تذکرة الحفاظ

تذكرة الحفاظ

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1419 ہجری

پبلشر کا مقام

بيروت

المجلد الأول
مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد؛ فإن الحديث النبوي الشريف قد استحوذ على هم الصحابة والتابعين وكل العلماء، فما من صغيرة ولا كبيرة، وما من أمر عظيم أو دقيق، حتى ما يتعلق في جزئيات حياته ﷺ من طعام أو شراب أو قيام أو قعود أو سفر أو حضر أو التفاتة إلا وأحاطوها بالعناية الكبرى فحفظوها وتناقلوها جيلا بعد جيل، وأمة بعد أمة، فالصحابة إذًا هم ذوو الفضل ولهم اليد الكريمة والعظيمة في علم الرواية للحديث حيث وضعوا القوانين والمبادئ التي تحقق ضبط العدل للحديث، ومن هم الرجال الذين يؤخذ عنهم ويُسمع منهم ومن هم الذين يترك كلامهم ولا تقبل منهم روايتهم.
ولقد وضع العلماء لرواة الحديث ألقابا كل حسب درجته وقوة ذكائه وكثرة حفظه وغير ذلك، ومن هذه الألقاب:
١- المسند: وهو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد الرواية.
٢- المحدث: وهو كما قال ابن سيد الناس: "من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواة، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه" انظر تدريب الراوي ص١١. وقسم الرواة ص١٩٧.
٣- الحافظ: وهو أرفع من المحدث وفي تعريفه يقول ابن الجزري: "من روى ما يصل إليه ووعى ما يحتاج لديه".
٤- الحجة: وهو الحافظ العظيم الإتقان والمدقق فيما يحفظ من الأسانيد والمتون تدقيقا بالغا ليصل حينذاك إلى لقب الحجة. أما المتأخرون من العلماء فقد عرفوه بأنه الذي يحفظ ثلاثمائة ألف حديث مع معرفة أسانيدها ومتونها.
٥- الحاكم: وهو الذي أحاط علما بجميع الأحاديث حتى لا يفوته منها إلا اليسير.

1 / 3

٦- أمير المؤمنين في الحديث: وهو الذي فاق حفظا وإتقانا في علم الأحاديث ومن هؤلاء: سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم. أما من المتأخرين فمنهم الحافظ بن علي بن حجر العسقلاني.
ولقد صنف الإمام الذهبي "تذكرة الحفاظ" جمع فيها من لقب بالحفاظ بالمعنى الذي يشمل الحافظ والحجة فما فوق.
الذهبي:
هو الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله، التركماني الأصل، الفارقي ثم الدمشقي، أبو عبد الله شمس الدين الذهبي.
هكذا ذكر نسبه الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة" ويذكر لمحات عن حياته فيقول:
ولد في ثالث ربيع الآخر سنة ٦٧٣، وأجاز له في تلك السنة بعناية أخيه من الرضاعة الشيخ علاء الدين ابن العطار أحمد بن أبي الخير وابن الدرجي وابن علان وابن أبي اليسر وابن أبي عمر والفخر علي.
مهر في فن الحديث وجمع فيه المجاميع المفيدة الكثيرة حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا، فله:
أخبار أبي مسلم الخراساني، أخبار قضاة دمشق، الإعلام بالوفيات، تاريخ الإسلام في اثني عشر مجلدا، التبيان في مناقب عثمان بن عفان، التجريد في أسماء الصحابة، تحريم الأدبار مجلدين، تشبيه الخسيس بأهل الخميس، التعزية الحسنة بالآخرة، تقويم البلدان، توقيف أهل التوقيف في مناقب أبي بكر الصديق، تهذيب التهذيب في أسماء الرجال، الدرة اليتيمة في سيرة ابن تيمية أعني تقي الدين أحمد، دول الإسلام في التاريخ. الروع والأوجال في نبأ المسيح والدجال، سيرة الحلاج، سير النبلاء في التاريخ والتراجم في عشرين مجلدا، العبر في خبر من غبر، العذب السلسل في الحديث المسلسل، العلو للعلي الأعلى الغفار في إيضاح الأخبار، عنوان السير في ذكر الصحابة، فتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب، قض نهارك بأخبار ابن مبارك، الكاشف في أسماء الرجال، المقتضب من تهذيب الكمال للمزي، كتاب العرش وصفته، كتاب الكبائر جزآن، كتاب الوتر، كشف الكربة عند فقد الأحبة، ما بعد الموت مجلد، المجرد في رجال الكتب الستة المختصر في محدثي العصر، مختصر سلاح المؤمن، مختصر معجم الشيوخ، المستحلى في اختصار المحلى، مشتبه النسبة في الأنساب، المعجم الصغير المسمى

1 / 4

باللطيف، المعجم الكبير، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، المغني في الضعفاء وبعض الثقات، المقتنى في سرد الكنى، منية الطالب لأعز المطالب، ميزان الاعتدال في نقد الرجال مجلدين مطبوع في الهند، نعم السمر في مناقب عمر ﵁، نقض الجعبة في أخبار شعبة، هالة البدر في عدد أهل بدر وغير ذلك١.
رأي العلماء في الإمام الذهبي:
يقول تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى "٩/ ٢٠١، ١٠٢": "وأما أستاذنا أبو عبد الله، فبَصَر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذَهَبُ العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها أخبار من حضرها".
ثم يقول أيضا:
"وسمع منه الجمع الكثير، وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير الشمس إلا أنه لا يتقلص بالمطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليال" "٩/ ١٠٣".
ويقول ابن كثير في "البداية والنهاية" "١٤/ ٢٥٥":
"وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه".
ويقول ابن شاكر الكتبي في "فوات الوفيات" "٢/ ٣٧٠":
"حافظ لا يجارى، ولاحظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس وأبان الإبهام في تواريخهم والإلباس. جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤنة التطويل في التأليف".
ويذكر ابن حجر مدح الصلاح الصفدي له فيقول:
"لم يكن عنده جمود المحدثين ولا كودنة "بلادة" النقلة، بل كان فقيه النفس، له دربة بأقوال الناس".
أما في نهاية حياته فيقول الإمام ابن حجر:
"وكان قد أضر قبل موته بسنوات، وكان يغضب إذا قيل له لو قدحت عينك لأبصرت؛ لأنه كان نزل فيها ماء، ويقول: ليس هذا ماء أنا ما زلت أعرف بصري ينقص قليلا قليلا إلى أن تكامل عدمه". ومات في ليلة الثالث من ذي القعدة سنة ٧٤٨هـ".

١ انظر هدية العارفين "٢/ ١٥٤، ١٥٥".

1 / 5

الطبقة الأولى من الكتاب:
١- ١/١ ع أبو بكر الصديق ﵁: أفضل الأمة وخليفة رسول الله ﵌ ومؤنسه في الغار، وصديقه الأكبر، وصديقه الأشفق، ووزيره الأحزم، عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشي التيمي قد أفردت سيرته في مجلد وسط.
وكان أول من احتاط في قبول الأخبار فروى بن شهاب عن قبيصة بن ذويب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله ﵌ ذكر لك شيئا ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ﵌ يعطيها السدس. فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ﵁.
ومن مراسيل بن أبي مليكة أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه.
فهذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري لا سد باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة، فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج.
وحديث يونس عن الزهري أن أبا بكر حدث رجلا حديثا فاستفهمه الرجل إياه فقال أبو بكر: هو كما حدثتك، أي أرض تقلني إذا أنا قلت ما لم أعلم؟ وصح أن الصديق خطبهم فقال: إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار.
وقال علي بن عاصم وهو من أوعية العلم لكنه سيء الحفظ أنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: إياكم والكذب؛ فإن الكذب

1 / 9

مجانب الإيمان. قلت: صدق الصديق فإن الكذب أس النفاق وآية المنافق والمؤمن يطبع على المعاصي والذنوب الشهوانية لا على الخيانة والكذب، فما الظن بالكذب على الصادق الأمين صلوات الله عليه وسلامه وهو القائل: "إن كذبا علي ليس ككذب على غيري، من يكذبْ علي بني له بيت في النار" ١ وقال: "من يقل علي ما لم أقل" ٢، الحديث. فهذا وعيد لمن نقل عن نبيه ما لم يقله مع غلبة الظن أنه ما قاله فكيف حال من تهجم على رسول الله ﷺ وتعمد عليه الكذب وقوله ما لم يقل، وقد قال ﵇: "من روى عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ٣ فإنا لله وإنا إليه راجعون ما ذي إلا بلية عظيمة وخطر شديد ممن يروي الأباطيل والأحاديث الساقطة المتهم نقلتها بالكذب، فحق على المحدث أن يتورع في ما يؤديه وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته، ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكى نقله الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء والتحري والإتقان وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد
قال الله تعالى ﷿: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فإن آنست يا هذا من نفسك فهما وصدقا ودينا وورعا وإلا فلا تتعن وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأى والمذهب فبالله لا تتعب وإن عرفت إنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله فأرحنا منك فبعد قليل ينكشف البهرج وينكب الزغل ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فقد نصحتك فعلم الحديث صلف فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب.
نعم؛ فرأس الصادقين في الأمة الصديق وإليه المنتهى في التحري في القول وفي القبول.
وقد نقل الحاكم فقال: حدثني بكر بن محمد الصيرفي بمرو أنا محمد بن موسى البربري أنا المفضل بن غسان أنا علي بن صالح أنا موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن عن إبراهيم بن عمر بن عبيد الله التيمي حدثني القاسم بن محمد قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا قالت: فغمني

١ رواه البخاري في كتاب الجنائز باب ٣٤.
٢ رواه ابن ماجه في المقدمة باب ٤. "٢٢١"
٣ رواه أحمد في مسنده "١/ ١١٣" "٤/ ٢٥٠، ٢٥٢، ٢٥٥".

1 / 10

فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنا فحرقها فقلت: لم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذاك. فهذا لا يصح والله أعلم.
توفي الصديق ﵁ لثمانٍ بقين من جمادي الآخرة من سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة.
٢- ٢/ ١ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أبو حفص العدوي الفاروق:
وزير رسول الله ﷺ ومن أيد الله به الإسلام وفتح به الأمصار وهو الصادق المحدث الملهم الذي جاء عن المصطفى ﷺ أنه قال: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" ١ الذي فر منه الشيطان وأعلى به الإيمان وأعلن الأذان.
قال نافع بن أبي نعيم عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي ﵌ "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ".
فيا أخي إن أحببت أن تعرف هذا الإمام حق المعرفة فعليك بكتابي "نعم السمر في سيرة عمر" فإنه فارق فيصل بين المسلم والرافضي، فوالله ما يغض من عمر إلا جاهل دائص أو رافضي فاجر وأين مثل أبي حفص؟! فما دار الفلك على مثل شكل عمر وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له، فرجع فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع" قال: لتأتيني على ذلك بينة أو لأفعلن بك فجاءنا أبو موسى ممتقعا لونه ونحن جلوس فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم كلنا سمعه فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره. أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث؛ لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم؛ إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد، وقد كان عمر من وجله أن يخطىء الصاحب على

٢- تهذيب الكمال: ٢/ ١٠٠٦. تهذيب التهذيب: ٧/ ٤٤١ "٧٢٥". تقريب التهذيب: ٢/ ٥٤. خلاصة تهذيب الكمال: ٢/ ٢٦٨. الكاشف: ٢/ ٣٠٩. الثقات: ٨/ ٤٤٧.
١ رواه البخاري في كتاب الأدب باب ١٠٩.

1 / 11

رسول الله ﵌ يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن.
وقد روى شعبة وغيره عن بيان عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال: لما سيرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر وقال: أتدرون لم شيعتكم؟ قالوا: نعم تكرمة لنا قال: ومع ذلك أنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم. فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حدثنا فقال: نهانا عمر ﵁.
الدراوردي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقلت له: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته.
معن بن عيسى أنا مالك عن عبد الله بن إدريس عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ.
ابن علية عن رجاء بن أبي سلمة قال: بلغني أن معاوية كان يقول: عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله ﷺ.
وروى هشام عن أبيه عن المغيرة بن شعبة أن عمر استشارهم في أملاص المرأة يعني السقط فقال له المغيرة: قضى فيه رسول الله ﷺ بغرة، فقال له عمر: إن كنت صادقا فأت بأحد يعلم ذلك. قال: فشهد محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ قضى به. وروى صفوان بن عيسى أنا محمد بن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر قال: كان للعباس بيت في قبلة المسجد فضاق المسجد على الناس فطلب إليه عمر البيع فأبى، فذكر الحديث وفيه فقال عمر لأبي: لتأتيني على ما تقول ببينة فخرجا فإذا ناس من الأنصار قال: فذكر لهم قالوا: قد سمعنا هذا من رسول الله ﷺ فقال عمر: أما إني لم أتهمك ولكني أحببت أن أتثبت.
وقال بن عيينة رأى عمر بن الخطاب ﵁ مع أبي جماعة فعلاه بالدرة فقال أبي: اعلم ما تصنع يرحمك الله. فقال عمر: أما علمت أنها فتنة للمتبوع مذلة للتابع.
استشهد أمير المؤمنين عمر في أواخر ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين وعاش نحوا من ستين سنة فمنهم من يقول عاش خمسين سنة والأرجح أنه عاش ثلاثا وستين سنة ﵁.

1 / 12

٣- ٣/ ١ع- أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أبو عمرو الأموي ذو النورين: ومن تستحي منه الملائكة، ومن جمع الأمة على مصحف واحد بعد الاختلاف، ومن افتتح نوابه إقليم خراسان وإقليم المغرب، وكان من السابقين الصادقين القائمين الصائمين المنفقين في سبيل الله، ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وزوجه بابنتيه رقية وأم كلثوم ﵃ أجمعين. من نظر في تحريه وقت أمره بجمع القرآن علم مرتبته وجلالته، وقد أفردت سيرته في مصنف، عداد في السابقين الأولين وفي العشرة المشهود لهم بالجنة وفي الخلفاء الراشدين، وهو أفضل من قرأ القرآن على النبي ﷺ، هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وروى جملة كثيرة من العلم. روى عنه بنوه عمرو وأبان وسعيد ومولاه حمران وأنس بن مالك وأبو أمامة بن سهل والأحنف بن قيس وسعيد بن المسيب وأبو وائل وطارق بن شهاب وأبو عبد الرحمن السلمي وعلقمة بن قيس ومالك بن أوس بن الحدثان وخلق سواهم وعداده في البدريين لأن النبي ﷺ أمره أن يتخلف على زوجته رقية ابنة رسول الله ﷺ وضرب له بسهمه وأجره. هاجت رؤوس الفتنة والشر وأحاطوا به وحاصروه ليخلع نفسه من الخلافة وقاتلوه قاتلهم الله فصبر وكف نفسه وعبيده حتى ذبح صبرا في داره والمصحف بين يديه وزوجته نائلة عنده وتسور عليه أربعة أنفس. وقتله سودان بن حمران يوم الجمعة ثامن عشر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، وعاش بضعا وثمانين سنة. كان من أقران النبي ﷺ وأبي بكر الصديق وكان أكبر من علي بثمان وعشرين سنة أو أكثر، وكان ممن جمع بين العلم والعمل والصيام والتهجد والإتقان والجهاد في سبيل الله وصلة الأرحام فقبح الله الرافضة.
قال هشام بن يوسف الصنعاني: أخبرنا عبد الله بن بحير عن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته ﵁.
٤- ٤/ ١ع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أبو الحسن الهاشمي:

٣- تهذيب التهذيب: ٧/ ١٣٩ "٢٨٩". تقريب التهذيب: ٢/ ١٢. تاريخ البخاري الكبير: ٢٠٨٦. الجرح والتعديل: ٦/ ١٦٠. تاريخ الثقات: ١١٠٩. شذرات الذهب: ١/ ١٠، ٢٥، ٣٠، ٣٣، ٤٣، ٤٥. نسب قريش: "١١٠" جمهرة أنساب العرب. ٨٣. أنساب الأشراف: ٤٤، ٤٥. أسماء الصحابة الرواة: ت: ٢٨.
٤- تهذيب الكمال: ٢/ ٩٧١. تهذيب التهذيب: ٧/ ٣٣٤ "٥٦٥". تقريب التهذيب: ٢/ ٣٩. خلاصة تهذيب الكمال: ٢/ ٢٥٠. تاريخ البخاري الكبير: ٦/ ٢٥٩. تاريخ البخاري الصغير: ١/ ٤٣٥. الجرح والتعديل: ٦/ ١٩١. أسد الغابة: ٤/ ٩١. الرياض المستطابة: ص١٦٣. تاريخ بغداد: ١/ ١٣٣. الإصابة: ٢/ ١٠٥. البداية والنهاية: ٧/ ٢٢٣، ٣٢٤، شذرات: ١/ ٤٩. تاريخ الخففاء: ١٦٦. تجريد أسماء الصحابة: ١/ ٣٩٢.الاستبصار: ٣٩٠. الحلية: ٢/ ٨٧، ٦١. طبقات ابن سعد: ٩/ ١٣٧. أسماء الصحابة الرواة: ت: ١٠.

1 / 13

قاضي الأمة وفارس الإسلام وختن المصطفى ﷺ، كان ممن سبق إلى الإسلام لم يتلعثم وجاهد في الله حق جهاده ونهض بأعباء العلم والعمل وشهد له النبي ﷺ بالجنة، وقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" ١ وقال له "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" ٢ وقال: "لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" ٣.
ومناقب هذا الإمام جمة أفردتها في مجلدة وسميته "بفتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ﵁" وكان إماما عالما متحريا في الأخذ بحيث أنه يستحلف من يحدثه بالحديث فقال عثمان بن المغيرة الثقفي عن علي بن ربيعة عن أسماء بن الحكم الفزاري أنه سمع عليا يقول كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه وكان إذا حدثني عنه غيره استحلفته فإذا حلف صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: "ما من عبد مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له" ٤ رواه مسعر وشريك وسفيان وأبو عوانة وقيس عنه وإسناده حسن.
قرأت على أبي الفضل بن عساكر عن عبد المعز بن محمد أنا تميم بن أبي سعيد المقرئ أنا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن سنة تسع وأربعين وأربع مائة أنا محمد بن محمد الحافظ أنا أبو جعفر محمد بن الحسين الخثعمي بالكوفة أنا إسماعيل بن موسى الفزاري أنا عاصم بن حميد الحناط أو رجل عنه قال: ثنا ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال: أخذ علي ﵁ بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان فلما أصحرنا جلس ثم تنفس فقال: يا كميل القلوب أوعية فخيرها أوعاها احفظ ما أقول لك الناس ثلاثة فعالم رباني وعالم متعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيؤوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق العلم خير من المال يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل والمال ينقصه النفقة، ومحبة العالم دين يدان بها باكتساب اطاعة في حياته وجميل إلا حدوثه بعد موته وصنيعه، وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه مات، خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة، ها إن

١ رواه الترمذي كتاب المناقب باب ١٩. ابن ماج/ ٥ في المقدمة باب ١١.
٢ رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب ٩ الترمذي في كتاب المناقب باب ٢٠. ابن ماجه في كتاب المقدمة باب ١١.
٣ رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب ٤. مسلم في كتاب الإيمان حديث ١٢٩، ١٣١.
٤ رواه أبو داود في كتاب الوتر باب ٢٦. الترمذي في كتاب الصلاة باب ١٨١.

1 / 14

هاهنا- وأشار بيده ﵁ إلى صدره- علما لو أصبت له حملة، بلى أصبته لقنا غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له في إحيائه يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة اللهم لا ذا ولا ذاك أو منهوما باللذة سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال والإدخار ليسا من دعاة الدين، أقرب شبها بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلي لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر تلك أبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى. أولئك خلفاء الله في بلاده والدعاة إلى دينه هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم وأستغفر الله لي ولك إذا شئت فقم رواه ضرار بن صرد عن عاصم بن حميد.
ويروى من وجه آخر عن كميل وإسناده لين؛ ففيه تنبيهات على صفات العالم المتقن والعالم الذي دونه والهمج المخلط في دينه أو علمه، وزاد فيه ضرار وليس بمعتمد عليه بعد قوله هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا منه ما استوعر منه المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في بلاده والدعاة إلى دينه.
سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي قال: ما كتبنا عن رسول الله ﵌ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة.
شريك عن أبي إسحاق قال سمعت خزيمة بن نصير قال سمعت عليا يقول بصفين قاتلهم الله أي عصابة بيضاء سودوا، وأي حديث من حديث رسول الله ﵌ أفسدوا.
شعبة عن عمارة بن أبي حفصة عن قيس بن عباد قال: دخلت المدينة ألتمس العلم والشرف فرأيت رجلا عليه بردان له ضفيرتان واضعا يده على عاتق عمر فقلت: من هذا فقالوا: علي بن أبي طالب ﵁.
زياد بن خيثمة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: ألا أنبئكم بالفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يؤمنهم مكر الله.
وقال معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن علي قال: حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله. فقد زجر الإمام علي ﵁ عن رواية المنكر وحث علي التحديث بالمشهور وهذا أصل كبير في الكف عن بث الأشياء

1 / 15