وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، وقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وهذا شيء مُشاهَد، بَيِّنوا لي تاجِرًا من أكبَر التُّجَّار في عهد الأئِمَّة الأربَعة حصَل له من رَفْع الذِّكر ما حَصَل لهؤلاءِ الأئِمَّة الأربعة، لن تَجِدوا إلى ذلك سبيلًا؛ فأَهْل العِلْم مَرفوعون عِند الله، ومَرفوعون عِند العِبَاد، مَرفوعون في حَياتهم ومَرفوعون بعد مَماتِهم، حتى وإن نَالَ أحَدًا منهم ما يَنالُه من التَّعذيب أو المُضايَقة، أو ما أَشبَه ذلك فإنه يَزداد بذلك رِفْعة عِند الله ورِفْعة عِند العِباد.
فأنت إذا نَوَيْت بطلَبك للعِلْم امتِثال أَمْر الله، صارَت كلُّ حرَكة تَتحَرَّكها في هذا المَجالِ عِبادة، إن راجَعْت الدَّرْس فعِبادة، وإن حَفِظت فعِبادة، وإن مَشَيْت فعِبادة، وقد ثبَت عن النَّبيِّ ﷺ أن "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلمًا، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ" (^١).
وهذه مسائل تَغيب عنَّا كثيرًا:
الأولى: كثيرًا ما نُراجِع الكُتُب لتَحقيق مَسأَلة ما، ولكن يَغيبُ عنَّا أَنَّنا الآنَ في عِبادة نَرجو بها ثَواب الله؛ لكن إذا استَحضَر طالِب العِلْم أنه يَمتَثِل أَمْر الله ﷾ بطَلَب العِلْم، صارَ طلَبُه للعِلْم عِبادة.
الثانية: أن يَنوِيَ بطلَب العِلْم حِفْظ الشريعة؛ لأنَّ الشريعة تُحفَظ برِجالها؛ ولهذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "إِنَّ الله لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا

(^١) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل، معلقًا مجزومًا به، ووصله مسلم: كتاب الذِّكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، رقم (٢٦٩٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.

1 / 10

مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ؛ حَتَّى إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّاسُ عُلَمَاءَ يَسْتَفْتُونَهُمُ، اسْتَفْتَوْا أُنَاسًا جُهَّالًا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (^١).
إِذَنْ: حِفْظ الشريعة يَكون بالعُلَماء، برِجالها فانْوِ بذلك - أي: بطلَبك العِلْم - حِفْظ الشريعة، ونِعْمَ الرجُلُ أنتَ؛ إذا كنْت خِزانة لشَريعة الله ﷿! .
الثالِثة: أن يَنوِيَ بهذا - أي: بطلَبه العِلْم - حِماية الشَّريعة والذَّوْد عنها؛ لأن الشَّريعة لها أَعداءٌ، أعداءٌ مُعلِنون بعَداوتهم، وأَعداءٌ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، فلها أَعداءٌ؛ فأنت انْوِ بطلَبك العِلْم حِماية الشَّريعة، والدِّفاع عنها؛ وإذا كان هذا مَقصودَ طالِب العِلْم، فإنه سوف يَختار الجِهَة التي يَكون غَزو أعداء المُسلِمين من ناحِيَتها، وعلى هذا يَجِبُ أن يَكونَ على عِلْمٍ بما يَجرِي في الساحة من الأفكار الرَّديئة أو العقائِد الفاسِدة.
ونَضرِب مثَلًا بوَقْت من الأَوْقات مَرَّ على الناس وهُمْ لا يَعرِفون مَذاهِبَ أهل التَّعْطيل، ولا يَعرِفون الأفكار المُنحرِفة الهَدَّامة؛ لأنَّهم لم يَخرُجوا من بلادهم، ولم يَفِد إليهم أحَدٌ من غيرهم، فهم مُلتَفُّون على عُلَمائهم، ولا يَعرِفون إلَّا الحَقَّ، هؤلاء لا يُهِمُّهم أن يَشتَغِلوا بأمور أخرى من وَسائِل العِلْم، أو الدِّفاع عن الشَّريعة؛ لأنَّهم آمِنون، لكن إذا جاء العَدوُّ فلا بُدَّ أن نَستَعِدَّ له، وأن يَكون استِعْدادنا بسِلاح مُناسِب لسِلاحه، فمِن المَعلوم مثَلًا أنَّ مَن هَاجَمَك بالمَدافِع والصواريخ، لا يَصِحُّ ولا يَستَقيم

(^١) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، رقم (١٠٠)، ومسلم: كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، رقم (٢٦٧٣)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.

1 / 11

أن تُدافِعه بما يُسمَّى بالسِّلاح الأبيض بالخَناجِر والسيوف وما أَشبَهها؛ لأن الواجِب أن تَستَعدَّ لكل عَدوٍّ بما يُناسِب سِلاحه.
فالآنَ صار في الساحة أَفكار رَديئة خَبيثة، إن لم تَكُن مُلحِدة فهِيَ إلى الإِلحْاد أقرَبُ من الاعتِدال، ولا حاجةَ إلى التَّخصيص؛ لأنه مَعلوم عند كَثير مِنْكم.
فنَحتاج أن نَعرِف هذه الأفكارَ وكَيفَ نُبطِلها، وإني أَقول لكُمْ: إن جميع الأفكار المُنحرِفة إبطالُها سَهْل جِدّا، حتى وإن هَوَّلوا الأمر، وإن ضَخُمُوا فهُمْ كالإِسْفِنج، اعصُرْه بيَدِك يَخرْج كلُّ ما فيه، ولا تَتَهيَّبوا لأنهم ليس عِندهم عِلْم مَسموع ولا عَقْل مَصنوع، فلا بُدَّ أنَّ الإنسان إذا كان قد نوَى بطلَب العِلْم حماية الشريعة والدِّفاع عنها، لا بُدَّ أن يَعرِف ما يَكون في الساحة، حتى يَستَطيع أن يُدافِع، ولكل مَقامٍ مَقال، ولكل مَكان ما يُناسِبه.
وإني أَقولُ لكُم: إن حِماية الشريعة والدِّفاع عنها لا يَكون إلَّا برِجالها، لو ألَك كُنت في مَكْتبة، ومعَك جماعة ودخَل رجُل مُلحِد يُقرِّر الإلحاد، وأنتُمْ لا عِلْمَ عِنْدكم، لكن المَكتَبة مَملوءة من الكتُب التي تَرُدُّ على المُلحِدين، وتُبيِّن زَيْف ما هُم عليه، فلا يُمكِن أن يَقفِز كِتاب منها من أَجْل أن يَرُدَّ على هذا المُلحِدِ؛ فالكُتُب وإن كثُرَتْ لا تُفيد، لا بُدَّ من عُلَماء، وإذا كان في هذا المَكانُ الذي ذكَرْت إذا كان فيه عالِمٌ! فسوف يَتكلَّم بما يَرُدُّ قول هذا المُلحِدِ، حتى يَنكِص على عَقِبيه. هَذِه أُمور ثلاثة كلُّها تَتَرتَّب على إخلاص النِّيَّة.
الرابِعة: ما أَشار إليه الإمامُ أَحمَدُ ﵀ أَنْ يَنوِيَ رَفْع الجَهْل عن نَفْسه وعن غيره، ومتى كان يَنوِي ذلك لا بُدَّ أن يَجِدَّ في الطلَب، لأنَّ مَن أَراد الغِنَى لا بُدَّ أن يَكتَسِب، ولا بُدَّ أن يَتَّجِر، ولا بُدَّ أن يَخوض جميع مَيادين التِّجارة؛ فإذا كان يُريد

1 / 12

رَفْع الجَهْل عن نفسه فليس من المُمكِن، ولا من المَعقول أن يَجلِس من غير تَعلُّم، لا بُدَّأن يَجِدَّ في الطَلب.
وإذا كان يُريد رَفْع الجَهْل عن غيره فلا بُدَّ أن يَحرِص غاية الحِرْص على نَشْر العِلْم بالوَسائِل المُناسِبة، الوسائِل القَويَّة في كل مجَال:
أولًا: يُمكِن أن يَنشُر العِلْم عن طريق الحَديث في المَجالِس العادِيَّة؛ جلَس مجَلِسًا في وَليمة في أي مَكان، يُمكِن أن يَنشُر عِلْمه، وذلك بالطريقة اللَّبِقة المُحبَّبة للنُّفوس، والتي لا تُوجِب المَلَل والاستِثْقال، يُمكِن أن يُورِد مَسأَلة من المَسائِل في هذا الجَمْعِ الذي عِنده يُورِد مَسألة يَقول: ما تَقولون في رجُلٍ فَعَل كذا وكذا، أو قال كذا وكذا؛ أو يَأتِي بمَسأَلة إلغازٍ حتَّى يَفتَح الأَذْهان، وحِينئذٍ يَدخُل في تعليم الناس.
لسْتُ أَقولُ: افرِضْ نَفْسك في المَجلِس الذي أنت فيه؛ لأن هذا صَعْب على النُّفوس، لكن اجلِبْهم إلى العِلْم بالطرُق المُحبَّبة المُناسِبة، حتى يَشْتَغِل المَجلِس بالعِلْم مُناقَشة، أو إلقاءً، أو ما أَشبَه ذلك.
ثانيًا: كذلك أيضًا يَنشُر عِلْمه عن طريق الأشرِطة، والأشرِطة - ولله الحمد - نفَع الله بها نَفْعًا كثيرًا، خُصوصًا وأنَّ الناس كثير مِنهم - وخاصَّة من الشَّباب - يَتلقَّوْن هذه الأشرِطةَ بشغَف ولَهف، لا تَكاد تَخرُج إلَّا والناس يَتلَقَّوْنها وَينتَفِعون بها، فهذه الأَشرِطةُ - ولله الحمد - فيها مَصلَحة كبيرة ونَشْر للعِلْم، وليس في مَكانِك أو بلَدِك، أو مَنطِقتك، بل إنه يَتَعدَّى إلى خارِج بلادِك، كما سمِعنا أنَّ أَشرِطة الدُّعاة والعُلَماء تَذهَب إلى أماكِنَ بَعيدةٍ. هذه من وَسائِل نَشْر العِلْم.
ثالِثًا: يُمكِن أن تَنشُر العِلْم عن طَريق الكِتابة، كِتابة الرَّسائِل، تَأليف كُتُب، نَشرة وَرَقية، وما أَشبَه ذلك، بقَدْر المُستَطاع؛ حتى تَنشُر عِلْمك، وتَنفَع وتَنتَفِع.

1 / 13

وهناك نَشْر للعِلْم بطَريق خَفيٍّ، يَخفَى على طالِب العِلْم، أو على كثير من طلَبة العِلْم، ألَا وهو نَشْر العِلْم عن طريق العمَل به، كثيرًا ما يَرقُب النَّاس هذا العالِمَ، ويَرَوْن ماذا يَصنَع، فيَقتَدون به، قال بعض الناس: إنه كان يُصلِّي. فقال بعض الذين شاهَدوه: إنَّك تَفعَل كذا وكذا في صلاتِك. فانظُرْ كيف كان الناس يُراقِبون أَفعال طالِب العِلْم من أَجْل أن يَقتَدوا به، وهذا من طريق نَشْر العِلْم، بل قد يَكون هذا من أَبلَغِ الطُّرُق التي يَتَأثَّر بها الناس؛ لأنَّ تَأثُّر الناس بالفِعْل قد يَكون أَشدَّ وأقوَى من تَأثُّرهم بالقَوْل؛ ولهذا بمرِّر ما أَسلَفْناه من أنَّ طالِب العِلْم لا يَكون فَقيهًا إلَّا إذا عمِل بعِلْمه، وإلَّا فهو قارِئ وليس بفِقيهٍ.
وبهذه المُناسَبة أَوَدُّ أن أَحُثَّكم على مَكارِم الأخلاق، من: السَّماحة، وبَذْل السَّلام، وبَذْل المَعروف، والتَّسامُح فيما بينكم، ومُلاقاة الناس بالبِشْر، وطلاقة الوَجْه، فقد كان من صِفات النَّبيِّ ﷺ أنه كان دائِم البِشْر كثير التَّبسُّم، صلَواتُ الله وسلامه عليه؛ دائِم البِشْر لا تَجِده مُنغلِقًا ولا مُكفَهرًّا، كَثير التَّبسُّم في مَحلِّه، فلنا فيه صلوات الله وسلامه عليه أُسوة حسَنة؛ قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وممَّا يَنبَغي لطالِب العِلْم أن يَحفَظ وَقْته عن الضَّياع، وضَياع الوقت يَكون بأسباب، أو يَكون له وُجوهٌ:
الوجهُ الأوَّل: أن يَدَع المُذاكَرة ومُراجَعة ما قرَأ.
الوجه الثاني: أن يَجلِس إلى أصدقائه، وأَحِبَّائه، وَيتحدَّث معهم بحَديث لَغو، ليس فيه فائِدة.
الوَجْه الثالِثُ: وهو أَضَرُّها على طالِب العِلْم، ألَّا يَكون له همٌّ إلَّا تَتبُّع أقوال

1 / 14