Tafsir al-Quran al-Thari al-Jami'
تفسير القرآن الثري الجامع
علاقے
مراکش
(تعليق الشاملة):
١ - الكتاب مطبوع في ١٢ مجلدا، عن دار المعراج، ودار جوامع الكلم
ولم يتيسر لنا الحصول على المطبوع الآن، فنشرناه بترقيم آلي (بأجزاء المصحف الشريف)
والنص منسوخ من موقع التفسير https://tafsiralthary.com
٢ - التفسير ينقصه سور (المزمل - الليل - العصر) نتيجة خطإ في تقنية الموقع نفسه، نبهنا على ذلك الفاضل أبو عبد الرحمن القماش، جزاه الله خيرا
مقدمة / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم من الدكتور إسماعيل الشيخ - رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بأمريكا الشمالية
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وبعد ..
فقد شرفت بالاطلاع على كتاب (تفسير القرآن الثري الجامع في الإعجاز البياني واللغوي والعلمي) للدكتور الشيخ محمد الهلال، الذي لم أكن أظن أن يكتب أحد مثله في هذا الزمن، لكن الحقيقة أن القرآن سيظل يلهم من اصطفاه الله من عباده لينهل من معينه إلى يوم القيامة، وقد اصطفى الله عبده الدكتور محمد الهلال (الداعية والخطيب) الذي أفنى حياته خادمًا لكتاب الله وداعيًا إلى سبيله ليكتب هذا التفسير البديع الجامع الذي رغم كونه حوالي ١٢ مجلد إلا أنه يتميز بالسهولة والسلاسة، وقد جمع فيه كثيرًا من المسائل العلمية التي أشار إليها القرآن وفسرها العلم الحديث مستندًا فضيلته إلى خبرته العلمية الطويلة كطبيب جراح حاز أعلى الدرجات العلمية في تخصصه، وهذا في الحقيقة ما يميز هذا التفسير عن غيره من التفاسير القديمة والحديثة، كما أنه جمع صنوفًا من بلاغة وبيان النص القرآني العظيم في أسلوب بسيط يناسب كل القراء.
لا شك أن هذا التفسير سيكون إضافة وإثراء للمكتبة الإسلامية ومرجعًا هامًا لطلبة العلم ولعموم الأمة على السواء. أسأل الله أن يبارك في هذا العمل وفي مؤلفه وأن يجعله شفيعًا له يوم القيامة.
دكتور/ إسماعيل الشيخ
رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بأمريكا الشمالية
مقدمة / 2
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين .. وبعد
فإن القرآن الكريم هو الكتاب المبارك الذي أنزله الله رحمة للعالمين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.
صدق الله حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وكان من دلائل صدق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه الكريم إلى يوم الدين أن قيض له من أولي العلم والتهي من بذلوا جهودا مشكورة، وصفوا المصنفات، وألقوا المؤلفات في العلوم التي تتصل بهذا الكتاب الكريم وتشكل سياجًا منيعًا للحفاظ عليه، تلك التي عرفت بـ "علوم القرآن".
وإن العمل في رحاب هذا الكتاب الكريم لهو شرف ما بعده شرف، وإن خدمة هذا النور الإلهي والكتاب الرباني لهو من أجلّ ما يتشرف به الإنسان ويعتزّ به حيث شهد له من أنزل عليه هذا الكتاب صلوات الله وتسليماته عليه بالخيرية والأفضلية عندما قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري.
وكان من توفيق الله ﷾ لأخي الدكتور الفاضل محمد الهلال أن شارك بهذا الجهد الطيب في هذا المضمار وهو أخ عرفته عن قرب من خلال الزيارات الشخصية المتبادلة ومن خلال العلاقة الأكاديمية التي تربطني به كوني عميد الدراسات الإسلامية في الجامعة التي نال منها شهادة الدكتوراه.
فأقول وقبل الكلام عن كتابة انه رجل وداعيه قمة في التواضع والأدب قد خلط بين العلم الشرعي والعلم الأكاديمي وخاصة الطب وبرع فيهما.
وقد وهب الرجل قسم كبير من حياته لخدمة كتاب الله تعالي تعلما وتعليما من خلال منابر المساجد وله في هذا المجال باع طويل، واختتم هذه المسيرة المباركة مع كتاب الله تعالي بعمل رائع أضاف من خلال كتابه في التفسير والذي يحمل عنوان:
"تفسير القران الثري الجامع في الاعجاز البياني واللغوي والعلمي"
والذي كنت اتشرف بأبداء بعض الملاحظات هنا وهناك حسب رغبة فضيلة الدكتور ومختصر القول بأن هذا التفسير إضافه جميلة لكتب التفسير بأسلوب سهل ميسر يفهمه الجميع وهو غني بالمسائل اللغوية والعلمية في قالب جذاب مراعيًا التقيد بكل ما هو ضروري لمن يكتب في هذا الفن والله أسال أن يبارك في الكتاب وصاحبة وأن ينفع به المسلمين. آمين وصلى الله على نور الدين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأستاذ الدكتور عمر شاهين
مؤسس ورئيس اتحاد الأئمة بأمريكا الشمالية سابقًا
نائب رئيس جامعة مشكاة سابقًا
عميد برنامج الدراسات الإسلامية
فينکس اريزونا بتاريخ: ٢٥/ ٩ /
مقدمة / 3
[مقدمة المؤلف]
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد المرسلين، وخاتم النبيِّين، ورحمة العالمين.
تبقى أسرارُ القرآن الكريم حبلَ الله ونورَه في السموات والأرض فوق كلِّ تفسير، وأكبرَ من أن يحيط بها علمٌ، أو يصل إلى حقيقتها عقل بشر، أو يعلم منتهاها إلا الذي أنزلها سبحانه؛ فقد حارت عقول علماء الفقه والتفسير، وعلماء اللغة والنحو والبيان، وعلماء الكون في عظمة كلام الله ﷿ وإعجازه.
فالكلُّ يُقرُّ ويعترف بأنهم مهما بلغوا من العلم في تفسير كتاب الله ﷿ ما بلغوا إلا قليلًا، ولم يدركوا من أسراره ومعانيه إلا يسيرًا، أو ما سواه إلا نقيرًا، أو فتيلًا، أو قطميرًا، أو حبةً من خردل، أو ذرَّة، أو دون ذلك، أو قطرة من بحر يمدُّه من بعده سبعة أبحر.
هذا الكتاب الذي نزَّله على عبده، ولم يجعل له عوجًا؛ ليكون للعالمين نذيرًا، ويبشِّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا.
والكلُّ يعلم أن هذا القرآن لا يزال يُفسَّر طوال (١٤) قرنًا، وفي كلِّ زمن تظهر بعض المعاني والأسرار الجديدة، وكما قيل: لا تنقضي عجائبه.
ولقد استغرقتُ أكثر من (٢٥) عامًا في كتابة هذا التفسير مستندًا إلى مصادر علمية موثوقة تطرَّق إليها الباحثون، وتفسير القرآن بالقرآن، والدراسات في علوم القرآن والأشباه والنظائر، والتفسير الموضوعي، وعلوم اللغة والبيان والنحو والبلاغة.
هذا التفسيرُ هو لوجه الله تعالى، لا أبتغي من ورائه درهمًا ولا مالًا ولا سمعةً، ولا شيئًا إلا رضوان الله تعالى، وإن شاء الله سوف يوزَّع مجانًا على أهل العلم.
وهذا التفسير يشمل عدَّة أجزاء، ومنهجه كما يلي:
١ - قسمتُ الآيات إلى وحدات، كل وحدة تمثِّل صفحة من القرآن بالرسم العثماني، يليها تفسير لتلك الوحدة.
٢ - ذكرُ أسباب نزول بعض الآيات التي تُعين على البيان.
٣ - محاولةُ تفسير كل حرف أو كلمة ومعانيها.
٤ - معرفةُ الفروق اللغوية بين الكلمات المتشابهة أو القريبة في المعنى.
٥ - معرفةُ أصل كثير من الكلمات التي تردَّدت في القرآن، وكيف اشتُقَّت.
٦ - مقارنةُ كثير من الآيات المتشابهة في السور المختلفة أو السورة الواحدة.
٧ - محاولةُ عدم تكرار التفسير والإشارة بالرجوع إلى الآيات الأخرى السابقة، أو اللاحقة.
٨ - محاولةُ تبيانِ جانبٍ من الإعجاز البياني واللُّغوي، والإعجاز العلمي في كثير من الآيات.
٩ - ذكرُ أكثر من معنى للآية إذا كانت تحتمل ذلك.
١٠ - ذكرُ المصادر التي استُخدمت في هذا التفسير في نهاية التفسير، ولم أذكرها تحت كلِّ آيةٍ، أو تفسيرٍ خوفًا من الإطالة، أو تشتُّت الأفكار، وليعلمَ كلُّ قارئ أَنِّي تجنَّبتُ أيَّ رأيٍ ضعيف، أو تفسير في شكٍّ.
١١ - وقد قمتُ بمقارنةٍ بين كثير من التفاسير المتعارف عليها، ووجدتها متشابهة في أكثر من (٨٠ - ٩٠%)، وكثيرٌ فيها لا يشفي طموح الناس، أو ما يخطر ببال القارئ أحيانًا؛ فحاولتُ الإجابة عليها قدرَ الإمكان، وما هداني إليه ربِّي، وأرجو منه القَبولَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
المؤلِّف
الدكتور محمَّد الهلال
مقدمة / 4
سورة الفاتحة [١: ١]
سورة الفاتحة
ترتيبها في القرآن (١) وترتيبها في النزول (٥).
لها عدَّة أسماء منها الفاتحة؛ لأنّها فاتحة القرآن وتفتح بها الصّلوات، وأمّ الكتاب أو القرآن والسّبع المثاني «سبع آيات» تُثنَّى في كل ركعة؛ أي: تعاد قراءتها، وسورة الحمد، ولها أسماء أخرى، ترتيبها في القرآن «١»، وترتيبها في النّزول الخامسة.
قيل: نزل بها الوحي مرتين الأولى في مكة عندما فرضت الصّلاة، والثّانية في المدينة عندما حولت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ارجع إلى سورة النحل آية (٩٨) للبيان، والآية (٣٦) من سورة البقرة.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾:
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: الباء للإلصاق أو الملازمة.
والاسم: نوعان: جامد ومشتق، والجامد: الذي يدل على اسم ذات، أو اسم معنى.
والمشتق: ما أُخذ من غيره مثل عالم من علم، والأسماء المشتقة مثل: اسم الفاعل، واسم المفعول … وغيرها.
بسم الله: تكتب بغير ألف كما في هذه الآية، وقد تكتب بألف كما في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، فلماذا تكتب بألف أو بدون ألف ذلك ليدلنا على أن رسم القرآن رسم توقيفي كما أنزله الله سبحانه لم يتغير ولن يتغير إلى قيام الساعة.
﴿اللَّهِ﴾: اسم العلم الدال على الذات الإلهية وهو الاسم الأعظم الذي تفرد به الإله المعبود، واجب الوجود، وكامل الصفات والنعوت، ليس كمثله شيء، والاسم الجامع لكل صفات الكمال الإلهية، وقد ذكر اسم الله -جل وعلا- في ألفين وستمئة وتسع وتسعين مرة في القرآن الكريم، كما ورد في المعجم المفهرس (٢٦٩٩).
ومن معاني بسم الله: أي: أقرأ مستعينًا بالله.
وأبدأ بالذي سخَّر لي هذا.
وأقبلت يا رب على قراءتي لا بقوتي ولا باقتداري، ولكن بقوَّتك وقدرتك.
وحين تقول: بسم الله، كأنك تدعوه باسمه الذي يشمل (٩٩) صفة منها العليم الحكيم القوي الخبير العزيز الرحيم العلي الكبير القدير …
وقد تكرَّرت هذه الآية (١١٣) مرة في القرآن في بداية كل سورة، إلَّا سورة التوبة. وذكرت في سورة النمل آية (٣٠).
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. يأتي تفسيرها في الآية (٣) من سورة الفاتحة.
والسؤال هنا: هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة، وحكم قراءة البسملة في الصلاة.
1 / 1
سورة الفاتحة [١: ٢]
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمد هو الثناء الكامل المطلق باللسان أو بالقلب لله سبحانه على إحسانه وفضله وكرمه وعطائه؛ حمد إجلال وتكبير على صفاته الذاتية.
والحمد لا يكون إلَّا لله تعالى وحده، ويتضمن الشكر، والحمد لله تعالى يشمل حمد الألوهية وحمد الربوبية.
فحمد الألوهية: لكونه -جل وعلا- الإله الحق الذي يستوجب الحمد.
فالله سبحانه يستحق الحمد لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه؛ ولأنّه لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذّل، حمدًا لوجوده وعدله وحكمه وقضائه وعلمه وحكمته.
وأمّا حمد الرّبوبية: فلأنّه هو المتكفل بخلق المخلوقات والموجودات وإنشائها القائم على هدايتها وإصلاحها، وكذلك هو الرّزاق والمربي والحفيظ والولي والنّاصر، نحمده على نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ونعمة التّبليغ والتّكليف ونعمة التسخير ونعمه الأخرى، والّتي لا تعد ولا تحصى.
أليس هو الّذي سخَّر لنا ما في السّموات وما في الأرض وأسبغ علينا نعمهُ ظاهرة وباطنة وأنعم علينا بنعمة الإيمان والإسلام وبنعمة القرآن، وأرسل إلينا خاتم رسله ﷺ.
أليس ذلك يستوجب الحمد؟ نحمده حمدًا طيبًا مباركًا يليق بعظمته وجلاله، والحمد للعطاء وللمنع فالمنع في حد ذاته عطاء فالحمد لله في السّراء والضّراء وإذا أعطى أو إذا منع.
الحمد لله، قيل: أصله أحمد الله حمدًا أو حمدت الله حمدًا، ثم أولًا: حذف الفعل أحمد أو حمدت اكتفاء بدلالة مصدره عليه وهو الحمد، وثانيًا: عدل إلى الرّفع لقصد الدّلالة على الثّبوت والدّوام حمدٌ لله؛ أي: حمدٌ ثابت مستمر منذ الأزل إلى الأبد فهو المحمود قبل حمد الحامدين وهو الغني عن حمد الحامدين الأولين والآخرين.
وثالثًا: جاء بأل التّعريف لتدل على كمال الحمد المصحوب بالعبودية له وحده والإخلاص والحب والتّعظيم والحمد لله مطلقة لا تختص بفاعل معين أو زمن معين، كما لو قال: أحمد الله أو حمدًا لله، فهذه تدل على فاعل وزمن معين.
والحمدُ لله جملة اسمية تدل على الثّبات، واستمرار الحمد، بحيث لا ينقطع ليلًا ونهارًا، كما لو قال: الحمدَ لله جملة فعلية تدل على التّجدد والتّكرار، والجملة الاسمية أقوى وآكد من الفعلية والحمد أعم من الشّكر فالحمد لا يكون إلَّا لله وحده، وأمّا الشّكر فقد يقال لمن أسدى إليك معروفًا. ويكون باللسان والجوارح (بالطاعة).
﴿لِلَّهِ﴾: اللام في لفظ الجلالة لام الاختصاص والاستحقاق، الله: هو الاسم الأعظم الّذي خص الله به بنفسه وقدَّمه على كل أسمائه الأخرى فهو علم على ذاته العلية، وعلى أنّه الإله الحق واجب الوجود والإله المعبود. وهو الاسم الجامع لكل الصفات الإلهية واسم الجلالة لا يشاركه فيه غيره لا يُثنى ولا يجمع.
﴿رَبِّ﴾: نعت للفظ الجلالة (الله) أو بدل، اسم الله الدال على كونه الخلاق الرّزاق والمربي لعباده والمالك والسيد والمدبر والمحي والمميت والقيوم على شؤون خلقه تدبيرًا وتصريفًا.
﴿الْعَالَمِينَ﴾: جمع عالم، العالم اسم جنس تشمل كل العوالم عالم الجن والإنس والملائكة والحيوان والنّبات والجماد والذّر وغيرها، وغلب العقلاء على غيرهم فقال العالمين، وهناك من يطلق على المخلوقات غير العاقلة عوالم.
الحمد لله؛ لأنّه رب العالمين يعطي الكل المؤمن والكافر والمطيع والعاصي من عطاء الرّبوبية يعطي كل مخلوق هدايته وحاجته ومعاشه وما يصلحه.
1 / 2
سورة الفاتحة [١: ٣]
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾:
قابل سبحانه الحمد والثّناء له؛ لأنّه الرّحمن الرّحيم.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: اسمان من أسمائه مشتقان من الرّحمة ويجريان مجرى الصفة.
فالرحمن: صيغة مبالغة من الرّحمة كثرة الرّحمة على وزن فعلان الّتي تدل على التّجدد والتّكرار والرّحمن هو من عمَّت رحمته جميع المخلوقات في الدّنيا المؤمن والكافر والمطيع والعاصي فهو رحمن الدّنيا.
هذه الرّحمة الّتي تتضمن الإيجاد والرزق والهداية والإنعام والإحسان.
الرّحيم: صيغة مبالغة من الرّحمة على وزن فعيل الّتي تدل على الثّبوت أي: دائم ثابت الرّحمة الرّحيم بعباده المؤمنين في الدّنيا والآخرة رحمة خاصة فالرّحمن صفة عامة تشمل كل مخلوق والرّحيم صفة خاصة للمؤمنين.
فكون الرّحمن الرّحيم فهو جمع الصّفتين معًا؛ أي: رحمة ثابتة دائمة لا تنقطع، وكذلك تتجدد وتتكرر لعباده لمن هو في حاجة إليها ويطلبها منه، وقدم الرحمن على الرحيم قدم العام (الرحمن) على الخاص (الرحيم).
1 / 3
سورة الفاتحة [١: ٤]
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾:
لها قراءتان مالك يوم الدّين، وملك يوم الدّين، والقراءتان صحيحتان.
﴿مَالِكِ﴾: أو ملك: أي الحاكم وحده يوم الدّين؛ أي: يوم الحساب والجزاء فيكافئ ويجازي كلًّا على عمله، وملك أي: صاحب الملك من التّملك فهو مالك وملِك السّموات والأرض وما فيهن ومالك وملك كل الأشياء والأوقات والزّمان والأيام بما فيها يوم الدّين.
﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾: أي: يوم الحساب والجزاء والدِّين له معان كثيرة أيضًا منها الطّاعة والشّريعة والخضوع والقهر. والدِّين في اللغة: الجزاء: أي: يوم الجزاء والثواب.
فيوم الدِّين: أعمُّ وأشمل من يوم القيامة ومن يملك يوم الدّين، يعني: يملك ما يجري فيه من الأحداث ويملك الزّمان، وبما أنّه يوم الجزاء والجزاء لا ينتهي، ويمتد إلى الآخرة ليشمل الخلود في الجنة أو في النّار.
1 / 4
سورة الفاتحة [١: ٥]
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾:
﴿إِيَّاكَ﴾: ضمير فصل وتقديم إياك على نعبد يفيد الحصر والاختصاص أي: لا نعبد إلَّا أنت.
﴿نَعْبُدُ﴾: العبادة هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر أو نهى والعبادة لا تكون إلَّا للخالق وتعني الخضوع ولها جزاء، ولا تكون إلَّا مع المعرفة بالمعبود. ارجع إلى سورة النحل الآية (٧٣) لمزيد من البيان في معنى العبادة.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: أي: لا نستعين إلَّا بك وحدك، نستعين نطلب العون للوصول إلى الغاية، نستعين بك في كل حركة وقول وفعل كل أمر وكل شيء في العبادة والطّاعة والرّزق والهم والغم والعجز والكسل، وفي كل أمر من أمور الدّنيا والآخرة.
وتكرار إياك للتوكيد وفصل كلًا من العبادة عن الاستعانة فقد نعبد الله، ولا نطلب منه الاستعانة أو نستعينه ولا نعبده، ولذلك لم يقل: إياك نعبد ونستعين كيلا تصبح العبادة مشروطة بالاستعانة أو الاستعانة مشروطة بالعبادة، وإياك نعبد تدل على حق الرّب، وإياك نستعين تدل على حق العبد.
وقوله: نعبد: لم يحدد نوع العبادة، بل أطلقها لتشمل كل أنواع العبادات.
وقوله: نستعين: لم يحدِّد نوع الاستعانة وأطلقها لتشمل كل أنواع الاستعانة المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، وقرن العبادة بالاستعانة؛ لأن العبد يحتاج إلى الاستعانة بالله لكي يقوم بالعبادة، ولولا عون الله تعالى ما استطاع العبد أن يعمل شيئًا.
ولم يقل: إياك أعبد وإياك أستعين بصيغة الإفراد، وإنما جاءت بصيغة الجمع إشارة إلى أفضلية الدّعاء بصيغة الجمع بدلًا من الدّعاء أو الاستعانة بصيغة الإفراد أو صلاة الفرد، وقدَّم العبادة على الاستعانة؛ لأنّ العبادة فرض وحق الله تعالى على العبد، والاستعانة ليست فرض وإنما طلب وحق للعبد فقدَّم حق الله على حق العبد والعبادة هي الغاية الأولى لخلق الإنس والجن والاستعانة وسيلة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وملاحظة أخرى: مطلع الآيات في الفاتحة جاءت بصيغة الغائب، ثم تحولت إلى صيغة المخاطب بدءًا من قوله: إياك نعبد وإياك نستعين والسّر في ذلك أنّ الثّناء في حالة الغيبة أولى وأفضل والدّعاء في حالة الحضور «المخاطب» أولى وأفضل.
إياك نعبد تدل على الخضوع والتّواضع فهي دواء للكبر، وإياك نستعين دواء للضعف والعجز، واهدنا الصّراط المستقيم دواء للجهل.
1 / 5
سورة الفاتحة [١: ٦]
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾:
﴿اهْدِنَا﴾: دعاء يتكرر سبع عشرة مرة في اليوم في صلاة الفرض فقط فما بالك أيضًا بصلاة السنة وغيرها من الصلوات؛ الهداية: تعني الدلالة والإرشاد والتوفيق والإلهام وتعني أيضًا: وفقنا للاستقامة على الصراط المستقيم، وأقمنا على ذلك، وتكرار هذا الدعاء يدل على أهمية المطلوب، ويدل على أن الإنسان بحاجة إلى هداية ربه مهما بلغ من العلم والإيمان؛ لأنه ليس معصوم من الزلل.
واهدنا: بصيغة المخاطب أو الخطاب المباشر من العبد إلى ربه، والدعاء بصيغة الخطاب أولى وأقوى من الدعاء بصيغة الغائب، واهدنا بصيغة الجمع مقارنة بالقول اهدني الصراط المستقيم، والدعاء بصيغة الجمع أفضل من الدعاء بصيغة الإفراد حيث ندعو للمؤمنين كما ندعو لأنفسنا.
﴿الصِّرَاطَ﴾: هو الطّريق الواسع، أوسع الطرق أو السبل، المستقيم: الذي لا عوج فيه وبذلك يكون الأقصر والأسهل وأسلم الطّرق الموصلة إلى الغاية وهي رضوان الله تعالى والجنة، فالصراط ليس هو الغاية وإنما هو الوسيلة الموصلة للغاية.
والصراط: أفضل من السبيل أو الطريق، والصراط: في هذه الآية جاءت معرفة بأل التعريف التي تدل على الكمال، وتعني: البين الواضح وفي الآية (٧) في نفس السورة قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ جاءت كلمة صراط مضافة ومعرفة بصراط الذين أنعمت عليهم، والصراط المستقيم: هو نفسه صراط الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين.
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أي: دين الإسلام الدّين الحق الدّين القيم الموصل إلى الغاية بأقصر السّبل وأيسرها وأسلمها.
قال سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ولم يقل: اهدنا إلى الصّراط المستقيم أو اهدنا للصراط المستقيم.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أي: هم على الصّراط المستقيم الآن ويسألونه الهداية للسير فيه وتعريفهم عليه والثّبات والاستقامة والاستمرار للوصول إلى النّهاية والغاية.
أما اهدنا إلى الصّراط المستقيم: تعني هم خارج الصّراط الآن أو بعدين عنه، ولا يعرفونه ويسألونه لدلالة والمعرفة لكي يسلكوا الصّراط المستقيم.
وأما اهدنا للصراط المستقيم: تعني هم وصلوا إلى النّهاية والغاية أو أتموا السّير على الصّراط كالأنبياء والصّديقين والشّهداء والصّالحين الّذين سبقونا.
1 / 6