تأملات في الدين والحیات
تأملات في الدين والحياة
[تأملات في الدين والحياة]
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة لم أكن أتخيل فى طفولتى ولا يفاعتى أننى سأكون يومآ ما داعية إلى الدين. وما حسبت ولا حسب القريبون منى أننى أصلح للعمل فى هذا الميدان الذى تواضع الناس على ترشيح أقوام معينين له، يمتازون بطراز خاص من الخلق والسلوك، ويضفى المجتمع عليهم تقاليد دقيقة تتحكم فى بيئاتهم وهيئاتهم... وسائر مناحى حياتهم. إننى لا أطيق التزمت، ولو تكلفته ما أحسنته! وأحب أن أسترسل مع سجيتى فى أخذ الأ مور وتركها، وقلما أكترث للتقاليد الموضوعة... والمفروض أن اللازمة الأولى فى رجال الدين- كما يسمون- أنهم أهل توقر وسكون. وأنا أجنح إلى المرح عن رغبة عميقة، وأتلمس الجوانب الضاحكة فى كل شىء، وأود لو استطعت أن أعيش هاشآ باشآ... والمفروض أن الناس يتوقعون من أمثالنا تواصل الأحزان، وإطراق الكآبة، وحتى يكون تذكيره بالآخرة، وإنذاره العصاة بالنار، متفقآ مع مخايل الجد والعبوس التى لا تفارق وجهه أبدآ!! ثم إنى شعبى فى تصرفى، لو كنت ملكآ لأبيت إلا الانتظام فى سلك الأخوة المطلقة مع الجماهير الدنيا، أخدمهم ويخدموننى على سواء! وقد فكر أحد الفراشين أن يزوجنى ابنته، يحسبنى غير متزوج! وضحكت مسرورآ، لأن الرجل لم يلمح فى نفسى أثارة من كبرياء تصده عنى أو تصدنى عنه، برغم ما يفرضه الناس بيننا من تفاوت شاسع فى الطبقات!! ولماذا أمضى فى شرح نفسى؟ وماذا يعنى القراء من ذلك؟ الذى يهم أن مؤهلات "رجل الدين " الذى يمشى رويدا ، وينحصر فى حدود حكمة من المراسم، ويشرف من قمته على الناس، ويرسل يده لتقبلها العامة.. إلى آخر كل ذلك كان وما زال بعيدا عنى. وقد تكون الأيام غيرت منى، والتجارب القاسية علمتنى ، فجعلتنى وأنا الضحوك المبتهج- أغوص فى بحار من الأكدار، أو أتحرى موضع قدمى وأنا أسير بين الناس،
صفحہ 1
ص _004 كأنما أحاذر شراكآ منصوبة، أو أصعر خدى.. علم الله لا عن كبر- بل إحجامآ عن قبول الدنية ورفضآ لهضم الحقوق! وما اضطررت إليه من عمل ينافى طبعى، فإن مرده طبيعة الأحوال التى أحيا فيها، وليس ألبتة من طبيعة الرسالة التي أؤديها بعد ما صرت إلى ما خطه القدر لى، أى رجلآ من الدعاة إلى الله! وهمزة وصل بين الأرض والسماء! . وقد استبان لى بعد ما درست الدين عن بصر وعلى مكث، أن الخصال التى تردنى فى وهم الناس عنه، هى أصدق المرشحات لحمل تعاليمه والوصول بالبشرية إلى أهدافه! وعلمت بعد اختبار صحيح للرجال الملتصقين بالدين من رسميين وشعبيين، وللرجال المبتعدين في الدين من ملحدين ومتهمين، صدق ما قاله النبى صلوات الله عليه وسلامه: "رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة". إن العصاة الضارعين أدنى إلى الله من الزهاد المدلين، وإن الرجل الذى يشبه الطفل فى مسالكه أقرب إلى فطرة الله من أولئك الذين أحاطوا أشخاصهم بهالات من التصنع الدقيق لما يفعلون ويتركون. ولا ريب أنه- بعيدا عن دائرة الدين- يوجد قطعان من الناس نزلوا إلى درك سحيق من الفساد، كبارهم وحوش، وصغارهم ذباب... ووظيفة الأنبياء الأولين - ومن خلفهم فى القيام على رسالتهم- بذل الجهد فى تقويم هؤلاء، وإسداء النصح لهم، والحيلولة بينهم وبين موارد الشر، التى يتهاوون إليها بغرائزهم. وهذا أجل عمل يمنحه إنسان إنسانا. وما يستطيعه فى هذه الحياة إلا الأقلون، بل إن الطاقة الروحية الدافقة التى تسكب من نقائها على القلوب الملوثة فتغسلها من أدرانها ، وترفعها عن حضيضها ، ليست متاحة لمن ابتغاها من الناس، ولكن القدر يصطفى لذلك مواهب وكفايات فريدة (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون). وأين الديانون الذين يريدون للحياة صوابها إذا فقدت صوابها؟ إنهم قليلون جدا. ص _005 والناس يحتسبون فى حملة الوحى الداعين إلى الله: أن غرائز الحياة ماتت فى دمائهم، وأن تجردهم لما عرفوا به يتقاضاهم ذلك!. وهذا خطأ، فإن الواجب فى حق هؤلاء أن يكون ما عند الله أرجح فى نفوسهم من غرائز الحياة كلها، ومعنى ذلك أن حظهم من الدنيا قد يكون أكبر فى حقيقته من حظوظ غيرهم، ولكنه مهما كبر يتضاءل أمام ما فى نفس الرجل المؤمن من حب للخير ، وتضحية فى سبيله! والتقى حقآ هو الرجل الذى أوتى من علو الهمة وطول الباع ما يمكنه من تملك الدنيا... ثم هو قد أوتى إلى جانب ذلك من صدق اليقين واحترام الحق والنزوع إلى الكمال ما يجعله يزدرى ذلك كله فى ساعة فداء وتضحية! وقد اختلطت بفئات شتى تنتسب إلى الدين فراعنى أن هذا الصنف- كما قلت- عزيز المنال. هناك جمهور ضخم من العامة سليم الصدر صريح الهدف يشترك مع الملأ الأعلى فى نقاء صحيفته واستقامة سريرته. وهناك نفر من المرشدين مشموا فى آثار النبوة وصدقوا الله جهادهم ومحضوه عملهم.. بيد أنه كما ظهر قديمآ أنبياء كذبة يوجد متاجرون بالدعوة إلى الله مصابون فى عقولهم أو ضمائرهم بلوثات عكرت رونق الدين، وأفسدت شئون الحياة. وقد يسبق الوهم إلى أنى أقصد فقط طوائف المحترفين المعروفين... ولئن كان هؤلاء ممن نعنيهم... إنهم ليسوا الخطر كله... فلنذكر فى معرض الزراية عشرات من الرجال المدنيين أخفقوا فى أعمالهم وانهزموا فى ساحتها... ثم، كما يتحول اللص العاجز إلى واحد من رجال الشرطة، يتحول أولئك المهزمون إلى مبشرين بالدين، ويزحمون "الجمعيات " الدينية ليحرسوا الإيمان! وكان أولى بهم- لو عقلوا - أن يخدموا الدين إتقان الأعمال التى توفروا عليها وتخصصوا فيها... لا أن يخدموه بالخطب والمظاهرات، فإن بلاء الدين بدأ يوم تحول طقوسا وتلاوات، وانقطع عن ملاحقة العمران، والهيمنة على البواعث والغايات فى أعمال الإنسان. فى هذا الكتاب صور وخواطر، وبحوث ولفتات، لا يجمعها فى نسق مؤتلف إلا هذا العنوان العام "تأملات فى الدين والحياة "، وقد كتبت أكثرها منذ أعوام. وربما كانت فى وضعها الجديد قد تجردت من الملابسات التى أوحت بها، إلا أن ذلك ص _006
صفحہ 4
لا يغض من قيمتها، فقد عالجت أمورا لا تزال تستحق المزيد من النقد والنظر! وخير ما فيها أنها عرضت الدين على الناس نابضا بالحياة والحركة، ونشدت للحياة ضوابط الإيمان والتقى. وعهد الناس بالدين أنه طريق إلى البلى. وبالدنيا أنها لا تنضج وتشتهى إلا بعيدة عن وحيه وهداه.. " من هذه التأملات ألفت عدة كتب قرأها الناس بحوثا مستقلة بعد ما طالعوها مقالات مبعثرة. وقد يلحظ القراء تشابها فيما سيجدونه هنا من فكر طوال أو قصار، وبين ما ظهر لغيرى من رسائل ومؤلفات. ربما كان اتحاد الطريق والوجهة سر هذا التلاقى ، وذلك ما أرجحه! وأيا ما كان الأمر، فإن هذه الأفكار من الناحية الفنية، والتاريخية قد نشرت قبل أن يبدو غيرها فى ميدان الأدب بأمد طويل، عندما كنت أحرر مجلة الإخوان المسلمين... على أن الإسلام، من حيث هو دين، ليس وصف معالمه حكرا لأحد. والمثوبة التى يرتجيها المؤمنون، لا يعرف من سوف يظفر بها، السابقون أم اللاحقون؟ محمد الغزالي ص _007 سياسية الحرية والكفاح . ثمن واحد... لبضائع مختلفة: إن الشجاعة قد تكلف صاحبها فقدان حياته، فهل الجبن يقى صاحبه شر المهالك؟ كلا. فالذين يموتون فى ميادين الحياة وهم يولون الأدبار أضعاف الذين يموتون وهم يقتحمون الأخطار...؟ وللمجد ثمنه الغالى الذى يتطوع الإنسان بدفعه، ولكن الهوان لا يعفى صاحبه من ضريبة يدفعها وهو كاره حقير. ومن ثم فالأمة التى تضن ببنيها فى ساحة الجهاد تفقدهم أيام السلم. والتى لا تقدم للحرية أبطالا يقتلون وهم سادة كرام، تقدم للعبودية رجالا يشنقون وهم سفلة لئام. وهكذا من لم يسهر نفسه للتعليم أياما، أسهره الجهل أعواما، ولو حسبنا ما فقده الشرق تحت وطأة الجهل والفقر والمرض لوجدناه أضعاف ما فقده الغرب وهو يبحث عن العلم والغنى والصحة!! وما دام الشىء وضده يكلفان الكثير فلماذا نرضى بالحقير ولا نطمع فى الخطير؟ ألا ما أجمل قول الشاعر: إذا ما كنت فى أمر مروم فلا تقنع بمادون النجوم! فطعم الموت فى أمر حقير كطعم الموت فى أمر عظيم والذين يحسبون البذل فى سبيل الله مغرما يستحق الرثاء، والموت فى سبيل الله تضحية تستحق العزاء، هم قوم ليسوا من الدين فى شىء، ولا من الدنيا فى شىء. وحق على هؤلاء أن يدفنوا وهم أحياء، وأن يرقدوا فى مهاد الذل لا ليستريحوا، ولكن لتستجاب فيهم دعوة خالد بن الوليد: "لا نامت أعين الجبناء". إن اللصوص عندما يقومون بمغامراتهم الجريئة للسلب والنهب لا يأخذون من الموت أمانا، ولا ينالون من الحظ ضمانا، بل يقدمون وهم يعرفون أن القتل والعذاب لهم ص _008 بالمرصد. ومع ذلك لا يهابون. فكيف الحال إذا تشجع اللصوص وخاف أصحاب الحقوق المهددة وساورتهم الهواجس على أموالهم وأولادهم؟ كيف الحال إذا أقبلت الدول الضاربة الغاصبة، وأدبرت الدولة المضروبة المغصوبة؟! كيف الحال إذا ضحى أصحاب العدوان ونكص أصحاب الإيمان؟! إن القرآن يخاطب المؤمنين فى صراحة مبينا لهم أن المغارم قسمة عادلة بين المؤمنين والكافرين جميعا فى ميادين الكفاح والبقاء. فأيما امرئ نكص على عقبيه مهزوما فقد سقط من عين الله!! يقول القرآن لأصحاب الحق (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله). ويقول: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون) فهل يفر من الألم والجرح والتعب، والكدح فى سبيل الله إلا مجرم دنىء. (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) عندما تمشت مصر مع قواعد الشرف والنجدة والأخوة وقررت أن تحمل السلاح لإنقاذ الأرض المقدسة من إخوان القردة الذين يريدون انتهابها ، تذاكر الناس أن البرلمان قرر بضعة ملايين من الجنيهات، وأن جيش مصر سيواجه فى فلسطين أقواما أولى بأس شديد!! قلت ليس فى شىء من هذا ما يتعاظم الناس فعله. فإن مصر وحدها تنفق 60 مليونا من الجنيهات على الدخان. تلك الحماقة التى تحرق بين الأصابع والشفاه، على غير فائدة. فهل كلفنا ميدان الشرف نصف ما كلفنا ميدان الترف؟ كلا.. ذاك فى المال، أما فى الرجال فكم سنقدم من الشهداء الأبرار فداء لعقيدتنا وكرامتنا؟ إن ضحايا هذا الجهاد النبيل- إن صحت تسميتهم ضحايا- لن يبلغوا أبدا نصف ما قدمته هذه البلاد لأوبئة الحمى أو الكوليرا فى عام واحد. وشتان بين موت وموت!! ص _009 فلنحمل مواثيق الكرامة بعزة وشمم.. ولنأخذ سبيلنا الفذة فى طليعة الأمم!. ولندفع الثمن فى سبيل الله طوعا وإلا دفعناه فى سبيل الشيطان على رغمنا، ثم لا أجر لنا. (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا * قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا). . ضريبة الدم والمال: الرجل الذى يعيش لنفسه فقط، لا ينتفع به وطن، ولا تعتز به عقيدة ولا ينتصر به دين. ولا قيمة لإنسان يكرس حياته لإشباع شهواته وقضاء لباناته فإذا فرغ منها لم يهتم لشىء ولم يبال بعدها بمفقود أو موجود! مثل هذا المخلوق لا يساوى فى ميزان الإسلام شيئا. ولا يستحق فى الدنيا نصرا ولا فى الآخرة آجرا. لا قيمة للإنسان إلا إذا آمن بربه ودينه. ولا قيمة لهذا الإيمان إلا إذا أرخص الإنسان فى سبيله النفس والمال. وقد بين لنا القرآن الكريم أن الرجل! قد يحب أن يعيش آمنا فى سربه، وادعا بين ذويه وأهله، سعيدا فى تجارته، أو مطمئنا فى وظيفته، مستقرا فى بيته ومستريحا بين أولاده وزوجته. بيد أنه إذا دعا الداعى إلى الحرب وقرعت الآذان صيحات الجهاد فيجب أن ينسى الإنسان هذا كله. وأن يذهل عنه فلا يفكر إلا فى نصرة ربه وحماية دينه وإنقاذ آله ووطنه... وإلا فإن الإسلام منه برىء: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين). والأمة التى تستثقل أعباء الكفاح وتتضايق من مطالب الجهاد إنما تحفر لنفسها قبرها وتكتب على بنيها ذلا لا ينتهى آخر الدهر! ص _010 وما ساد المسلمون إلا يوم أن قهروا نوازع الخوف، وقتلوا بواعث القعود، وعرفتهم ميادين الموت أبطالا يردون الغمرات ويركبون الصعاب. وما طمع الطامعون فيهم إلا يوم أن أخلدوا إلى الأرض، وأحبوا معيشة السلم، وكرهوا أن يدفعوا ضرائب الدم والمال. وهى ضرائب لابد منها لحماية الحق وصيانة الشرف، ولا بد منها لمنع الحرب وتأييد السلام، إن كرهنا الحرب وأحببنا السلام... إن كثيرا من المسلمين يحبون أن يعيشوا معيشة الراحة والهدوء والاستكانة برغم ما يهدد بلادهم من أخطار، وما يكتنف مستقبلهم من ظلمات، وحسبهم من الدنيا أن يبحثوا عن الطعام والكسوة، فإذا وجدوا من ذلك ما يسد المعدة ويوارى السوأة فقد وجدوا أصول الحياة، واستغنوا عن فضولها! وتلك لعمرى أحقر حياة وأذلها، وما يليق ذلك بأمة كريمة على نفسها، بله أمة كريمة على الله أورثها كتابه وكلفها أن تعمل به وأن تدعو الناس إليه! ألم يسمع هؤلاء أنباء الحروب العظيمة التى دارت رحاها فى الغرب؟ ألم يروا ضروب البسالة وألوان التضحية التى كان يبذلها كل فريق؟ ألم يروا كيف أن جنودا تنتحر ولا تستسلم للأسر، وأن فرقا من الفدائيين كانت تقف حياتها على المهمات القاتلة، فهم يدفعون أرواحهم ثمنا لها، فى غير وجل أو تردد. فأى حياة ترجوها الشعوب الخوارة والكسول إلى جانب هؤلاء؟ وأى نصر يطلبه أهل الحق إذا أغلوا حياتهم على حين يرخص أهل الباطل أنفسهم فى سبيل ما يطلبون؟ وإذا ضننا على القه بضريبة الدم والمال، فما طمعنا فى نصرته أو أملنا فى جنته، وهو القائل: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون). إن الإسلام دين فداء ودين استشهاد. عرفه كذلك أسلافنا الأمجاد فأحرقوا أعصابهم وعظامهم فى سبيل الله، لا يبالون بالموت! كيف وهو الذى يطلبون، وفيه ص _011 يرغبون؟ فكان هذا الشعور الغامر هو الدعامة المكينة التى بنوا عليها تاريخهم، وسجلوا فيه صحائف خلودهم، فعاش من عاش سعيدا، ومات من مات شهيدا. أما الرجل الذى ينصرف إلى الدنيا ويترك دينه ينهزم فى كل ميدان فلن ينال خير الدنيا ولن يذوق حلاوة الإيمان، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم " لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين " . . بالنفس والنفيس: عن شداد بن الهاد: أن رجلا جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فآمن به ثم قال له: أهاجر معك؟- وكان من الأعراب البدو- فأوصى به النبى كل صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه وضمه إلى جنده... فكانت غزاة انتصر فيها المسلمون وغنم النبى فيها شيئا، فقسمه على من معه وأرسل إلى الأعرابى نصيبه! فلما وصل إلى الأعرابى قال: ما هذا؟ قال: حظك من الغنيمة قسمته لك! قال: ما على هذا اتبعتك! ولكن اتبعتك على أن أرمى بسهم إلى ههنا- وأشار إلى حلقه بيده- فأموت، فأدخل الجنة. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : إن تصدق الله يصدقك. ثم نهضوا فى قتال العدو.. وما لبثوا إلا قليلا حتى جىء بالأعرابي محمولا وقد أصابه سهم فى حلقه حيث أشار بيده!! قال النبى صلى الله عليه وسلم : أهو هو؟؟ قالوا: نعم. قال: صدق الله، فصدقه! ثم كفن فى جبة النبى صلى الله عليه وسلم: ثم قدمه فصلى عليه. فكان مما ظهر من صلاته على الأعرابي القتيل: "اللهم: هذا عبدك خرج فهاجر فى سبيلك. فقتل شهيدا. وأنا على ذلك شهيد " !!. . دين الحق والقوة: يخرج الجندى من وطنه حيث يعيش هادئا آمنا، إلى ساحة الميدان حيث يحمل من الأعباء ويتحمل من المخاطر ما يحتاج إلى بأس شديد وعزم جديد. وقد قدر الإسلام هذه المشقات حق قدرها، وتكفل الله عز وجل لها بأضعاف أجرها . ص _012 فى الميدان الرحيب، تهب الرياح السافية، وتهيج العواصف العاتية، وتمتلئ صدور المجاهدين بالغبار، وتتراكم على ملامحهم وملابسهم وأقدامهم سحب التراب. هذا كله لا ينساه الله للمجاهد المخلص الصبور. فقد جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمعان في جوف عبد: غبار في سبيل الله ودخان جهنم " "ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلا آمنه دخان النار يوم القيامة. وما من رجل تغبر قدماه في سبيل الله إلا آمن الله قدمه من النار يوم القيامة " . وعندما يلقى الليل على الكون أستاره. وينتدب من الجند من يقوم بحراسة المعسكر، ومراقبة الأعداء. فإن يقظة الجندى الساهر على حياة إخوانه، والتفاته لكل حركة، واكتشافه لكل ريبة، إنما هو ضرب من العبادة والتهجد يزيد على الصوم والصلاة. وتلك أيضا حسنة تدخر للمؤمن عند الله: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرص في سبيل الله " والجندى فى الميدان يتعرض للقتل، كما يعرض أعداء الله له، ويقع فى مآزق ضيقة، ويواجه أزمات معنتة ، وتهيج فى نفسه مشاعر القلق، ويخاف تارة على نفسه، وتارة على من معه. والذى يواجه الموت فى كل ساعة لا يستغرب منه أن تتوتر أعصابه وأن يقشعر إهابه. لكن حساب هذه العاطفة المتوجسة لا يضيع عند الله أبدا، كما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما خالط قلب امرئ رهج وجل فى سبيل الله إلا حرم الله عليه النار" وليست حياة المجاهد فى ميادين القتال هى الحياة الرتيبة التى ألفناها، ولا معيشته هى المعيشة السهلة المريحة التى عرفناها، فإن التعب عنصر مشترك فى كل ساعة من ساعاته... عليه أن ينتظر تأخر ضروراته عن موعدها، وأن يتحمل فراغ البطن، وجفاف الحلق، وطول السهر، وكثرة السفر، وحدوث المفاجآت، ووقوع المضايقات. غير أن شيئا من هذا لا يجوز أن يخذل مؤمنا عن الجهاد، ولا أن يؤخره عن أداء الواجب المكتوب عليه لنصرة الله ورسوله: ص _013 (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون). والمغارم والمصارع والجروح الخفيفة أو الغائرة، أمور معتادة فى الحرب، فلا يجوز أن نجزع لها أو نتراجع تحت وطأتها. وما يصيبنا من هذه الأحداث هو شهادة نلقى الله بها، ووجوهنا نضرة، ونفوسنا مستبشرة. "من جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجئ يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران، وريحها ريح المسك ". وفى الوقت الذى تشهد فيه على الفجار جوارحهم بما اقترفوا من آثام تكون جروح المجاهدين دلائل ناطقة بما تحملوا فى ذات الله وما بذلوا فى سبيل الله. إن الإسلام لا ينشئ الحرب إنشاء، إنما يلجأ إليها إلجاء. والمحرج يدفع عن نفسه كيف يشاء، ويثير الحفائظ، ويستصرخ الهمم، ويحشد الجهود، ويستنفد آخر ما لدى المؤمنين من طاقة وحول، ليمهد لنفسه ويزيح العقبات من طريقه ولذلك يقول الله لنبيه: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا). فلا غرو أن يجعل الله فترة الجهاد كلها سلسلة حسنات لصاحبها حتى يتعلم المسلمون الاستقتال فى رفع رايتهم وتدعيم مكانتهم، وحتى تكون حياتهم إعدادا واستعدادا، لا ينتهيان حتى ينتهى الليل والنهار، فلا يضن أحد بنفقة، أو يبخل بجهد، أو ينكل عن تضحية. وكل غال فى سبيل إعلاء الحق يهون. ص _014 ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ساهرة يوم حنين، فأطنبوا فى السير حتى كان عشية، فحضرت صلاة الظهر فجاء فارس، وقال: يا رسول الله.. إنى انطلقت بين أيديكم حتى طلعت فوق بعض الجبال، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم- بظعنهم ونسائهم ونعمهم- اجتمعوا إلى حنين. فتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله!! ثم قال: من يحرسنا الليلة؟ فقال أحد الفرسان: أنا. يا رسول الله. قال: اركب، فركب فرسه وجاء إلى الرسول مستعدا. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: استقبل هذا الشعب حتى تكون فى أعلاه، ولا تغرن من قبلك الليلة- أى لا يخدعك أحد من العدو- فلما أصبحنا خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: هل أحسستم بفارسكم؟ قالوا: لا، ما شعرنا به.. فثوب بالصلاة! فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يصلى وهو يتلفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم قال: ابشروا.. فقد جاء فارسكم! فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر فى الشعب الكثيف، فإذا به قد جاء حتى وقف بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: إنى انطلقت حتى كنت فى أعلى هذا الشعب حيث أمرتني يا رسول الله، فلما أصبحت استكشفت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدا. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم. هل نزلت الليلة؟ قال: لا.. إلا مصليا أو قاضى حاجة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "قد أوجبت- أى لنفسك الجنة- فلا عليك ألا تعمل عملا بعدها"!! ص _015 * الشرق الأوسط .. بين حركات الأحرار وسياسة العبيد إن سياسة الظلام تكتب خاتمتها مؤامرات الظلام!... عندما ترامت إلينا الأنباء بأن القدر الغالب خط للملك عبد الله مصيره المشئوم، رجعت أنا لنفسى أستحيى فيها ذكريات قريبة..! كنت بين اللاجئين إلى المنطقة المصرية من فلسطين، وكنت أتسمع أنباء القرى المهجورة، وحنين الأهل المطرودين من ربوعها. ورأيت يوما رجلا كبير السن، مقطب الجبين، على صفحة وجهه غيوم، يبدو أنها لا تريد أن تنقشع، واستدرجته في الحديث، فعلمت أنه من أهل "اللد" وأن ابنه قتل فى الحرب... ثم هز رأسه آسفا وهو يقول: لقد رأيت بنفسى حادثة المسجد!! قلت: وما حادثة المسجد؟ قال: لما خاننا الملك عبد الله وأمر جيشه بتسليم اللد والرملة لليهود. فوجئنا بمصفحات العدو تقتحم مدينتنا، وانهارت مقاومتنا تحت وطأة اليأس والعجز، وانحاز بضع مئات من الرجال والشباب إلى أحد المساجد ينتظرون النجدة!.. من الوهم! قال الرجل: وكنت هاربا فى بيتى القريب من المسجد فسمعت ضجة فزع، خلال طلقات لا تنتهى من المدافع الرشاشة ورأيت المسجد يتحول إلى مقبرة أو مجزرة. وفى الحرب- يا سيدى- لا تترك الجثث طويلا، حتى لا يسبب عفنها الأخطار للجيش المنتصر.. فما هى إلا لحظات حتى رأيت البنزين يصب على رفات المئات من القتلى العرب و... تحول الصبا والفتوة إلى... رماد تشم منه رائحة الشواء! وسكت الرجل... وتكلمت دموعه!. هاجت هذه الذكريات كلها فى نفسى ، وأنا أسمع محطة الإذاعة تنعى الملك عبد الله، عاهل العروبة والإسلام، وسليل أسرة بنى هاشم الكرام، وعميد بيت النبى عليه الصلاة والسلام، حامى حمى الدين، وناصر قضية فلسطين... إلى آخر ما ألف الناس سماعه من نفاق ودجل عندما يهلك عظيم من عظماء هذه الأيام. لقد اغتيل "رازمارا "، فى إيران، "والنقراشى" فى مصر، "وعبد الله " فى الأردن، واغتيل كثير من الحكام الذين آزروا إنجلترا على حساب وطنهم الجريح... ولهذه الاغتيالات عندى دلالة سيئة مؤسفة! إنها قد تدل على حماسة أفراد، بيد أنها دليل كذلك على بلادة الشعوب وخمولها! ص _016
صفحہ 14
وقد تستغرب هذا الوصف، ولكن المقارنة المجردة تشهد له وتنطق بصدقه. إن الملك عبد الله ألغى البرلمان الأردنى بمجلسيه: النواب والشيوخ، وسكت الشعب وهو يرى مستقبله المبهم، تلعب به أيد لا أمانة لها. أما "لويس السادس عشر" ملك فرنسا، فما ان أراد أن يتنكر للنظام الدستورى، ويلؤم مع الشعب المطالب به، حتى ألقى الشعب القبض عليه وقدمه للمحاكمة، فلما ثبتت عليه جريمة الخيانة للشعب وحقوقه، وضع عنقه تحت السكين، فاجتثته واجتثت معه المظالم المتوقعة. وهكذا قال! القضاء كلمته، ولم يحاول فرد هناك أن يغتال الملك خفية. أما الشرق المسكين فإن أوزار الاستعمار الداخلى والخارجى تنوء بكلكلها عليه وهو يتأوه فى صمت. ووددت لو لم يقتل الملك عبد الله غيلة، وأن يقدم أمام محكمة شعبية، تتولى حسابه حسابا دقيقا. على تصرفاته التى يزعم أعداؤه أنها سببت قتل ألوف من العرب والمسلمين، ومن الجيش المصرى المكافح لتحرير فلسطين. ويوم يقول القضاء العادل كلمته فتستريح ضمائر الأحرار، ويغسل من بلاد الإسلام عار أى عار. . طواغيت: لا يسر قلبى شىء مثل أن أرى اختفاء الجبارين وفراغ أيديهم من أسباب البطش ووسائل الغلبة والقهر وانكشاف مواهبهم بعد زوال الحكم وزوال ما يضفيه الحكم على ذويه من مواهب فارغة!. وعلة هذه العاطفة شعورى العميق بحاجة الشعوب الشرقية إلى حكومات لا تعطيها حقوقها فحسب، بل حكومات تسرف فى ذلك حد تدليل الشعب وإشعاره النهاية القصوى فى الحرية والسماحة، فإن الحكومات المستبدة القاسية، المستهينة بالدماء المستبيحة للحريات، هى فى الحقيقة الجسر الممهد الوحيد الذى يعبر عليه الإذلال الأجنبى والاستعمار الخارجى ليجد أمامه ظهورا أوجعتها سياط الإذلال الداخلى فأصبحت ذيولا ورؤوسا مرنت على الانحناء فأصبحت خفيضة منكسرة! إن دماء الشعوب غالية، فالويل لمن يرخصها من الحكام، والويل لمن يفرط فيها من المحكومين، وعلى دعاة النهضات الشرقية المعاصرة أن يفقهوا هذه الحقيقة، وأن يفقهوا فيها الأجيال القادمة، لقد مضى- ولعله إلى غير رجعة- العصر الذى كان ص _017
صفحہ 15
الحكام فيه يوطدون سلطانهم بالدماء الغزيرة دون أن يخشوا حسابا ولا عقابا. وفى سقوط النقراشى باشا درس لمن يستفيدون من الدروس القاسية. هذا رجل توالت أخطاؤه وتوالى السكوت عنها، حتى إذا حاول بالدماء أن يطيل أجل حكمه قصم الشعب أجله ونفضت الأيدى من التراب الذى أهالته على الضحايا لتهيل التراب كذلك على نوع من الحكم بغيض. إن النفس البارد الذى حاول إطفاء الشعلة الأولى لا يحمل وزر إخمادها وحدها فحسب، ولكنه يبوء بإثمها وإثم الجماهير التى كانت ستشتعل بها، وإثم الأمة المكبوتة العاطفة التى تريد أن ينفجر مرجلها ليكوى بنيرانه الغاصبين ويدخل الرهبة فى أفئدة المعتدين. وكم أود أن تشعر الحكومات السابقة واللاحقة شعورا له بواعثه الصادقة أن بقاءهم فى الحكم عارية من الشعب، إن شاء سكت عنها فبقوا، وإن شاء استردها فسقطوا، وأن الشعب هو الذى يؤدب حكامه المخطئين وليس هو الذى يتلقى لطمات الجبارين المتسلطين. . ألقاب: كتب السلطان سليمان القانونى- خليفة المسلمين فى عهده- إلى ملك فرنسا الرسالة الآتية، وكان الملك الفرنسى قد أرسل يستنجد به لهزائم أصابته فى حروبه. ونحن نورد مقتطفات من نص الرسالة، ثم نعقب عليها ببيان وجهة نظر الدين فيما جاء فيها. لنطهر الدين من لوثات بعض من حكموا باسمه، فإن الشرق- وأغلب نهضاته على الدين- بحاجة إلى دروس متتابعة فى فقه الحكم وإلزام الحكام حدودهم المشروعة، وهذا بعض ما جاء فى هذه الرسالة: "سلطان السلاطين، وملك الملوك، ومانح الأكاليل لملوك العالم ظل الله على الأرض، باشاده، سلطان البحر الأبيض والأسود، وبلاد الرومللى والأناضول وقرصان وأرزوم وديار بكر وكردستان وأذربيجان والعجم ودمشق وحلب ومصر ومكة والمدينة والقدس وسائر بلاد العرب واليمن وإيالات شتى فتحها سلفاؤنا العظام وأجدادنا الفخام بقواتهم الظافرة وكثير من البلاد التى أخضعتها عظمتى الملوكية بسيفى الساطع ص _018
صفحہ 16
أنا ابن السلطان سليم بن السلطان بايزيد شاه السلطان سليمان خان أكتب إليك يا فرنسيس حاكم بلاد فرنسا، أن الكتاب الذى طرحته أمام سدتى الملوكية ملجأ الملوك على يد فرنكيان المستحق لثقتك، والألفاظ الشفاهية التى حملها إلى قد علمت منها أن العدو مستحكم من مملكتك حتى صرت له أسيرا، وتطلب إنقاذك، فجميع ما قلته عرض على أعتاب كرسى عظمتى التى هى ملجأ العالم وقد فهصت شرحه وأحاط . علمى الشريف به... " إلخ. هذا مطلع الرسالة التى نريد التعليق عليها، أرأيت إلى ما تضمنته من ألقاب الجلال والرفعة والتسامى، إنه هو الذى سنقف عنده لنقول حكم الله فيه! فإننا إذا أبصرنا مواضع الخطأ فى الماضى عرفنا كيف نتجنب الانزلاق إليها فى المستقبل. هذه الرسالة لم تملها روح الإسلام، بل سطرت حروفها مظاهر الجبروت التى أحاطت بالحكام فى القرون الأولى! وبذل الإسلام جهود الجبابرة ليجرد أدوات الحكم منها، ويعلم الأمم كيف تتمرد بين الحين والحين عليها. وليس للسلطان سليمان ولا لغيره من الحكام أن يضيفوا إلى أسمائهم هذه المجموعة الفريدة من الألقاب المفتعلة والأوصاف التى أخذ أكثرها من الصفات الإلهية المقدسة، وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه- لما بلغته ألقاب كسرى ملك فارس- وصف صاحبها بأنه أخنع رجل عند الله! وعندما كانت سلطة الحق الإلهى المزعوم تسند الحكام شرقا وغربا، كان أبو بكر الخليفة الأول للإسلام يقول: "أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتم خيرا فأعينونى ، وإن رأيتم شرا فقومونى". هذه الديمقراطية الواضحة جعلت عمر- مقوض الإمبراطوريات الشامخة- يسمى نفسه أمير المؤمنين فقط ويرغب عن كل إضافة أخرى تعطى اسمه فضل جبروت على الناس! وهذا التجرد من ألقاب القداسة ومظاهر الأبهة قصد به الإسلام أن يجعل من الحاكم رجلا يؤخذ منه ويرد عليه، وتنقد تصرفاته كلها فما كان منها صوابا أقر، وما كان منها خطأ رد عليه ولا كرامة، أما وصف أى إنسان من البشر بأنه "ظل الله فى أرضه " فوصف عجيب حقا! ص _019
صفحہ 17
إن كان يراد به تمثيل العدالة الإلهية فى الأرض، فإن الرجل فى أسرته، والعمدة فى قريته، والمأمور فى مركزه، والمدير فى مدينته، كلهم ظلال الله فى الأرض. وفي هذا التعبير ضرب من الشعر والخيال مقصود، أما إن كان ظل الله فى الأرض رجلا يمثل الألوهية بين الناس، فهو يفعل ما يشاء، ويستعبد من يشاء، ويتخذ الحكم ذريعة لهذه السيادة السقيمة، فإن هذا الظل يجب أن يتقلص. فليس الناس عبيدا إلا لرب واحد: (أإله مع الله تعالى الله عما يشركون). وقد تلقب سلاطين الأتراك بما شاءوا من أمارات الجاه وشارات المجد ولم يخجلوا من الاتصاف بأنهم ظلال الله فى الأرض- كما ترى فى هذه الرسالة- مع أن تاريخ الاستبداد السياسى يحفظ فى طياته صورا مخزية لهذه الظلال المريبة، ويوحى بأن هذه الظلال كانت لمردة وشياطين!! إن صلة الحاكم بالته لا تزيد عن صلته جل وعلا بأى عبد من عباده، وقد روى أن رجلا جاء إلى أبى بكر يناديه: يا خليفة الله! فغضب أبو بكر ولم ير نفسه أهلا لهذه الإضافة الخطيرة، مع أن الخلافة عن الله أقرب إلى الحقيقة الإنسانية العامة من- ظل الله- التى ينحلها الحكام المستبدون لأنفسهم! إذ أن البشر جميعا استخلفهم الله مثلا لعمارة الأرض وتنظيم شئونها! وقد استكثر أبو بكر على نفسه هذه الصفة خشية أن ترمز إلى معنى من معانى القداسة المكذوبة وهو أعرف الناس بأن الحاكم رجل من الشعب، اختاره عن رضا ليتولى أمره. وأنه إذا شاء أبقاه وإذا شاء أقصاه، وأن الشعب يملك عليه كل شىء ولا يملك هو للشعب أى شىء. أما نظرية العصور المظلمة فى فهم الحكم والحكام فقد رفضها الدين رفضا حاسما، ولكن هذا لم يمنع بعض السلاطين أن يعيدوا خرافة الحكم الفردى ، وأن ينعتوا أنفسهم بما قرأت من نعوت لا يقرها الدين. * * * * . حقيقة الألقاب الألقاب العلمية الدالة على مدى نصيب صاحبها من الثقافة ، والألقاب العسكرية الدالة على مدى استعداد صاحبها للكفاح، والألقاب الإدارية الدالة على قدرة ص _020
صفحہ 18
صاحبها فى التنظيم والتوزيع.. هذه كلها ألقاب لا يرى الإسلام فى حملها حرجا لأنها ألقاب العمل والكفاية. وكل إنسان يكلف أن يكون عاملا وكفئا، "ما الألقاب الفارغة من هذه المعانى فهى التى اعتبرها الدين شارات نبل مكذوب وعظمة جوفاء. وقد نهى نبى الإسلام أن يقول السيد لخادمه يا عبدى، أو أن يقول الخادم لسيده: يا ربى، أو أن يناديه بأى لفظ فيه ضعة العبيد أمام مولاهم الأعلى، فإن الناس- على اختلاف أقدارهم- أخوة على أية حال. وفراعين مصر القدماء اعتبروا أنفسهم من سلالة الآلهة ليفرضوا على الشعب إرادة لا يعقب عليها، فانظر كيف يقول شوقى فى المقارنة بين العصر القديم والعصر الحديث فى قصيدته التى يخاطب بها توت عنخ آمون: "فؤاد" أعز بالدستور دنيا وأعظم منك بالإسلام دينا ذلك لأن الدساتير كفلت حقوق الإنسان، وأمنت حريات الشعوب، ووازنت بين السلطات المختلفة مما يصون المصلحة العامة. والدول التى نضجت كرامتها السياسية ألغت الألقاب تاما، أو أبقتها لتشهد بعينها كيف زال عنها سلطانها القد يم، ف "لوردات " إنجلترا يحكم عليهم "مستر" فلا يشعرون بغضاضة ، ولا يشعر نحوهم بإذلال وكره. أما فى الشرق فلا تزال الألقاب تحكم على الناس بالهوان وتحكم على أصحابها بالغرور. ومن الواجب فك آصارها ومحو آثارها. ورحم الله شوقى إذ يقول: ومن خدع السياسة أن تغروا بألقاب الإمارة وهى رق وكم صيد بدا لك من ذليل كما مالت من المصلوب عنق * * * . من تاريخ الكبراء: مديح الحكام والتغنى بمآثرهم يشغل قسما ضخما من صحائف الأدب العربى ويعد سلم الارتقاء الأول للشعراء الذين يريدون الشهرة والظهور. وتمدح الأمراء ليس سنة إسلامية، بل تقاليد الإسلام فى ذلك تتبع بالنقد والتمحيص فإن كانت عدلا وخيرا أيدت بالعون الصحيح لا بالملق الكاذب، وإن ص _021
صفحہ 19
كانت جورا وشرودا فندت بالقول الصريح والرأى النصيح، وهذا ضرب من الجهاد الأدبى والشجاعة المعنوية، لا قيام للحق إلا بهما. وقد روى أن وفدا جاء إلي النبى صلى الله عليه وسلم يقول له: "أنت سيدنا"، فقال لهم: "السيد الله " فقالوا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا قولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان ". وروى كذلك: أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بأن يحثى التراب فى وجوه المداحين. ومع ذلك فإن سجلات الأدب القديم تضم بين جوانبها صورا لرجال استووا على الأرائك الفخمة بين أيديهم السعاة والحجاب والسيافة، يدلف إليهم شاعر ذرب اللسان، لا يزال يهتف بالقول، ويصرخ بالنظم، ويهيم فى أودية الخيال، وينسب إلى ممدوحه فنونا من المواهب تسلكه مع أبطال الأساطير، ثم ترمى إلى هذا الدجال بدرة من الذهب، ينصرف بها ثمنا حراما لأكاذيبه. وتشيع بعدئذ بين الناس قالة السوء التى ألفها على أنها مدح لأحد الساسة أو القادة، ويسدل حجاب كثيف على حقائق الحياة التى يعيش فيها الولاة وتعيش فيها الشعوب وينتهى الأمر! وتتكرر هذه المأساة كما تتكرر مناظر ألف ليلة وهى تقص أخبار الزمان، أو كما تتكرر مواقف عنترة وهو ينازل الفرسان، إلا أن هذا الإيغال فى الخيال استيقظت بعده الأمة الإسلامية على طبول الأعداء تجوس خلال الديار وتهدم آخر ما بقى من البناء المنهار! من أين كان يدفع الأمراء والحكام هذه الأعطية السخية ألوفا من الدنانير تتبعها ألوف، إنه من مال الشعب.. والشعوب لا تدفع المال فى أبهة شخص وزخارفه فهذا ما يمنعه العقل والنقل. لكن المترفين من الحكام الأولين أبوا إلا أن يعيشوا فى هذا المحظور وإلا أن يحيطوا أنفسهم بالأفاكين الذين حبسوا أفكارهم، ووقفوا جهودهم على تدعيم سلطان الجبابرة، وتجاهل أحوال الأم، وبلغ العهر بأحد هؤلاء المتملقين أن يقول لخليفة فاطمى: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار فهل ستسمح شعوب الشرق يا ترى بعودة هذه الحال؟ وهل ستسمع للأفاكين من حملة الأقلام وهم يمهدون لها؟ ص _022
صفحہ 20
وما دمنا فى حديث الملق والزلفى للرؤساء والكبراء، فلا يجوز أن ننسى ظاهرة شنيعة لوحظت على فريق من كبار شيوخ الدين. فإن إطراءهم للحكام ومسارعتهم المريبة إلى تهنئتهم فى كل مناسبة، وتعزيتهم فى كل مصيبة بأسلوب يكتبه الأرقاء والأتباع، ويتنزه عنه الرجال الأحرار. هذه الظاهرة التى تدل على داء عياء بالقلوب، قد غضت من شأن الدين ومنزلته لدى العامة. وقد تذاكر الناس أن شيخا كبيرا من جلة العلماء- كما يقولون- كان فى المرض الذى يسقط عنه الصلاة، لا ينسى أداء مراسم الوثنية السياسية على حين كان الدكتور طه حسين وموقفه من الدين معروف يتكلم بحذر ويرسل مدائحه بقدر!! هذا فى الوقت الذى شطبت فيه ميزانية الأزهر. وأرسل المال سيلا غدقا إلى وزارة المعارف التى يشرف عليها "طه حسين " وإذا كان سكوت العلماء عن فسق الحكام جريمة، فإن تمدح العلماء للحكام الفسقة كفران مبين. والمثل العالى لشيوخ الأزهر القائمين بحق الله ورسوله نأخذه من مسلك الشيخ "محمد عبده ". فعندما كان عبيد الولاء للأتراك يخونون الإسلام ويساندون الظلم، انضم هذا الشيخ الجليل إلى الشعب مطالبا بدستور يقيد سلطة الحكم الفردى ويضغطها فى حدود ما شرع الله. وقاد الثورة التى اشتعلت لذلك ولاقى من جرائها ما لاقى. وإننا لنقرأ ما كتب الشيخ "محمد عبده " فى نقد الأوضاع المعاصرة، ثم نقرأ ما يهرف به مخرفة الشيوخ فى وصف أحوالنا الحاضرة فنجد العجب العجاب، ونحس أننا هبطنا من القمة إلى القاع. وفى شهر يونيو سنة 1902 أقيمت بعض الاحتفالات لمناسبة الذكرى المئوية على تأسيس محمد على الدولة المصرية، فكتب الشيخ "محمد عبده " فى الجزء الخامس من المجلد الخامس من المنار الصادر فى 7 يونيه سنة 1902 تحت عنوان "آثار محمد على فى مصر": لغط الناس هذه الأيام فى محمد على... وما له من الآثار فى مصر والأفضال على أهلها، وأكثرت الجرائد من الخوض فى ذلك، والله أعلم ماذا بعث المادح على الإطراء، وماذا حمل القادح على الهجاء . غير أنه لم يبحث! باحث فى حالة مصر التى وجدها عليها محمد على وما كانت تصير البلاد إليه لو بقيت، وما نشأ من محوها واستبدال غيرها بها على يد ص _023 محمد على.. أقول الآن شيئا فى ذلك ينتفع به من عساه أن ينتفع.. ويندفع به من الوهم ما ربما يندفع.. ما الذى صنعه محمد على؟ لم يستطع أن يحيى. ولكن استطاع أن يميت. كان معظم قوة الجيش معه.. وكان صاحب حيلة بمقتضى الفطرة، فأخذ يستعين بالجيش وبمن يستميله من الأحزاب على إعدام كل رأس من خصومه، ثم يعود بقوة الجيش وبحزب آخر على من كان معه أولا وأعانه على الخصم الزائل، فيمحقه وهكذا حتى إذا سحقت الأحزاب القوية، وجه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة. فلم يدع فيها رأسا يستقر فيه ضمير "أنا"... واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلا لجمع السلاح من الأهلين، وتكرر ذلك منه مرارا حتى فسد بأس الأهلين وزالت ملكة الشجاعة فيهم. وأجهز على ما بقى فى البلاد من حياة فى أنفس بعض أفرادها فلم يبق فى البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه. أخذ يرفع الأسافل.. ويعليهم فى البلاد والقرى كأنه يحن لشبه فيه ورثه عن أصله الكريم (!) حتى انحط الكرام وساد اللئام، ولم يبق فى البلاد إلا آلات له يستعملها فى جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة، فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأى وعزيمة واستقلال نفس. ليصير البلاد المصرية جميعها إقطاعا واحدا له ولأولاده بعد إقطاعات كانت لأمراء عدة. ماذا صنع بعد ذلك؟ اشرأبت نفسه لأن يكون ملكا غير تابع للسلطان العثمانى، فجعل من العدة لذلك أن يستعين بالأجانب من الأوربيين، فأوسع لهم في المجاملة، وزاد لهم فى الامتياز، حتى صار كل صعلوك منهم لا يملك قوت يومه ملكا من الملوك فى بلادنا، يفعل ما يشاء ولا يسئل عما يفعل، وصغرت نفوس الأهالي بين أيدى الأجانب بقوة الحاكم، وتمتع الأجنبى بحقوق الوطنى التى حرم منها، وانقلب الوطنى غريبا فى داره غير مطمئن فى قراره فاجتمع على سكان البلاد المصرية ذلان.. ذل ضربته الحكومة الاستبدادية المطلقة.. وذل سامهم الأجنبى إياه ليصل إلى ما يريده منهم.. غير واقف عند حد أو مردود إلى شريعة. لا يستحى بعض الأحداث من أن يقول: إن محمد على جعل من جدران سلطانه بناء من الدين.. أى دين كان دعامة للسلطان محمد على؟ دين التحصيل؟ دين الكرباج..؟ دين من لا دين له إلا ما يهواه ويريده..؟ وإلا فليقل لنا أحد من الناس.. أى عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامى الجليل؟ ص _024
لا أظن أن أحدا يرتاب- بعد عرض تاريخ محمد على- على بصيرته أن هذا الرجل كان تاجرا زارعا، وجنديا باسلا، ومستبدا ماهرا، ولكنه كان لمصر قاهرا.. ولحياتها الحقيقية معدما.. وكل ما نراه الآن فيها مما يسمى حياة فهو من أثر غيره، متعنا الله بخيره، وحمانا من شره، والسلام. * * * شرق جديد: توزعت أطماع الاستعمار أكثر أمم الشرق، وسقطت شعوبه فريسة سهلة أو غنيمة باردة فى مخالب الغرب الحديث، وتفتحت أعيننا- نحن أبناء الجيل الحاضر- فإذا بميزان العالم يميل عن مستواه العادل، وإذا بكفتنا تطيش فى نواح شتى، وإذا بالمغانم تتجه إليهم سيلا دافقا، والمغارم تتجه إلينا موجا خانقا، حتى وهم جمهور كبير من أبنائنا أننا خلقنا لنكون فى المنزلة الثانية أبدا وأن منزلة الشرق من الغرب هى منزلة التابع من المتبوع. وهذا خطأ واضح يهدمه التاريخ من أساسه. والذين وقعوا فيه معذورون لأن عمر الإنسان قصير إلى جانب عمر الدنيا، وما يشهده من حوادثها ليس إلا فصلا ضئيلا من رواية طويلة الفصول، ضاربة فى أغوار الماضى البعيد، وقد شهد النظارة فى هذا العصر فصلا أخذ الغرب فيه بخناق الشرق، وجثم على صدره وارتفعت الستارة أمامهم عن هذا المشهد المثير، وتكررت صوره لأعينهم المذهولة بروعة المفاجأة، فحسبوا أن الرواية كلها هذا الفصل الواحد، وأن التاريخ كله هذه الحقبة الميتة، وأن الشرق كله هذا المشهد المخزى ، وأن الغرب كله هذا الخصم المتوثب العنيف. ولو أعدنا عرض الشريط التاريخى لبضعة قرون خلت لوجدنا وراء سواحل "المانش "
صفحہ 23