ـ[شرح زاد المستقنع الحجاوي]ـ
مؤلف الأصل: أبو النجا موسى بن أحمد، شرف الدين الحجاوي (المتوفى: ٩٦٨هـ)
الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير
دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير
[الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٢٢ درسا]

نامعلوم صفحہ

زاد المستقنع - كتاب الصيام (١)
مقدمة عن: (تعريف الصيام - حكمه - فضله - الحكمة من مشروعيته)
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن كتاب زاد المستقنع من أشهر المتون الفقهية على المذهب الحنبلي، بل من أولى ما يعتني به طالب العلم في هذا المجال؛ لصغر حجمه، وكثرة مسائله، فعلى طالب العلم أن يعتني بمثل هذا الكتاب، ولا يستمع إلى الدعاوى التي تقلل من شأن هذه الكتب، على حد زعم أصحابها، أن هذه أقوال الرجال، وأنه على طالب العلم أن يتفقه من الكتاب والسنة.
نعم الأصل الكتاب والسنة، ولا يشك في هذا مسلم، ولا يماري في هذا أحد، لكن كيف يتفقه الطالب المبتدئ من الكتاب والسنة؟ ليست لديه الآلة الكافية للاستنباط من الكتاب والسنة، عليه أن يتفقه بواسطة أهل العلم، فالمبتدئ حكمه حكم العامي، الذي فرضه سؤال أهل العلم، ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٤٣) سورة النحل]، والتفقه على مثل هذا الكتاب لا شك أنه يرسم الطريقة السوية التي سلكها أهل العلم قديمًا وحديثًا في التفقه، ولا يعني هذا الكلام أننا نأخذ هذه الأقوال على عواهنها، هذه الأحكام التي تذكر في هذه المتون، لا شك أن أصحاب هذه المتون اجتهدوا في ذكر أرجح الأقوال على حد اجتهادهم، وهم لا يُلزمون أحدًا بمقتضى اجتهادهم.

1 / 1

وأشبه ما يكون مثل هذا الكتاب بالمنهج والخطة التي يسير عليها طالب العلم، يأخذ مسائل هذا الكتاب، وأبواب هذا الكتاب، وفصول هذا الكتاب، بابًا بابًا، فصلًا فصلًا، مسألة مسالة، فينظر في المسألة الأولى من الفصل الأول من الكتاب الأول، فيتصور هذه المسألة، ثم ينظر في دليلها، ومن قال بها من أهل العلم، ومن خالف، وينظر في دليل المخالف ويوازن بين هذه الأقوال من خلال أدلتها إذا كان أهلًا لذلك، وهذه مرحلة لاحقة، لا يدركها الطالب المبتدئ، فعلى الطالب المبتدئ أن يفهم، يكفيه أن يتصور هذه المسائل، ويسأل عما يشكل عليه، ويقرأ على شيخ يرجح له المسائل، وهذه الكتب – أعني المتون الفقهية - لا شك أن فيها بعض الأقوال المرجوحة، وإن كانت راجحة عند المؤلف، وفي هذا الكتاب ما يزيد على ثلاثين مسألة خالف فيها مؤلف الكتاب الراجح من المذهب، وهي راجحة بالنسبة لمؤلف الكتاب، ومؤلف الكتاب منزلته عند الأصحاب معروفة، حتى قالوا: إن المذهب عند المتأخرين ما اتفق عليه في الإقناع، وهو لصاحب الكتاب الحجاوي، والمنتهى، فإذا اتفق المنتهى والإقناع على حكم فهو المذهب عند المتأخرين، فصاحب الكتاب له شأن، وله منزلة عند الأصحاب، وهذا مما يرجح كتابه إضافة إلى صغر حجمه وكثرة مسائله.
أقول: على طالب العلم المبتدئ أن يعتني بمثل هذه الكتب، وغيرها من المتون في سائر الفنون، فينظر في مسائل الكتاب، ويستدل لها كما ذكرنا، وينظر في قول من خالف ودليله، ويوازن بين هذه الأقوال إذا تأهل لذلك، ثم يعتني بالقول الراجح ويعمل به، ويعمل بما يدين الله ﷾ به.
الكتاب الذي قُرر شرحه في هذه الدورة هو: (كتاب الصيام)، وقبل أن نبدأ في شرح وتحليل ألفاظ الكتاب، نبدأ بمقدمة تشتمل على تعريف الصيام، وحكم الصيام، والحكمة من مشروعيته، وغير ذلك مما ينبغي التنبيه عليه.
تعريف الصيام لغة وشرعًا:

1 / 2

الصيام في الأصل في لغة العرب: أطلقوه على الإمساك هذه حقيقته اللغوية، الصيام في اللغة: الإمساك، هذا من حيث الحقيقة اللغوية، ونعرف أن الحقائق اللغوية لها ارتباط وثيق بالحقائق الشرعية، وليس معنى اختلاف أو ذكر الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية أن الحقائق الشرعية نقلت اللفظ من إطلاق إلى آخر، ولا ارتباط بينهما، بل الذي يقرره أهل التحقيق من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن الحقائق الشرعية هي في الأصل اللغوية، لكن الشرع يزيد عليها قيود، يزيد عليها بعض القيود؛ فالعرب قالوا، أو عرفوا الصيام بأنه الإمساك، وترك التنقل من حال إلى حال، فيقال للصمت صوم؛ لأنه إمساك عن الكلام كما قال تعالى مخبرًا عن مريم ﵍، ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [(٢٦) سورة مريم]، ما الدليل على أن المراد بالصوم هنا الإمساك؟ قولها: ﴿فلن﴾، نعم تكملة الآية، ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [(٢٦) سورة مريم]، أي سكوتًا عن الكلام، ومنه قول النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري، وأخرى جارية.
والصيام في الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع يعني عن المفطرات، بنية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وعرف أيضًا بأنه: التعبد لله ﷾ بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
واشتراط النية في النية في الصيام وإدخالها في الحد هو معنى التعبد لله ﷾، يعني نية التقرب إلى الله ﷾ بهذه العبادة.
حكم الصيام:

1 / 3

وحكم الصيام ركن من أركان الإسلام إجماعًا، دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة]، وأما السنة فقوله ﵊ كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» [متفق عليه]. وروى مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمسة» هناك: «بني الإسلام على خمس» أي دعائم، وهنا: «بني الإسلام على خمسة» أي أركان، وإذا حذف التمييز جاز التذكير والتأنيث على حد سواء، كما في قوله ﵊: «من صام رمضان، وأتبعه ستًا» وإلا فالأصل ستة، وهي أيام.
«بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج» فقال رجل لابن عمر: "الحج وصيام رمضان؟ " -يعني كما في الرواية السابقة-، في الرواية السابقة قدم الحج، «والحج، وصوم رمضان» وفي الرواية اللاحقة: «صيام رمضان، والحج» فاستشكل رجل فقال: "الحج وصيام رمضان"، يرد بذلك على ابن عمر، قال: "لا، صيام رمضان والحج هكذا سمعته من رسول الله ﷺ".
اللفظ الأول الذي فيه تقديم الحج على الصيام متفق عليه، فكيف يقول ابن عمر: لا، يعني لا تقل مثل هذا الكلام، صيام رمضان والحج، ثم بين أن ذلك من قوله ﵊ سمعته من رسول الله ﷺ، واختلف العلماء في إنكار ابن عمر ﵄ على الرجل الذي قدم الحج، مع أن ابن عمر رواه كذلك.

1 / 4

يقول النووي في شرح مسلم: "الأظهر -والله أعلم- أنه يحتمل أن بن عمر سمعه من النبي ﷺ مرتين مرة بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضًا على الوجهين في وقتين" يعني رواه مرة في وقت بتقديم الحج، ومرة أخرى في وقت آخر بتقديم الصوم، فلما رد عليه الرجل، وقدم الحج قال ابن عمر: "لا ترد علي ما لا علم لك به، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ"، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، ويحتمل أن ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكر، ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الذي ذكره فأنكره.
وعلى كل حال الصوم والحج ركنان من أركان الإسلام اتفاقًا، وكون الحج يقدم على الصوم، أو الصوم يقدم على الحج لا يقلل من شأن الآخر، المؤخر.
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- اعتمد على الرواية التي فيها تقديم الحج على الصوم، وبنى عليها ترتيب كتابه، فقدم الحج على الصيام في كتابه، ولعل ذلك لما ورد من التشديد في ترك الحج مما هو أكثر من التشديد في ترك الصيام، من الأحاديث المرفوعة والموقوفة؛ إضافة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران]، وهذا في إيش؟ في الحج.
وأجمع العلماء على وجوب الصيام، وأنه ركن من أركان الإسلام، وعلى كفر من جحد وجوبه، واختلفوا في تكفير من تركه مع اعترافه بوجوبه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في مجموع الفتاوى في كتاب الإيمان: "وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، يعني ولو وقر الإيمان في قلبه، لكنه لم يتمكن من النطق بالشهادتين"، هذا يصدق عليه أنه لم يأت بالشهادتين، فالنطق بالشهادتين لا بد منه لصحة الإيمان، لكن إذا وقر الإيمان في قلبه، ومنعه من النطق بهما مانع إن كان المانع خِلقي، أبكم، فلا يؤثر، وإن كان المانع غير ذلك لضيق الوقت وشبهه، فإن هذا مؤثر، لا يحكم بإسلامه حتى ينطق، وأما في الآخرة فأمره إلى الله، لكنه في الدنيا ما لم ينطق فإنه يعامل معاملة الكفار: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» حتى ينطقوا.

1 / 5

"وأما الأعمال الأربعة" يقول شيخ الإسلام، يعني الأركان، من غير الشهادتين، فاختلفوا في تكفير تاركها، والقول بكفر من ترك واحدة منها رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، واختارها طائفة من أصحاب مالك".
فتارك أحد الأركان مع القدرة على فعله على خطر عظيم، فقد بني الإسلام على هذه الأركان، وكل بناءٍ ترك بعض أركانه يوشك أن يتهدم.
والقول المرجح عند جماهير العلماء: أنه لا يكفر إلا من ترك الصلاة على خلاف بينهم في حكم تاركها أيضًا، وقد نقل اتفاق الصحابة ﵃ على كفر تاركها، وإن كان معترفًا بوجوبها.
فضل الصيام:
وفضل الصيام عظيم، وثوابه جسيم، جاءت بذلك الأحاديث الكثيرة المخرجة في الصحيحين وغيرهما من دواوين الإسلام من السنن والجوامع، والمصنفات وغيرها، والمسانيد، ويكفي من ذلك أن الله ﷾ خصه بالإضافة إليه، كما ثبت عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرئ صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ثم قال: للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه» [متفق عليه].
هل فرح الصائم بفطره فرح لانقضاء هذه العبادة والفراغ منها؟ أو أن هذا فرح جبلي؟ فالنفس تتوق إلى الأكل والشرب، وغيرهما من الممنوعات، لا شك أن هذا فرح جبلي لا ينقص من أجر الصوم، ولا يخل بصيام المرء، يعني هل يكون الذي يتمنى أن لو طال النهار أفضل ممن يفرح بفطره؟ يعني إذا أذن المغرب تمنى أن لو مدد النهار زيادة، تلذذًا بهذه العبادة، هل هو أفضل أو الذي يفرح بفطره؟ لا شك أن فرحه بفطره جائز، كما نص عليه هذا الحديث: «للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح» هذا فرح جبلي.

1 / 6

ولا شك أن هذه المسألة فرع عن مسألة كبرى وهي أن من يؤدي العبادة مع التلذذ بها والاشتياق إليها أفضل؟ أو الذي يؤديها على نوع من تحمل المشقة والعسر في أدائها؟ المسألة خلافية بين أهل العلم، هل هذا أفضل أو ذاك؟ لكن المرجح عندهم أن من يتلذذ بالعبادة أفضل من الذي يؤديها مع نوع من المشقة؛ لأنه لم يصل إلى تلك المرحلة حتى اجتاز هذه، ولذا كان السلف يعالجون من قيام الليل الشدائد، ثم لا يزالون أن يتلذذوا به، ومثله الصيام، وغيره من العبادات.
يقول القرطبي في تفسيره: "وإنما خص الله ﷾ الصوم بأنه له، وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات:
أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات.
قد يقول قائل: الصلاة تمنع من ملاذ النفس وشهواتها، الصلاة تمنع، لكن الوقت الذي يقضيه في الصيام، والمنع الذي يترتب على الصيام أطول من المنع الذي يترتب على الصلاة، وإلا ما في أحد يزاول شهواته وهو يصلي، فهما مشتركان في هذا، لكن الوقت الذي يمضيه في الصوم أطول من الوقت الذي يمضيه في الصلاة وغيرها من العبادات.
الثاني: أن الصوم سر بين العبد وبين ربه، ولعل هذا أظهر، لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصًا به، وما سواه من العبادات ظاهر، فلربما فعله تصنعًا ورياءً فلهذا صار أخص بالصوم من غيره.
يقول ابن عبد البر: "كفى بقوله: «الصوم لي» فضلًا للصيام على سائر العبادات"؛ لأن الذي يضاف إلى ﷾ إنما هو الشريف؛ فالإضافة إلى الله ﷾ تقتضي التشريف، ولذا يقول الإمام أبو عمر بن عبد البر ﵀: "كفى بقوله: «الصوم لي» فضلًا للصيام على سائر العبادات".

1 / 7

لكن ينبغي أن يلاحظ أن الصوم المذكور هنا هو الصيام الذي سلم من الخوارم، ولذا يقول ابن حجر في فتح الباري: "اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولًا وفعلًا" اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولًا وفعلًا" جاء في الحديث: «العمرة إلى العمرة» وجاء أيضًا: «الصلوات الخمس» وجاء: «رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها» فالمراد بهذا الصيام الذي يكفر هو: الصيام التام الموافق لمراد الشارع. الصلاة المكفرة -كما يقول شيخ الإسلام- المراد بها الصلاة الكاملة. شيخ الإسلام يقرر هذا ويؤكد عليه وإلا فصلاة من لم يخرج من صلاته إلا بعشرها ماذا تكفر من السيئات؟ الصلاة التي لم يخرج صاحبها منها إلا بعشرها؛ لأن المصلي ليس له من صلاته إلا ما عقل، هذه على حد رأي شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- عسى أن تكفر نفسها.
الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي الصلاة الكاملة، وإلا فكم من شخص يصلي ويزاول المنكرات، وهذا يمشي تمامًا مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة]، والمراد بنفي القبول هنا نفي الثواب المرتب على العبادة، لا نفي الصحة، وإلا فالإجماع قائم على أن الفساق لا يؤمرون بإعادة العبادات، كما هو معروف، فنفي القبول هنا المراد به نفي الثواب المرتب، ترتب آثار هذه العبادة عليها؛ فالعبادة الكاملة من التقي تترتب عليها آثارها، فصلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر، صيامه يجره إلى التقوى التي ذيلت بها آية الصيام، على ما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» «من صام يومًا في سبيل الله» ما المراد بسبيل الله هنا، هل هو الجهاد؟ فيكون هذا الثواب خاص بالمجاهد الصائم، أو المراد به في سبيل الله ابتغاء وجه ﷾؟

1 / 8

المسألة خلافية، والبخاري ﵀ تعالى أدخل الحديث في كتاب الجهاد، فدل على أنه يرجح أن المراد بسبيل الله الجهاد، لكن فضل الله ﷾ لا يحد، وقد يرجَّح القول الثاني وهو أن المراد بسبيل الله ابتغاء وجه الله ﷾.
وأخرج أيضًا من حديث سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون: لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد».
كل هذا يدل على فضل هذه العبادة الجليلة وأنتم على أبوابها، والقدوم عليها، فعلينا أن نحرص كل الحرص أن يكون صيامنا خالصًا لوجه الله ﷾ مصونًا عن ما يخدشه.
حكمة تنوع العبادات:
العبادات المشروعة متنوعة، فمنها ما يختص بالبدن، ومنها ما يختص بالمال، ومنها ما هو مشترك، ومنها ما هو في السر، ومنها ما هو في العلانية، ومنها ما يرتبط بالبدن، ومنها ما يرتبط بالقلب، ومنها ما يرتبط باللسان، والشرع نوع هذه العبادة، هذه العبادات لحكم، ولشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- رسالة في تنوع العبادات.

1 / 9