Tafsir Al-Uthaymeen: Al-Ahzab

تفسير العثيمين: الأحزاب

ناشر

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٣٦ هـ

پبلشر کا مقام

المملكة العربية السعودية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقديم
إنَّ الحمدَ للَّه، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ باللَّه مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللَّهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في اللَّه حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ:
فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالع العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.
وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَي الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (^١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

(^١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حُسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).

1 / 5

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (^١). تغمَّدهما اللَّه بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ.
وسَعْيًا -بإِذْنِ اللَّهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ محُمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ.
نَسْأل اللَّهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعْلِيَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
وَصَلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةِ
٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ
* * *

(^١) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).

1 / 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* * *
الحمدُ للَّه ربِّ العَالمَينَ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحَسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أمَّا بَعد:
البَسمَلة تَقدَّم الكلام عليها من حيثُ المَعنى، ومن حيثُ الإعراب، وقُلْنا في الإعراب: إنها جارٌّ ومَجرور مُتعلِّق بمَحذوف، وأنه يَنبَغي أن يُقدَّر ذلك المَحذوف فِعْلًا خاصًّا مُتأخِّرًا.
مثال ذلك: عندما تُريد أن تَقرَأ تَقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. يَكون التقديرُ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أَقرَأُ، وهو أَحسَنُ من أن تَقول: التَّقديرُ: ابتدائي بسمِ اللَّه الرحمن الرحيم، أو التقديرُ: ابتدِئْ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، لأننا إذا قدَّرْناه فِعْلًا خاصًّا كان أدلَّ على المَقصود؛ فإن كلِمة (ابتِداء) عامَّة في كل ما يُبتَدَأ به، لكن إذا عَيَّنت الفِعْل وقلتَ: بسم اللَّهِ أَقرَأُ، كان أدَلَّ على المَقصود.
فنُقدِّره فِعْلًا؛ لأنَّ الأصل في الأعمال هي الأفعال؛ ولهذا تَعمَل بدون شَرْط، وأمَّا ما يَعمَل من الأسماء فإنه لا يَعمَل إلَّا بشروط، كاسْمِ الفاعِل، واسم المَفعول، والمَصدَر، وما أَشبَه ذلك.
ونَجعَله مُتأخِّرًا لسبَبين:

1 / 7

السبَب الأوَّل: التَّبرُّك بالبَداءة بسم اللَّه.
والسبَب الثاني: الدَّلالة على الحَصْر، لأن تَأخير العامِل يَدُلُّ على الحَصْر، أو بعِبارة أعمَّ: لأن تَأخير ما حَقُّه التقديمُ يَدُلُّ على الحَصْر.
إذن: نَقول في البَسْملة: كلَّما جاءت مُتعلِّقة بمحذوف، ويُقدَّر هذا المَحذوفُ فِعْلًا خاصًّا مُتأخِّرًا، أمَّا عندما تُريد أن تَتَوضَّأ، فتُقدِّر: بسم اللَّه أَتَوضَّأ، وعندما يُريد الإنسان أن يَذبَح ذبيحة، يَقول: التقدير: باسْمِ اللَّه أَذبَحُ، وعلى هذا فقِسْ.
يَقول المفسر (^١): [بسم اللَّه الرحمن الرحيم] وهنا (اسْمِ) مُضاف للَفْظ (اللَّهِ) وهو مُفرَد فيُفيد العموم، ولهذا قَدَّره الشُّرَّاح بأن المَعنى: بكلِّ اسم من أسماء اللَّه تعالى.
والاسم مَأخوذ من السُّمُوِّ وهو الارْتِفاع، وقيل: من السِّمة وهي العَلَامة، ولو قيل بأنه مَأخوذ من هذا وهذا لم يَكُن بعيدًا؛ لأنه يُظهِر المُسمَّى فيَكون فيه مَعنَى الارتفاع، ولأنه يُميِّزه فيَكون فيه مَعنَى العلامة.
(اللَّه) علَمٌ على ذات اللَّه ﷿، وهو أصل الأَعلام، وأسماء اللَّه تعالى -كما نَعرِف- أعلام وأَوْصاف، لكن أصلها كلِمة (اللَّه)، ولهذا تَأتي الأسماء دائِمًا تبَعًا لها، فهي الأصل، وربما تَأتي لفظ الجلالة تابِعةً لغيرها من الأسماء، مثل ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، فهنا تَأتي (اللَّه) تابِعةً لما قبلها.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان مُشتَقَّان من الرحمة، لكن الأوَّل منهما يَدُلُّ على الرحمة باعتِبارها وصفًا للَّه ﷿، والثاني يَدُلُّ على الرحمة باعتِبارها فِعْلًا له، فهو

(^١) المقصود بـ (المُفَسِّر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، المتوفى سنة (٨٦٤ هـ) ﵀، ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).

1 / 8

رحمن وهو رحيم، مُتَّصِف بالرحمة، وفاعِل للرحمة، يَعنِي: أنه ﷿ مع كونه رحيمًا فإنه يَرحَم، وهذا الذي قرَّرْته هو ما قرَّره ابنُ القيِّم ﵀ في الفَرْق بين الرحمن وبين الرحيم (^١).
وإن كان بعضُ العُلَماء ﵏ يُفرِّق بينهما بأن الرحمن ذو الرحمة العامَّة، والرحيم ذو الرحمة الخاصَّة، وَيقول: إنه يَدُلُّ على ذلك قوله ﷾: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، لكن المعنى الذي أَشار إليه ابنُ القَيِّم ﵀ أَبلَغُ وأَحسَنُ؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وَزْن (فَعْلان)، وهذا الوزنُ يَدُلُّ غالِبًا على السَّعة والامتِلاء، فهو ﷾ واسِع الرحمة، وهو ﷾ يَرحَم مَن يَشاء، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
والبسملة آية من كِتاب اللَّه ﷾، تَأتي في مُبتَدَأ كلِّ سورة، إلَّا في سورة (براءَة)، فإنه ليس فيها بَسْملة، وذَكَر أهل العِلْم ﵏ أن سبب سُقوط البَسمَلة في (براءة) أن الصحابة ﵃ أَشْكَلَ عليهم: هل هي من سورة الأَنفال أو هي سُورة مُستَقِلَّة؟ فجعَلوا بينهما فاصِلًا، ولم يَكتُبوا: بسم اللَّه الرحمن الرحيم (^٢). وهذا واضِح.
لكن أَوْضَحُ منه أنه لو كانت البَسمَلة قد نزَلَتْ بين سورة الأنفال و(براءة) لم يُمكِن أن تَسقُط؛ لأن اللَّه تعالى يَقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، لكن لمَّا أَشْكَل على الصحابة هل (براءة) مُستَقِلَّة، أو من سورة الأَنفال وضَعوا الفاصِل فقط.

(^١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٥٦).
(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٥٧)، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب من جهر بها -أي البسملة-، رقم (٧٨٦)، والترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، رقم (٣٠٨٦)، من حديث عثمان بن عفان ﵁.

1 / 9

الآية (١)
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١].
* * *
قال اللَّه ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ النِّداء هنا للنبيِّ ﷺ بوَصْفه نبيًّا، وقد يُناديه اللَّه ﷿ بوَصْفه رسولًا، فيُخاطِبه اللَّه ﷾ بوَصْفه رسولًا في مَقام الرِّسالة، كما في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
و(النبيُّ) مُشتَقٌّ، وأصلها: (النَّبيءُ)، وقيل: أَصلها (النَّبيو) بالواو، فعلى القول الأوَّل يَكون مُشتَقًّا من النَّبَأ، وأُبدِلت الهمزةُ بالياء تخفيفًا، وعلى القول الثاني يَكون مُشتَقًّا من النَّبْوَة، وهي الارتفاع، ولا شَكَّ أن مَقام النُّبوَّة مَقام رفيع، وأن النبيَّ مخُبِر ومخُبَر أيضًا، فهو فَعيل بمَعنى فاعِل وبمَعنى مَفعول.
يَقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، والمُراد به: نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ دُمْ على تَقواهُ]، صَرَفَها المُفَسِّر ﵀ عن ظاهِر لَفْظها؛ لأنَّك إذا أَمَرْتَ أحدًا بشيء فالأصل أنه غير مُتَلبِّس به، فإذا قلت: يا فُلانُ قُمْ. فهل هو قائِم؟ لا، هذا هو الأصل، فالأصل أن الأَمْر إنشاءُ ما لم يَكُن، فإذا قُلتَ: يا فُلانُ قُمْ. أو يا فُلانُ اقْعُدْ؛ فإنه حين توجيه الأمر إليه ليس مُتَّصِفًا بهذا الوَصْفِ.

1 / 11

فالنبيُّ ﵊ قال اللَّه ﷾ له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، فلو أَخَذْنا بظاهِر العِبارة لكان النبيُّ ﷺ حين تَوجيه الخِطاب إليه لم يَكُن مُتَّقيًا، وهذا أمر لا يُمكِن؛ لذلك يَكون مَعنَى ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: دُمْ على تَقواه؛ ومن هنا نَأخُذ أن الأمر بالشيء قد يَكون أمرًا بتَجديده، وقد يَكون أمرًا بالاستِمْرار عليه، وقد يَكون أمرًا بالتَّفصيل لهذا المَأْمورِ به.
فمثَلًا: إذا قلت: يا أيُّها المُؤمِنُ آمِنْ. فالمَعنى: دُمْ على إيمانك وحَقِّقْه، وفي قوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، الأمر هُنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أي: داوِموا عليه، لكن فيه تَفصيل، يَعني: ﴿آمَنُوا﴾ مجُمَل، ثُم قال: ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ فصار إِذَنْ تَوْجيه الأَمْر في الأصل إلى مَن لم يَكُن مُتَلَبِّسا به، هذا هو الأصل، وقد يُوجَّه إليه لطلب الاستِمْرار، وقد يُوجَّه إليه لبَيان التَّفصيل، كما في قوله ﷿: ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ تَأْتي التَّقوى في القرآن الكريم كثيرًا، فما مَعنَى التَّقوى؟ ومن أين هي مُشتَقَّة؟
نَقول: هي مُشتَقَّة من الوِقاية، ولهذا يَقولون: إن أصل التاء فيها واوٌ، فـ (تَقوَى) بمَعنى: (وَقْوَى)، هذا أَصلُها، وإذا كانت بمَعنى الوِقاية فإن التَّقوى هي أن يَتَّخِذ الإنسان وِقاية من عذاب اللَّه ﷿، ولا وِقايةَ من عذاب اللَّه تعالى إلَّا بفِعْل أَوامِره واجتِناب نَواهيه، وعلى هذا فنَقول: إن المُراد بالتَّقوى فِعْلُ أَوامِر اللَّه ﷾، واجتِناب نَواهِيه.

1 / 12

ومن المَعلوم أننا إذا قُلْنا: فِعْل أَوامِر اللَّه تعالى، (أَوامِر) مُضاف إلى اللَّه تعالى: أن الإنسان سيَنوِي بهذا الفِعْلِ امتِثال أَمْر اللَّه تعالى، وكذلك إذا قُلنا: اجتِنابُ نَهي اللَّه تعالى، فإن الإنسان سيَجتَنِبه؛ لأن اللَّه تعالى نهَى عنه؛ لأن مجُرَّد الفِعْل بدون نِيَّة ليس بتَقوَى، ومُجرَّد التَّرْك بدون نِيَّة ليس بتَقوَى، لكن لمَّا كان الفِعْل والتَّرْك مُضافًا إلى اللَّه تعالى صار لا بُدَّ فيه من نِيَّة.
قوله ﵀: [﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما يُخالِف شَريعتك]، عَطْف قولِه: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ على ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ من باب عَطْف الخاصِّ على العامِّ؛ لأن تَرْك طاعة هؤلاء من تَقوَى اللَّه ﷿، فيَكون عَطْفه على التَّقوى من باب عَطْف الخاصِّ على العامِّ، وهذا كثير في القُرآن والسُّنَّة وكلام العرَب.
قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الكافِر هو الذي صرَّح بكُفْره وأَعلَنَه، وأمَّا المُنافِق فهو الذي أَخفَى كُفْره، وأَظهَر أنه مُؤمِن، فمن أين اشتُقَّ الكُفْر أو الكافِر؟
يَقولون: إن الكُفْر في الأصل: السَّتْر، ومنه: (الكُفُرَّة) وهو غِلاف الطَّلْع؛ لأنه يَستُرُه، هذا في الأصل، وسُمِّيَ الذي لا يُؤمِن باللَّه تعالى كافِرًا؛ لأنه سَتَر نِعْمة اللَّه ﷿، وجَحَد شَريعته، فصار بذلك ساتِرًا للحَقِّ، وساتِرًا للنِّعْمة التي أَنعَمَ اللَّه تعالى بها عليه.
وأمَّا النِّفاق فإنه مَأخوذ من نافِقاء اليَرْبوع، واليَرْبوع: الدُّويْبة المَعروفة، تَتَّخِذ بيتًا في الأرض وتَحفُر الجُحْر، وتَجعَل له بابًا، وتَجعَل في آخِرِه بابًا مُغلَقًا بشيء من التُّراب، بمَعنَى: أنها تَحفُر فإذا وصَلَتْ إلى مُنتَهى الجُحْر حَفَرَت، إلى أن يَبقَى عليها شيء قليل من طبَقة الأرض، بحيث إذا دفَعه برَأْسه انفَتَح، هذه هي النافِقاء، ويَصنَع ذلك لأَجْل ما إذا فُجِئ من باب الجُحْر خرَج من هذا، فهكذا المُنافِق، إذا خُوطِب

1 / 13

بالإيمان قال: إنه مُؤمِن. فتَخلَّص، كما أنه إذا أَتَى إلى قومه يَقول: إنه كافِر. فيَتخَلَّص من مَلامة هؤلاءِ ومَلامة هَؤلاءِ.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ معلوم أن الرسول ﷺ لا يُمكِن أن يُطيع الكافِر، لكن الذي قد يُمكِن أن يُطيع المُنافِق، لأنَّ المُنافِق لا يُحَسُّ بنِفاقه وكُفْره، ولا يُعلَم عنه، فقد يَغتَرُّ به الإنسان؛ فلهذا قدَّم اللَّه تعالى الكافِرين هنا على المُنافِقين، مع أنه في باب الوعيد يُقدِّم المُنافِقين على الكافِرين، قال اللَّه ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقال ﷾: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣].
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [فيما يُخالِف شَريعتَكَ]، هذا القَيدُ يَقتَضي تَخصيص النَّهي مع أن النَّهيَ مُطلَق ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فما الذي حمَل المُفَسِّر على أن يُقيّده بما يُخالِف الشريعة؟
حمَلَه على ذلك:
١ - أنه لو فُرِض أن الكافِر أو المُنافِق أَمَر بما يُوافِق الشريعة، لكان لِزامًا علينا أن نُطيعه؛ لا لأنه أَمَر، ولكن لأن هذا مُقتَضى الشريعة، هذا وجهٌ.
٢ - ووجهٌ آخَرُ، هو أن يُقال: إن تَقييد المُفَسِّر ﵀ ذلك بيانٌ للواقِع؛ لأن الكافِر والمُنافِق -لِعَداوتهما لشريعة النبيِّ ﷺ لا يُمكِن أن يَأمُرَا إلَّا بما يُخالِف الشريعة، فيَكون هذا القَيْدُ بَيانًا للواقِع، والقيدُ الذي يَكون بيانًا للواقِع لا يُقيِّد، لأنه لا يُراد.
وفي ذلك أَمثِلة، منها: قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ

1 / 14

وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قَيْد مُبيِّن للواقِع، وليس المَعنى أن هناك رَبًّا لم يَخلُق وربًّا خلَق؛ والأمثِلة في هذا كثير.
فهنا يُمكِن أن نَحمِل كلام المُفَسِّر ﵀ في قوله: [فيما يُخالِف شريعتَكَ] على أنه بَيان للواقِع، وهو أن الكافِر والمُنافِق لا يُمكِن أن يَأمُر إلَّا بما يُخَالِف الشَّريعة؛ لأن الكافِر كافِر بها، والمُنافِق أيضًا كافِر بها، لكنه يُظهِر الإيمان.
ثُمَّ قال ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يَكون قَبْلَ كونه، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يَخلُقه]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، هذه الجُمْلةُ مَوضِعها ممَّا قَبْلها في المَعنى تَعليلية، ووجهُ كَونِها تَعليلًا لما قَبْلها أن اللَّه تعالى لمَّا أَمَر نبيَّه ﷺ بالتَّقوى ونهاهُ عن طاعة الكافِرين؛ بيَّن أن هذا الأَمْرَ والنهيَ صادِر عن عِلْم وحِكْمة، وأنه ﷿ أَعلَم بما يَكيده هؤلاءِ الأعداءُ من الكُفَّار والمُنافِقين، فلا تُطِعْهم؛ فليسوا أهلَ نُصْح لكَ أبدًا.
وقوله ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بما يَكون قبل كَوْنه]، وهذا التَّقييدُ غير صحيح؛ لأنه تعالى عليم بما يَكون قبل كَوْنه، وبعد كَوْنه: حالَ كَوْنه مَوجودًا، وبعدَ كَوْنه: حالَ كَوْنه مَعدومًا، فعِلْم اللَّه تعالى يَتعَلَّق بالأشياء في أَحوالها الثلاثِ؛ قبل الوُجود، وحين الوُجود، وبعد العَدَم.
أمَّا عِلْم المَخلوق فلا يَتعلَّق بالأشياء في هذه الأَحوالِ كُلِّها:
قبلَ الوُجود مَعلوم أنه لا يَعلَمها.
وحين الوُجود: لنَفرِضْ أنه يَعلَمها.
وبعد العَدَم: قد يَنْساها.

1 / 15