السلوك في طبقات العلماء والملوك
السلوك في طبقات العلماء والملوك
ایڈیٹر
محمد بن علي بن الحسين الأكوع الحوالي
ایڈیشن
الثانية
سلطنتیں اور عہد
رسولی سلطنت
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَبِه نستعين
الْحَمد لله الْملك الْعَظِيم الأول الآخر الْقَدِيم باعث نبيه مُحَمَّد مبرهنا طَرِيق التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وداعيا إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فَبلغ ﷺ الرسَالَة على التَّعْمِيم ونهج لمن تبعه الدّين القويم فَوَجَبَ على الكافة تَصْدِيقه وَالْقِيَام بِوَاجِب الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيم فَلهُ الْحَمد حمدا يخرج عَن دَرك الإحصاء ويرغم بِهِ أنف من جحد وَعصى وَصلى الله على نبيه الْمُصْطَفى صَلَاة أستأنس بهَا حِين وَحْشَة الْقُبُور وأتميز بهَا فِي الدَّاريْنِ عَن أهل الويل وَالثُّبُور وعَلى جَمِيع إخوانه من النبييين وَالْمُرْسلِينَ وَآل كل والصحب أَجْمَعِينَ
أما بعد لما كَانَ علم التَّارِيخ من الْعُلُوم المفيدة والقلائد الفريدة موصلا علم السّلف إِلَى من خلف مُمَيّزا لِذَوي الْهِدَايَة عَن أهل الصلف يُعِيد ذكر الْأَعْصَار بعد ذهابها وينبه على خطئها من صوابها ويجدد أَخْبَارهَا وآثارها ويميز أخيارها من أشرارها وحالها عَن أحارها فبه يَسْتَفِيد الآخر عقول الأول وَبِه يتَمَيَّز أهل الاسْتقَامَة عَن أهل الزلل ثمَّ يحمد بِهِ النَّاظر اللبيب قَصده وَبِه يعرف أَبَانَا آدم وَمن بعده وَإِن تَأَخّر عَنْهُم وَطَالَ عَهده ثمَّ لولاه لجهلت الْأَنْسَاب واندرست الأحساب وَلم تفرق بَين الجهلة وَذَوي الْأَلْبَاب وَلما عرف من الْمُتَقَدِّمين فضل فَاضل على مفضول وَلَا ميز بَين سَائل ومسؤول ولولاه حَقًا مَاتَت الدول وَلم يصل إِلَيْنَا من أَخْبَار الماضين غير الْأَقَل وَفِي ذكر أَخْبَار الْمُتَقَدِّمين من الإفادة مَا شهد بِهِ نطق الْقُرْآن
1 / 59
وَفِي قَوْله تَعَالَى وكل نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك ثمَّ قد ذكر بعض أَئِمَّة التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين﴾ أَن مَعْنَاهُ اجْعَل لي جاها وَحسن صيت فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة يبْقى أَثَره إِلَى يَوْم الدّين وَطَرِيق دوَام ذَلِك إِنَّمَا يكون من قبل التَّارِيخ
وَذكر بعض الْعلمَاء الْمُحَقِّقين أَن الله أنزل فِي التَّوْرَاة سفرا من أسفارها مُفردا متضمنا أَحْوَال الْأُمَم السالفة ومدد أعمارها وَبَيَان أنسابها فَلَمَّا كَانَ كَذَلِك وَثَبت فِي ذهني ذَلِك ووقفت على مَا أوردهُ أَعْيَان الْأَئِمَّة وعلماء الْأمة مِمَّا رَوَوْهُ عَن الْمُخْتَار وقدوة الْأَطْهَار من قَوْله ﷺ الْإِيمَان يمَان وَالْفِقْه يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية أوردهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده وَالْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه يَقُول أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة الْفِقْه يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية
وَذكر مُسلم فِي صَحِيحه أَنه قَالَ ﷺ جَاءَ أهل الْيمن هم أرق أَفْئِدَة الْإِيمَان يمَان وَالْفِقْه يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية
ذكر بعض الْعلمَاء أَن الْغَرَض بالْخبر الْمَذْكُور الثَّنَاء على أهل الْيمن لإسراعهم إِلَى الْإِيمَان وَحسن قبولهم لَهُ من غير حَاجَة إِلَى عَسْكَر وَلَا قتال
وَذكر ابْن أبي الصَّيف فِي كِتَابه الميمون المتضمن لبَعض فضل أهل الْيمن أَن القَاضِي أَبَا عبد الله الْحُسَيْن بن عَليّ الصَّيْمَرِيّ ذكر فِي أَخْبَار الإِمَام أَبى حنيفَة وفضائله بِسَنَد إِلَى ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَتَاكُم أهل الْيمن هم أرق قلوبا وألين أَفْئِدَة يُرِيد أَقوام أَن يضعوهم ويأبى الله إِلَّا أَن يرفعهم
وَذكر الرَّازِيّ الْآتِي ذكره بكتابه عَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه أدْرك من عشيرته من
1 / 60
لَقِي سطحيا وَخَبره أعقاب من لَقِي شقا أَنَّهُمَا سئلا عَن كثير من أَخْبَار الْيمن فأخبرا بأحداث تكون فِيهَا
مِنْهَا أَنَّهُمَا قَالَا بِالْيمن ثَمَانِي بقاع مِنْهَا أَربع مقدسات أَو قَالَا مرحومات وَأَرْبع محرومات أَو قَالَا مشئومات وَثَمَانِية كنوز فالبقاع المرحومات مرامعين وَبِه الْكَثِيب الْأَبْيَض وَهُوَ رِبَاط يخرج إِلَيْهِ النَّاس إِلَى عصرنا هَذَا والجند ومأرب وزبيد
وَالْبِقَاع المحرومات أَو المشئومات ختا الْجَبَل الْأَشْهب سيد جبال النَّار قطب الْيمن إِذا سكن سكنت الْيمن يكون فِيهِ زلازل وَفِي جوَار فوهته دارت سِتّ عشرَة وقْعَة وَتظهر فِيهِ النَّار والخراب وتعوي فِيهِ الذئاب ثمَّ تعمر فِيهِ الدّور وتشيد فِيهِ الْقُصُور ويؤهل فَيكون مصرا من أَمْصَار الْمَنْصُور ويسير بَين يَدَيْهِ رجل من أَهله كَأَن بِهِ رَاجِلا بَين يَدَيْهِ حافيا متذللا لَهُ مسارعا إِلَى طَاعَته نَافِذا فِي أمره وتذل بِهِ الْجبَال من السهول وَيكون أشهر مَا بِالْيمن
وَالثَّانيَِة من المحرومات أَزَال وَالثَّالِثَة تهَامَة وَالرَّابِعَة المعافر قَالَ وَقَالَ ابْن يَعْقُوب وَأما الَّذِي كنت أسمعهُ من شُيُوخ الصنعانيين وعلمائهم ان الملعونات نَجْرَان وصعده وأثافت وضهر ويكلا وَذكر عجائب كَثِيرَة لَيست من ملازم الْكتاب فَمن أرادها نظرها
1 / 61
وَكنت بِحَمْد الله امْرَءًا مِنْهُم مولدا ومنشأ وانضاف إِلَى ذَلِك مَا هُوَ مَعْلُوم من حب الوطن عِنْد الملا ومتعارف بَين الفضلا وَله يَقُول ابْن الرُّومِي شعرًا ... وَمَا الشوق للأوطان من أجل طيبها ... وَلَا شرف فِيهَا وَفضل مقَام
وَلكنه فِي النَّفس طبع لأَجله ... يُجَادِل فِي تفضيلها ويحامي
وَمن ثمَّ يهوى الطِّفْل فِي النَّفس أمه ... ويأبى سواهَا وَهِي ذَات وشام
وَمن غربَة يبكي الْجَنِين إِذا بدا ... وَقد كَانَ فِي ضيق وفرط ظلام ... فَأَحْبَبْت حِينَئِذٍ وضع كتاب أجمع فِيهِ غَالب علمائه وأذكر مَعَ ذكر كل مَا ثَبت من حَاله مولدا ونعتا ووفاة بعد أَن أضم إِلَى ذَلِك إِشَارَة من اعْتقد أَن إِشَارَته حكم وطاعته غنم فاعتمدت ذَلِك متقربا بِالْإِشَارَةِ وراجيا من الله الْإِعَانَة
ثمَّ عرض لي أَن مَتى عرض مَعَ ذكر أحد من الْعلمَاء ذكر أحد من الْأَعْيَان ذكرت من حَاله مَا لَاق ثمَّ أضفت إِلَى ذَلِك طرفا من أَخْبَار الْمُلُوك وَجَعَلته مُخْتَصرا أُرِيد بذلك جعل الْكتاب جَامعا لذكر الْفَرِيقَيْنِ ورؤساء الدَّاريْنِ
وبدأت بالعلماء لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم﴾ وَثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين وأحببت أَن أقدم نبذة من الْأَخْبَار دَالَّة على فضل الْعلمَاء والملوك
فَمن الدَّلِيل على فضل الْعلمَاء مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِسَنَدِهِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سلك الله ﷿ بِهِ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة وَأَن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا رضَا لطَالب الْعلم وَأَن الْعَالم يسْتَغْفر لَهُ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض حَتَّى الْحيتَان فِي جَوف المَاء
ولفضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر على الْكَوَاكِب وَأَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذ بِهِ أَخذ بحظ وافر
قَالَ الْخطابِيّ فِي معالمه فِي معنى وضع الْمَلَائِكَة أَجْنِحَتهَا لأهل الْعلم ثَلَاثَة
1 / 62
أَقْوَال أَحدهَا التَّوَاضُع والخشوع تَعْظِيمًا لَهُ وتوقيرا لعلمه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة﴾ وَقيل وضع الْجنَاح مَعْنَاهُ الْكَفّ عَن الطيران وَألْحق بالعالم جليسه لاستماع الذّكر مِنْهُ كَمَا جَاءَ فِي خبر آخر مَا من قوم يَجْلِسُونَ مجْلِس ذكر إِلَّا غشيتهم الرَّحْمَة وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة
قيل لعطاء بن أبي رَبَاح مَا مجَالِس الذّكر فَقَالَ هِيَ الَّتِي تعرف بهَا كَيفَ تَأْكُل وَكَيف تشرب وَكَيف تنْكح وَكَيف تبيع وَكَيف تبْتَاع وَكَيف تقيم فَرَائض الله عَلَيْك وَسنَن نبيه وَمَتى جَوَازهَا ووجوبها أَلا ترى أَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ إِذْ لَا يسْأَل الْجَاهِل عَن أمره الَّذِي لَا يُعلمهُ غير من يُعلمهُ فَنزلت هَذِه الْآيَة على أَن أهل الذّكر هم الْعلمَاء
وَالْقَوْل الثَّالِث أَن معنى فرش الْجنَاح ليحمل الطَّالِب عَلَيْهِ ليبلغه وطره وَيقرب عَلَيْهِ الْبعيد من مقْصده كَمَا شَاهد ذَلِك جمع من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين وَنقل لنا نقلا متواترا كَمَا سنذكر ذَلِك فِي ذكر الْحَافِظ العرشاني إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقَوله وَإِن الْعَالم يسْتَغْفر لَهُ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض حَتَّى الْحيتَان فِي جَوف المَاء فَكَانَ اسْتِغْفَار أهل السَّمَاء لما لَهُم على ألسن الْعلمَاء من الذّكر بجميل الْأَفْعَال واعتقاد التَّفْضِيل لَهُم والتبجيل وتمييز مقربهم عَن غَيرهم وأمد الأَرْض لما لَهُم على ألسن الْعلمَاء من التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَالْمُسْتَحب وَالْمَكْرُوه فِي الْآدَمِيّين وَمن طَرِيق ذَلِك أمره لَهُم بِحُقُوق من ولوا أمره بِملك أَو اسْتِحْقَاق وَكَيف صفة ذَلِك وَأما الثَّوَاب لفَاعِله وَالْعِقَاب لتاركه ثمَّ تعريفهم للمستباح مِنْهَا أكولا وحمولا وحلوبا وركوبا وَمَا الَّذِي يجمع ذَلِك كَالْإِبِلِ وَمَا لَا يجمعه ثمَّ تعريفهم بِمَا يحل وَبِمَا لَا يحل وَكَيف بَيَان تَحْلِيله من تَحْرِيمه وَمن قبيل هَذِه الْحيتَان وَذكر الشَّارِع ذَلِك مُبَالغَة واستقصاء واستغراقا إِذْ هم المرشدون إِلَى الْمصلحَة فِي بَابهَا والموصون بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا وَأَن لَا تعَارض عَبَثا وَلذَلِك ألهمت محبتهم وَالِاسْتِغْفَار لَهُم كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر وَالْأَحَادِيث الدَّالَّة على فضل الْعلم وَأَهله يطول ذكرهَا
1 / 63
وَيذكر الْعلمَاء عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ الْعلم ثَلَاثَة أحرف الْعين من عليين وَاللَّام من اللطف وَالْمِيم من الْملك فَيبلغ بِصَاحِبِهِ أَعلَى الدَّرَجَات من العليين والزلفى بهَا إِلَى اللطف فِي الدَّاريْنِ وَالْملك فيهمَا
وَعَن بعض الْعلمَاء الْعلم نزهة الْقُلُوب وَالْأَدب تحفة الْأَلْبَاب وَأحسن مَا وعى الْمَرْء فِي عمره علم يلْبسهُ للزِّينَة فِي العاجل وينتج عَنهُ سَعَادَة الآجل
وانقضى ذكر مَا أسلفته من الْآثَار فِي فضل الْعلم وَأَهله
وَأُرِيد اتِّبَاع ذَلِك بِمثلِهِ فِي فضل الْمُلُوك وَهُوَ آثَار مِنْهَا قَوْله ﷺ السُّلْطَان ظلّ الله فِي أرضه يأوي إِلَيْهِ كل ملهوف
قَالَ الحريري فِي درة الغواص مَعْنَاهُ ظله السابغ على عباده المسبل على بِلَاده وَقَالَ بعض الْعلمَاء الدّين بِالْملكِ يقوى وَالْملك بِالدّينِ يبْقى وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ عُثْمَان بقوله أَن الله ليزع بالسلطان مَا لَا يَزع بِالْقُرْآنِ وَمن قبيل ذَلِك قَول ابْن الْمُبَارك الْجَمَاعَة حَبل الله فَاعْتَصمُوا مِنْهُ بعروته الوثقى ... الله يدْفع بالسلطان معضلة ... عَن ديننَا رَحْمَة مِنْهُ ودنيانا
لَوْلَا الشَّرِيعَة لم تأمن لنا سبل ... وَكَانَ أضعفنا نهبا لأقوانا ... ثمَّ قد ذكر الْعلمَاء لذَلِك أَعنِي فضل الْعلمَاء من الْمُلُوك آثارا يطول سردها ويسمج شرحها يعرفهَا الْعَارِف وَلَيْسَ غرضي بِوَضْع مَا وضعت من ذَلِك إِلَّا التَّنْبِيه والإذكار لِذَوي الْأَبْصَار ثمَّ تَعْرِيف النَّاظر أَن لَيْسَ غرضي بِذكر الْعلمَاء أخص الْمُحَقِّقين مِنْهُم والمتسمين من أهل الْفَهم فيهم إِذْ ذَاك ينْدر فِي كل جيل لَكِن مرادي غَالِبا ذكر الْفُقَهَاء وَمن رَأس مِنْهُم ودرس وبالصواب أفتى وَهدى إِذْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْعلم مَدِينَة
1 / 64
لَهَا بَابَانِ أَحدهمَا للدراية وَالْآخر للرواية فغرضي أَن أذكر أهل الْبَابَيْنِ الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة لَا من حقق الْعلم وأكمل شُرُوطه وتميز أهل زَمَانه وأوانه بل كَمَا فعل ذَلِك من سبقني من المصنفين لذَلِك المطيلين مِنْهُم والمقصرين وَلَو أَرَادَ أحد حصر تصنيفه بِذكر من أكمل الْعلم معرفَة لعجز
فَإِن ذَلِك أَمر لَا يَنْتَهِي وَالله يَقُول ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ فَوق كل عَالم أعلم مِنْهُ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الله مفيض مَا يَشَاء من علمه على من اخْتصَّ من خلقه وَمن ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ الْعلم أَكثر من أَن يحفظ فَخُذُوا عَن كل عَالم محاسنه
وَمَا رُوِيَ عَن جَعْفَر بن الْأَشَج أَنه قَالَ الْعلم كَالْمَالِ مَتى كَانَ بيد الْإِنْسَان مِنْهُ شَيْء سمي مُوسِرًا وَكَذَا من حوى شَيْئا من الْعلم سمي عَالما وَكَذَلِكَ يحوي الْإِنْسَان مَالا كثيرا فَلَا يُزَاد على اسْم الْيَسَار كَمَا أَن الْعَالم وَإِن كثر علمه لَا يُزَاد على الْعَالم لَكِن يتميزان بالأفضلية فَيُقَال أغْنى من فلَان كَمَا يُقَال أعلم مِنْهُ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ الْقَائِل بقوله ... من النَّاس من يدعى الإِمَام حَقِيقَة ... ويدعى كثير بِالْإِمَامِ مجَازًا
وَلَكِن مَتى يخفى الصَّباح إِذا بدا ... وَحل عَن اللَّيْل البهيم طرازا ... ثمَّ قد يَقُول جَاهِل أَو متجاهل مَا الْفَائِدَة الْحَاصِلَة فِي ذكر من أوردته وقص قصَص من توخيته فأجبت الأول بِالسَّلَامِ وَالْآخر أَن فِي ذَلِك فائدتين إِحْدَاهمَا مَا ذكرت أَولا من ذكر الْقُرْآن للأنبياء وأممهم والقرون الْمَاضِيَة وَمن تَبِعَهُمْ وَالْأُخْرَى أَن الْمُتَأَخر مَتى وقف على خبر من تقدمه من الْفُضَلَاء أَو سمع كَيفَ تشميرهم وإقبالهم على الْعلم وَطَلَبه تاقت نَفسه إِلَى الِاقْتِدَاء بهم والانسلاك فِي سلكهم وَالتَّحْقِيق
1 / 65
لتفضيلهم وتجميلهم وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ إِمَام الطريقتين أَبُو الْقَاسِم الْجُنَيْد يَقُول الْأَرْوَاح جنود مجندة من جنود الله يخفى بهَا من قُلُوب العارفين ويصفو بهَا أسرار المريدين فقد يحث الصَّالح الجبان إِلَى المعركة فرسَان الطعان ويهيج الْحَادِي أشواق القوافل وَإِن كَانَ عَن معنى مَا يَأْتِي بِهِ غافل
وَذكر فِي صفة الصفوة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ جَلَست يَوْمًا أحدث فِي حَلقَة فِيهَا سعيد بن السَّائِب الطَّائِفِي فَجعل يبكي حَتَّى رَحمته ثمَّ قلت مَا يبكيك فَقَالَ يَا سُفْيَان إِذا سَمِعت ذكر أهل الْخَيْر وَذكر فعالهم وجدت نَفسِي عَنْهُم بمعزل وَسُئِلَ الْجُنَيْد هَل على كَلَامه الأول دَلِيل قَالَ نعم قَول الله تَعَالَى وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك فَإِذا كَانَ تثبيت فُؤَاده ﷺ بأخبار الرُّسُل فَكيف بِمن عداهُ وَمَتى ذكرت الْفُقَهَاء وَالْأَئِمَّة المتبصرين أوردت مَعَ كل مَا صَحَّ لدي لَهُ من منقبة أَو نعت يحسن إِيرَاده وَإِن لم يكن أَهلا لذَلِك كَانَ إعراضي عَنهُ كَافِيا وَإِلَيْهِ يَقُول ... ولربما كَانَ السُّكُوت عَن الْجَواب جَوَابا
مَعَ أَن المؤرخين قد شحنوا كتبهمْ بِذكر الْعلمَاء وتاريخهم حَتَّى قَالَ المَسْعُودِيّ عَن جمَاعَة مِنْهُم ذكرتهم لنقلهم السّنَن وحاجة أهل الْعلم وَأَصْحَاب الْآثَار إِلَى تَحْقِيق أَحْوَالهم لأخذهم الْعلم عَنْهُم والاستعانة بهم فِي دينهم ودنياهم
1 / 66
وَأَرْجُو أَن الله قد عصمني عَن أَن أرتكب فِي كتابي هَذَا هَوَاء وأميز أحد مِمَّن ذكرته إتباع هَوَاء وأعده من جملَة الملاء وَلَيْسَ لذَلِك أَهلا بل أذكر الْفَقِيه بِمَا ثَبت لَهُ من تَارِيخ أبدأ فِي أول ذكره بميلاده وأختم ذَلِك بوفاته ثمَّ فِي أثْنَاء ذَلِك مَا صَحَّ لي من نعوت ثمَّ مَتى ولي أحد مِنْهُم قَضَاء وَسَار السِّيرَة المرضية قلت محن هَذَا بِالْقضَاءِ وَإِن لم أقل ولي الْقَضَاء سنة كَذَا من قبل فلَان
وَاعْلَم أَنِّي أخذت أَخْبَار الْمُتَقَدِّمين غَالِبا من أحد كتب ثَلَاثَة أكملها فِي ذكر الْعلمَاء وتواريخهم كتاب الْفَقِيه أبي حَفْص عمر بن عَليّ بن سَمُرَة إِذْ ذكر غَالب الْفُقَهَاء بِالْيمن مُنْذُ ظهر بِهِ الْإِسْلَام إِلَى بضع وَثَمَانِينَ وخمسمئة ثمَّ يُقَارِبه كتاب أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ أصلا والصنانعي بَلَدا وَهُوَ كتاب يُوجد كثيرا بأيدي النَّاس يَقُول فِي تَرْجَمَة كل نُسْخَة الْجُزْء الثَّالِث من تَارِيخ الرَّازِيّ ثمَّ يذكر فِي غَالب نُسْخَة مَا لَا يُوجد فِي النّسخ الْأُخْرَى وَبحث جمع كثير من أَعْيَان الْيمن عَن تَحْصِيل النُّسْخَة بكمالها فَلم يَجدوا غير الْجُزْء الْمَذْكُور وَبلغ فِيهِ إِلَى سِتِّينَ وأربعمئة تَقْرِيبًا وحقق فِيهِ جمَاعَة من أهل الْيمن غالبهم من صنعاء والجند وَأورد لَهُم من الْآثَار كثيرا وحقق من أَحْوَالهم
بِخِلَاف مَا ذكره ابْن سَمُرَة ثمَّ إِنِّي تتبعت كِتَابه فَرَأَيْت مَا يدل على كَمَال مُصَنفه ونزاهته عَمَّا ينْسب إِلَيْهِ أهل ناحيته من الاعتزال وَالْقَوْل بِخِلَاف مَا صَحَّ عِنْد أهل الطول فقد طالعت كِتَابه الْمَذْكُور مرَارًا ونقلت مِنْهُ إِلَى كتابي هَذَا أَخْبَارًا وأخبارا
ثمَّ يُقَارِبه تَارِيخ صنعاء لِابْنِ جرير الصَّنْعَانِيّ الزُّهْرِيّ واسْمه إِسْحَاق بن يحيى بن جرير ينتسب إِلَى الْأسود بن عَوْف أخي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَهُوَ كتاب لطيف الحجم بِهِ فَوَائِد جمة ثمَّ يُقَارِبه تَارِيخ عمَارَة الموسوم بالمفيد فِي أَخْبَار صنعاء وزبيد ثمَّ تَدْعُو الْحَاجة إِلَى ذكر أحد لَيْسَ من الْيمن فَأَخذه فِي الْغَالِب عَن
1 / 67
كتاب القَاضِي أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خلكان الْمَعْرُوف بوفيات الْأَعْيَان إِذْ لم يذكر من الْيمن غيراليسير وَكَانَ قَاضِي قُضَاة الشَّام مُعظما عِنْد الْعَزِيز ثمَّ عزل فِي أَيَّام قلاوون الصَّالِحِي لحَدث كَانَ مِنْهُ وَكتابه على الِانْقِطَاع نَحْو ثَمَانِينَ سنه وستمئة ثمَّ من بضع ثَمَانِينَ وستمئة إِلَى وقتي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعمئة إِنَّمَا أخذت الْغَالِب عَن أهل بَيت مِمَّن أَدْرَكته أَو أدْركْت من أدْركهُ مَعَ أَنِّي لم أقصد فِي ذكر أحد رِيَاء وَلَا أطريته مِمَّا يسْتَحق من ثَنَاء وَالله عَليّ فِي ذَلِك من أكبر الشُّهَدَاء وَلم أحبر على جمع ذَلِك إِلَى رَجَاء حُصُول أجر من الله وثواب وَمن أهل الْإِسْلَام دُعَاء مستجاب أَو ثَنَاء مستطاب ثمَّ تبركا باقتداء أكَابِر من سلك من هَذَا المسلك وَذكروا فِي فضلاء زمانهم وَمن تقدمهم أَقْوَامًا يغلب على الظَّن أَن فِي من تَأَخّر جمَاعَة يفضلون عَلَيْهِم أَو على كثير مِنْهُم بِالْعلمِ وَرُبمَا تحقق ذَلِك فِي كثير ثمَّ قبولا لإشارة شَيْخي أبي الْحسن الأصبحي وَهُوَ الَّذِي ذكرت أَولا أَن إِشَارَته فِي حَقي حكم وطاعته غنم مَعَ تعويلي على أَن مطالع كتابي هَذَا يكون معي عِنْد تَحْقِيقه لزلل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وليعفوا وليصفحوا أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم﴾ وَليكن كَمَا قَالَ الأول ... ويغضي عَن الْأَشْيَاء يعلم كنهها ... إِلَى أَن يَقُول النَّاس لَيْسَ بعالم
وَمَا ذَاك من جهل بِهِ غير أَنه ... يجر على الزلات ذيل المكارم ... ثمَّ مَتى تحقق خللا فليصلحه بعد تحوط فَإِنِّي قد أخذت مَا أوردت من مظان جَيِّدَة ورحلت من الْجند فِي طلب ذَلِك إِلَى نواح بعيدَة ثمَّ يعرض مَعَ ذكر أحد من الْعلمَاء ذكر أحد من الْأَعْيَان فأورد من ذكره مَا يشفي النَّفس ويزيل اللّبْس على حسب الطَّاقَة وَمَعَ ذَلِك فالأغراض فِي ذَلِك تبلغ أغراضا مُخْتَلفَة فقد من يُرِيد تَارِيخ
1 / 68